مبارك وساط(ثماني قصائد)1- ذِكْرى المُعلَّمة تُزَيِّنُ بذلتها بِطَائر في حجرة الدّرس تقولُ إنّ المُعادلاتاختفتْ فجأةً من رأسها حين كانت تسبحفي البحرتلميذةٌ قالتْ: ربّما أكلتْها الأسماكفقلنا جميعا: ربّما، رُبّمابِمُشْطٍ طويل حَمَلتْهُ إليها الرِّيحتَفْرُقُ المعلّمة شَعْرَها من الوسطلكنَّ من يصفّق منّا أكثر ممَّا يَجب سيُحْكَمُ عليه بالطّواف سبعَ مرَّات حول المجنون النَّائم قُرْبَ محطَّة البنزين2- يَغُذُّ السّيريَغُذُّ السّيْرَ في أعماقهالطريق وعروالرِّحلة مُنهِكة ولذيذةأمُّه تُناديه وهو لا يسمعُهاتقول: انهضْ لتفطرَ وتذهبَ إلى المدرسة لكنّه ماضٍ في سبيله، وهو في سريرهصباحَ أمسِ، كان يلعب الكرة مع أصدقائهفيما أَكُفُّ المطر تقرع أبواب الشجرقبل أيّام ثلاثة كان قد رافق العائلة إلى المقبرةحيثُ دفنوا جدّه القرويّ الذي قضى بعد أناشتدَّتْ عليه الغُصّة، لأنّ فأسَه كانتْ، في الليلتحفرُ آبارا في أرجاء بيتهقبل أربعة أيام، رافق خالتهليلتقط لها صُوراوهي تكنُسُ الغابة وفي الليلة الماضية رآى وجها أليفاوجهَ طفلة تعضّ شفتيها كأنّها تُفَكّر في حلّ مسألة حسابيّةكأنّها ابْتسَمَتْ لهكان ذلك في الحلم، والآنيتعرَّف على ذلك الوجه إنّه لا يسمع ما تقوله أُمّهيَغُذُّ السّير في أعماقِهنحو شامة، الطّفلة التي كانتْ تجلس إلى جانبهخلال سنته الثّالثة هاتهفي المدرسةوكثيرا ما كانا يضحكانوربّما يتناوشان في الفصلمتخفّيين عن المعلّمةثُمّ اختفَتْ فجأةًوقيل إنّ عائلتها انتقلتْ إلى مدينة بعيدةلا يسمع ما تقوله أمهإنّما يمضي نحو شامةباندفاعة نهر يزحف بكامل سُرعتهنحو هضبةٍ صديقة، لأنّ عصافيرها ربّما ترغب في أن تشربيمضي نحو شامةوحين يصلسينصرفان إلى لعبتهما الأثيرة:
أن يركضا، واحدُهماخلف الآخر3- حانةحانةٌ تُطِلّ على بركة صغيرة، قُرْبَهَا شجرةٌ تُحسن حمايةَ الطِّفلالذي يصِلُ راكضًا من جهة البحريُطارده خُفَّا أبيه الغاضبحانةٌ، يحدثُ أن أُطِلَّ من نافِذتهالأُلوِّحَ لذلك الطّفلالذي كُنْتُهحانةٌ، يحدثُ أن أُطِلَّ من نافذتها على الليلوهو يمضي نحو الشّاطئمُرَدّدا أغنية بحّارحانةٌ، يحدثُ أن أطلَّ من نافذتها والظّلام يهبطفأرى العصفور الذي كان يلعبالذي كان يَجذبُ تلّةً من ذيلهايُسْدِلُ ستائرَ الحقلويأمُرُ الأعشابَ بالنّومإنَِّها حانة القرصان، البعيدةِعن صخب المدينةحيث، هانِئًايشيخُ النّبيذفي عظامي 4- خِرْفانُ الليل جوّ سبتمبر الجميل يتشرّبُ الضوضاء القادمة من وسط المدينة. من نافذة بيتي، تبدو لي سفينةٌ تُبْحِر. إنّ لها شَكْلَ قوقعةٍ كبيرة. والهضبة القريبة، كَأَنّها أضحتْ شفّافة، فهي لا تحجبُ عنّي البحر. لقد اقتعدَ سطحَها العَالي الشّخصُ طويلُ الشَّعر نفسُه، وهاهو يقوم، كالمعتاد، بحركات توحي بأنّه يقطف غيمات ثمّ يعصُرها وبعدها يُطلقُها لتعود إلى الفضاء مثلما حمائم. حين التقيتُه ذاتَ ليلة، قبل سنة، فوق صخرة تشرف على البحر، قال لي إنّه يُسمّي نفسه سيزيف الجديد. كانت الأمواج لحظتَها خرفانا مُلْتهبة المزاج، ما تنفكّ تهرب، ثمّ تعود لتهرب مرّةً أُخرى. وكان كل منا قد جاء إلى ذلك المكان، بقنّينة نبيذه وكأسِه، ليَشْرَبَ ويُشْهِدَ البحْرَ على انْتِشائه… وتحادثْنَا، فاكتشفْنا أنّنا، في بدايات الشّباب، درسْنا في نفسِ الثّانويّة، خلال نفْسِ السّنواتِ، وأنّنا، في نفس الوقت، أحببنا نفس الفتاة… كُلُّ تلك المُصادفات، والخرفان المائيّة لا تَني تركُض وتركُض… ثُغاؤها يتشرَّبُه جوُّ سبتمبر الجميل.5- العابرةالعابرة التي كادتْ ترتطم بي بُعيد الظّهيرةوأنا أخطو نحو عتبة هذه الحانةهي من كنتُ أسمع قرقعة عظام ظهرهاذاتَ فجر وأدعوها الحسناءوفي مساء شتائيّ قالت إنها لا تنساهعاينّا معًا البحر وهو يُحَدِّب ظَهْرَهُويتمطّى كَقِطّالبارحةَ كان لنا لقاءٌ في غرفتي الصَّغيرةحيثُ الغَواية، دائما تنتصر، وبيُسر على الرُّشْد المسكين، المُصاببفقر الخيال وهذا المساء، سنلتقي أيضا هناكفالحسناء لا شكّ قضتْ ما بعد الظّهيرةفي عيادة البرتغاليَّة المختصّة في العمود الفقريّلتُعالِجَ ظَهْرَها6- بطاقةثمّة دائما عينٌ ترى القصيدة الكامنة في قطرة حبر هذا ما قرأتُ على بطاقةٍ تركتْها لي صديقتي النّجمة الذّكِيّة تركتْ لي البطاقة مع الفجروبعدها، نزلتْ لتقضي النّهار، متنزّهةً في شوارع البحر…7- كان صيّادَ سمككان صيّادَ سمكلكنّه عشق حياةَ الليلفصار يرمي شِبَاكه في الهواءليصطاد ابتساماتالنّجوم 8- صديقي إبراهيم، المُلَقّب بِِغُوغُولْ الثّاني، يَشْرُعُ في حَلْقِ ذقنهيا لَتوتّر حاملِ المظلّة الشّاحبِ القادم بأقصى سرعة. لقدميه صفيرٌ يجعل ثلج الطّريق يتناثر. وهو يحثُّ الخطى في اتِّجاهِ رجلٍ طويلٍ ومُحتقِنِ الوجنتين، واقفٍ أمام مرآةٍ، وساهمٍ، ويُدخّن. حاملُ المظلّة يزيدُ من سرعته ويتذكَّر عشيقةَ محتقِنِ الوجنتين: إنَّها المرأة الجميلة التي غرقت في نهر بعيد. إنّها الآن قابعة ولا شكّ في قعر الفولغا. يتذكّرها ويرى أنَّهُ قد أحسن صنعًا حين حمل معه مظلّته، ذلك أن الثّلج ما انفكَّ يتساقط بداخل عظامه، هكذا فكّر وهو يوشك أن يمرّ بقربِ شجرة يتبدّى له كلّما اقترب منها أنّها ليستْ سوى هيكل عظميٍّ، لامرأةٍ ولا شكّ، هيكلٍ عظميٍّ بِشَعْرٍ مقصوص أشقر كساه أحدهم بأوراقٍ خُضر وعصافير بمناديل وبقصائد.
لا شكّ أنّها قصائدي عن أولغا، فكّر الرّجل الطّويل المحتقن الوجنتينالواقف أمام مرآة الحمام، في بيته بطنجةيُدخّن ويُفَكِّر ربّما أن يحلق ذقنه، ويرنو إلى حامل المظلَّة الذي يغذُّ السّير نحوه في المرآة والذي لم يكن إلا هو نفسه، أصغرَ سنًّا وقادمامن شتاءٍ روسِيٍّ قديملم يكن إلا هو كما لا يزال يبدو في حُلْمِ تلك المرآة التي جاءتْ معه قبل سنين من ذلك البلد البعيدوالتي تتناثر الآن على صفحتها شعيراتٌ من لحيته المخَضَّبة بالفودكا.* شاعر من المغرب