يوسف مكي منذ فترة كلما جاء الى البحرين مسؤول سياسي رفيع المستوى من هنا او هناك لحلحلة الاوضاع المتردية، خرج علينا من بين كتّاب النظام من يؤكد على ان اهل البحرين قادرون على حل مشاكلهم بأنفسهم، وان حل الازمة السياسية الطاحنة سيكون حلا بحرينيا وعلى الآخرين الا يتدخلوا في شؤوننا. إلا ان ملك البحرين قد اكد هذا الموقف الحكومي مؤخرا عندما قال اثناء ترأسه لجلسة مجلس الوزراء 24/6/2012 اان الشأن البحريني شأن بحريني داخلي خاص بشعب البحرين وأن شعبنا قادر على ادارة خلافاته والتحاور بشأنها دون وساطة خارجيةب.
والمتابع للشأن البحريني لا يجد صعوبة في ان هذه النغمة من الحديث وتأكيد الملك على ذلك، انما تأتي في اعقاب زيارة بوزنر نائب وزيرة الخارجية الامريكية لشؤون حقوق الانسان، والتقائه الحكومة والمعارضة وبعض مؤسسات حقوق الانسان والمجتمع المدني. وتأتي تلك الاقوال الرافضة للتدخل ايضا بعد اعلان بوزنر عن خيبة امله في الاحكام القضائية التي صدرت مؤخرا على بعض افراد الطاقم الطبي والتي تراوحت بين سنة وخمس سنوات، حيث كان يأمل من القضاء ان يحكم بتبرئتهم جميعا، لأن حكم الاطباء يعتبر مناف لابسط حقوق الانسان، ويمثل فضيحة في تاريخ البحرين السياسي والقضائي والاخلاقي، وحرجا لأهم اصدقاء النظام في البحرين، وهم الامريكان.
وفيما يخص لقاءات بوزنر في البحرين لم يرشح منها شيء كثير. لكن كلام الملك بأن الشأن البحريني شأن بحريني داخلي يعني بشكل مباشر رسالة موجهة الى الامريكان من قبل النظام، لا بل من قبل رأس النظام بعدم تدخلهم (الامريكان) في الشأن البحريني، أي في الازمة السياسية القائمة بين النظام والشعب البحريني منذ اكثر من سنة. طبعا عدم السماح للتدخلات هذا الكلام من الممكن ان يكون له قيمة ومعنى لو استطاع الحكم ان يقوم بالاستجابة لمطالب الشعب منذ بداية حركة 14 فبراير. وايضا كان من الممكن ان يكون لهذا الرفض للتدخلات الاجنبية قيمة ومعنى لو امتنع الحكم من البداية عن ادخال قوات السعودية الى البحرين والاحتماء بها في مواجهة شعبه (وهو تدخل سافر في قضية داخلية مهما تكن المبررات). لأنه في قضية التدخلات فيما بين الدول في الازمات السياسية العميقة كما هو الامر في البحرين، كان على النظام ان يفهم أنه لا يمكنك ان تسمح لدولة بالتدخل إذا كانت الامور تسير لصالحك وترفضها إذا لم تكن في صالحك. فطالما سمحت بتدخل هنا فليس باستطاعتك ان تمنع تدخلا هناك وطالما سمحت وبملء ارادتك تدخل هذا الطرف فليس باستطاعتك ان تمنع ذاك الطرف فكيف اذا كان هذا الطرف هو امريكا الحليف الاستراتيجي وحامي النظام، وتقول هذا الشأن داخلي، فأنت بسماحك لأي طرف كان بالتدخل، فإنك تفتح الباب على مصاريعها للتدخلات الاخرى في البلاد. لذلك فإن الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه النظام في البحرين من الاساس هو سماحه للقوات السعودية بالتدخل في الشأن البحريني الداخلي دونما حاجة لذلك، وكان بامكان الحكم ان يكتفي حينها بالتأكيد بأن شعب البحرين ‘قادر على ادارة خلافاته والتحاور بشأنها دون وساطة خارجية’ والدخول في حوار جدي مع شعبه وقواه الفاعلة، ودون حاجة لدخول القوات السعودية في 13 مارس 2011. لقد ورط النظام نفسه وبلده بهذا التدخل.
نعم كان يمكن لهذا الرفض بعدم التدخل ان يبرز الى الوجود ويكون مقنعا قبل الهجوم على الدوّار في فجر 17 مارس 2011 والمعتصمون نائمين. وبالفعل حينها يستطيع المرء ان يقول ان موقف النظام من التدخلات في البحرين منسجم مع نفسه، وقد نأى بنفسه في كل الاحوال عن التدخلات الخارجية من الاقارب والاباعد سواء بسواء بهدف المحافظة على الاستقلال والسيادة، وحل المشاكل الداخلية العالقة بأيادي وعقول بحرينية. ولكن ما قام به النظام للأسف الشديد من استدعاء لقوات درع الجزيرة انما يعكس عدم حرص على سيادة واستقلال البلاد، وما تهالكه الشديد على الوحدة وبأي ثمن الا دليلا على عدم اهتمام النظام بالحلول الداخلية للمشاكل العالقة، والهروب الى الامام بدلا من مواجهة استحقاقات الثورة البحرينية، أي التعويل على الخارج في حل مشكلته مع شعبه بدلا من الداخل، بدلا من الحل البحريني. لكن النظام بروحية المنطق القلبلي والثأر والاستقواء على الحركة الشعبية، ونتيجة للتخبط السياسي، وبسبب عدم قدرته على الاستجابة لمطالب الأمة وعدم قدرته على استيعاب حركة 14 فبراير، استسهل الحل الامني / العسكري وسمح للآخرين بالتدخل في الشأن المحلي وبإرادته، لكنه بالمقابل لم يكن لديه بعد سياسي استراتيجي في قرار سماحه بالتدخل لدرع الجزيرة، ليستشعر ان هذا التدخل القريب الذي يستقوي به الآن على شعب – اعزل إلا من ارادته وعدالة مطالبه – سيشجع على تدخلات اخرى في المستقبل ودون ارادته، لا بل بالرغم منه، وطالما ان الازمة السياسية قائمة ومفتوحة على اسوأ الاحتمالات، فإن البحرين ربما تكون في طريقها الى التدويل. أي الى التدخلات، رغب النظام ام لم يرغب. بالنتيجة فإما ان يرفض النظام كافة التدخلات وهذا ما لم يفعله، اويقبل كل التدخلات وهوما لا يستطيع منعه في كل الاحوال. ومن جراء ما قام به النظام بسماحه للقوات السعودية بالتدخل، فإن الشأن البحريني لم يعد بحرينيا والنظام يعرف ذلك تماما وبالتالي فإن حل الازمة لن يكون بحرينيا كما يعتقد ويشتهي النظام ويروج كتّابه، انما سيكون ضمن تدخلات ربما ستتضح صورتها في المستقبل. وهذا نتيجة منطقية لسياسات النظام الخاطئة تجاه حركة 14 فبراير وتجاه المطالب الشعبية العادلة، واعتقاده ان الحل الامني ورشق المتظاهرين بالمطاطي ورصاص الشوزن ومسيلات الدموع والغازات السامة واستدعاء القوات السعودية، والتنكيل بالناس وتجيير القضاء والامن والاعلام لصالحه، سيحل الازمة، وسيمنع التدخلات. لكن كل ذلك جاء بنتائج لا يرغب فيها النظام. لذلك لا غرابة ان يصبح النظام الحاكم في حيرة بين تدخلات الاشقاء وتدخلات الحلفاء الاصدقاء. والايام حبلى بالكثير في الشأن البحريني. باحث بحريني في علم الاجتماع