صنع في روسيا

حجم الخط
0

معتصم صالحة روسيا هذا البلد الجميل الفسيح والمليء بالتفاصيل الكثيرة الهامّة بالنسبة لنا والغير معروف بالنسبة للكثيرين منّا إما بسبب البعد الجغرافي أو بسبب عدم الإهتمام أو التعتيم الإعلامي. زرته الشهر الماضي وعشت فيه ثلاثة أسابيع. كانت الزيارة تجربة مذهلة ومفاجئة في ما قدمته لي من حقائق معرفية عرَّت لي الواقع الذي عشته وما زال يعيشه كل من يحيا في سوريا. الآن و بعد هذه الزيارة أستطيع فهم كيف أخذ هذا النظام الحاكم شكله الحالي.

هذه الملاحظات البسيطة التي التقطتها وسجّلتها هي مجرد إشارة إلى آلاف الصور التي شاهدتها في تلك البلاد والحالات المختلفة التي عشتها خلال تلك الزيارة وقد تعطي فرصة لبلورة فهم بعض مما نحن عليه وصورة عن تلك العوالم البعيدة – القريبة. روسيا عالم وكتاب شيّق تلحظ اختلافه حالما تصل حدوده لتبدأ بقراءة أولى صفحاته المخيفة حيناً والشيّقة في معظم الأحيان.

تمشي في شوارعها عدا عن زحمة السير الخانقة والغير منظمة أحياناً تشعر وكأنك في أوروبا شعب حضاري مؤدب وخلاق يعتز بنفسه وهويته ويحب بلده روسيا كثيراً جداً.

ولكن عندما تذهب إلى أية دائرة حكومية أو تتعامل مع أي موظف في الدولة تشعر وكأنك في سوريا. بمعنى الموظف يعاملك باحتقار وعنجهية وفوقية وكأنه يمننك دائماً بأنه يقدم لك خدمة مجانية. وتشعر بأنه جاهز لتلقي الرشوة ليحظيك بمعاملة خاصة وطبعاً الفساد ينخر كالسوس في كافي أنحاء هذا الجسد الروسي.

عندما وصلت إلى مركز الحدود الروسي بين روسيا وفنلندا تذكرت مركز الحدود السوري اللبناني عندما كنت أسافر إلى لبنان. ترى النجمات على أكتاف الضباط في المراكز الحدودية تماماً وكأنك في المركز السوري الحدودي, الفارق البارز هو ان النسبة الأكبر من العاملين أينما ذهبت هنّ نساء.

إذا ما أردت التجول في الشارع يجب عليك أن تحمل جواز سفرك حتى ولو كنت روسياً لأنه ربما يوقفك شرطي ويطلبه منك. وإذا أردت أن تسافر بالقطار يجب عليك أن تبرز جواز السفر لكي تقطع التذكرة هذا أولاً ثم يأتي موظف إليك وأنت في القطار للتحقق من التذكرة وموظف للتحقق من جواز السفر والتذكرة قبل أن تصعد. في بريطانيا حيث أعيش ممنوع على الشرطة أو أي جهاز أمني أن يطلب منك أن تبرز هويتك أو أية ورقة رسمية إلا إذا كان يلاحقك خصيصاً بتهمة ما أو إذا ما ارتكبت مخالفة ما.

الخدمة العسكرية ما زالت إجبارية ولكن عندما استقصيت عن الموضوع وماذا يفعلون بهذه الأعداد الكبيرة من الجنود (عدد سكان روسيا 143 مليون نسمة) قيل لي بأن الأكثرية تحاول التهرب من الذهاب إلى الخدمة الإلزامية بأن تؤجل أي تعامل رسمي مع الدوائر الرسمية إلى أن يبلغ الشاب ال 25 حيث يعفى من الخدمة العسكرية الإلزامية بحسب القانون الذي ينص على ذلك. على الرغم من حبهم الكبير لروسيا الكل يكره الذهاب إلى الجيش ليس كرهاً بالجيش بحد ذاته مع أن الكثيرين ربما – يفعلون ولكن بعد سؤالي عن السبب قيل لي: ‘لأنك سوف تعمل أجيراً أو تبني منزلاً لضابط متنفّذ’. وهذا تماماً ما يحدث في سوريا. كنت في سهرة في مدينة سانت بطرسبورغ مع مجموعة من الأصدقاء الأوروبيين والروس تأخرنا وعندما خرجنا أردنا أن نأخذ تكسي لنعود إلى الفندق. فتوجهت إلى سيارة تضع إشارة تكسي. فأمسك بي أحد الأصدقاء الروس وقال لي: ‘هذه سيارة أجرة نظامية لذلك سيكون الأجر مرتفعاً’. وعندما اسفسرت منه عن الموضوع قال لي بأن هناك سيارات خاصة تعمل كسيارات أجرة خلال الليل بنصف تكلفة السيارات العمومية. وفعلاً أوقفنا إحدى هذه السيارات وعدنا بها بنصف الكلفة. مدينة سانت بطرسبورغ أجمل المدن الروسية التي رأيتها. لها خصوصية فريدة في كل شيء وخصوصاً في فنية الهندسة المعمارية. وتلاحظ تلك العلاقة الوثيقة بين هذه الهندسة المعمارية في المدينة والفنون الأخرى كالنحت والديكور والرسم والألوان الزاهية التي تطلى بها جدران الكنائس والكاتدرائيات في المدينة. كل شيء يبدو منسجماً إلا تلك المباني التي شيدت في زمن الاتحاد السوفييتي فتبدو نشازاً. سعر المحروقات في روسيا, (بنزين- مازوت… الخ) أقل بمعدل نصف ما هو عليه في الإتحاد الأوروبي.

في فنلندا, لا تشعر بأي مطب أو حفرة في الطريق وحالما تدخل إلى الأراضي الروسية لا تشعر إلا بالحُفر في الطريق.

الناس لا شكل معين يمكن ان يحدد ويعرّف أشكالهم (كالإنكليز أو الصينيين… الخ.

نساء جميلات بل من أجمل نساء الأرض وعددهم أكثر بكثير من نسبة عدد الرجال. الروس بشكل عام يعشقون الفن بكافة أشكاله وخصوصاً الفنون التشكيلية والرقص والمسرح وينفقون على هذه الفنون بسخاء لم أجد مثيلا له حتى في أوروبا.

زرت جامعات عدة وكل من سألته وهم كثر ماذا تدرس أو تدرسين قال أو قالت لي: إما اقتصاد أو لغات صدفة ربما.

كل الأساتذة الروس الذين تكلمت معهم في أقسام اللغة العربية يتكلمون العربية بشكل مثير للإعجاب. لم أر مثيلا لهذا المستوى على الإطلاق في بريطانيا.

نادراً ما تجد شحاذاً في الطريق أو أي مكان. أمضيت ثلاثة أسابيع ولم تقع عيني على أي شحاذ بعكس اليونان التي قدمت منها لتوي بعد أن عشت فيها لمدة ثلاثة أشهر وهي تعج بالشحاذين من اليونانيين ومن جنسيات أخرى.

بلد يهوي باتجاه النظام الرأسمالي بسرعة كبيرة وشعب حيوي منفتح يعشق الحياة ويحب الآخر.

غالبية من تكلمت معهم لا يحبون فلاديمير بوتين ويرون فيه القيصر الجديد لروسيا الحديثة.’ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية