صحف عبريةأحداث الايام الاخيرة في مصر تشير الى بداية عهد الاضطراب وانعدام اليقين في هذه الدولة، مما يضع اسرائيل امام معاضل أمنية وسياسية عسيرة. في الانتخابات للرئاسة فاز مرشح الاخوان المسلمين محمد مرسي، ليكون الرئيس الخامس لمصر. ولكن مرسي سيبدأ ولايته في ظل علامات استفهام تلقي بظلالها على هذه الرئاسة. نسبة مشاركة المواطنين المصريين في الانتخابات للرئاسة، أكثر بقليل من نصف اصحاب حق الاقتراع، والفارق القليل بينه وبين منافسه، سيسمحان لكل معارضيه ان يقولوا ان الرئيس الجديد لمصر حظي بربع أصوات المواطنين من أصحاب حق الاقتراع. هذا انتصار سياسي شرعي ولكن في الدولة التي حتى قبل 18 شهرا كان الرئيس يفوز فيها بـ 99 في المائة من اصوات الناخبين، فان الفرق قد يكون في طالح الرئيس الجديد. ليس اقل اشكالية هي مشكلة صلاحيات الرئيس التي أعلن عنها المجلس العسكري الاعلى في 17 حزيران 2012 قبل دقائق من اغلاق صناديق الاقتراع. وجاء في البيان ان المجلس هو الذي يقرر من هو قائد الجيش. الرئيس لا يمكنه أن يعلن الحرب الا بعد الحصول على موافقة المجلس. في وضع تنشب فيه اضطرابات داخلية في الدولة يمكن للرئيس أن يستعين بالجيش كي يفرض النظام فقط بمصادقة المجلس. فضلا عن ذلك، حسب بيان المجلس العسكري ستبقى في يديه صلاحيات في صياغة الدستور الجديد لمصر ولما كان هو الجهة المركزية في تحديد اعضاء الهيئة التي ستضع الدستور، فمضمون، حاليا على الاقل، للمجلس السيطرة على الفصول الرئيسة في الدستور الجديد. حل البرلمان الذي انتخب لتوه وفيه اغلبية ساحقة للاخوان المسلمين والسلفيين، بحجة أن عملية الانتخابات كانت عليلة من ناحية قانونية، يدل هو الاخر على تصميم المجلس العسكري للكفاح في سبيل الحفاظ على مكانته الحاسمة في الساحة السياسية الجديدة في مصر. ومن أجل حصر الانتقاد الشديد على بيانه، بعث المجلس العسكري الاعلى باثنين من كبار رجالاته، الجنرالان عصار وشاهين، ليشرحا بان الخطوات هي مؤقتة وتنبع من غياب البرلمان والسلطة ستنقل بكاملها الى الرئيس المنتخب في نهاية حزيران 2012. وقد أكثر الرجلان من امتداح الديمقراطية المصرية وارادة الشعب المصري ولكنه مشكوك فيه أن يكونا بددا هذه المخاوف التي تسعى الى وضع حد لدور الجيش في السياسة. منذ انتهت الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، مر اسبوع واحدى المسائل المثيرة للاستطلاع هي هل المجلس العسكري ومرسي استغلا هذه الايام في محاولة للوصول الى تفاهمات في هذه المواضيع وكذا في مسائل مركزية اخرى لها آثار على سلوك مصر في الساحة الاقليمية ولا سيما في الموضوع الاسرائيلي الفلسطيني. سؤال مشوق بقدر لا يقل هو هل واصلت الادارة الامريكية ايضا مساعيها للوصول الى تفاهم مع الاخوان المسلمين ومع الرئيس الجديد. لحوار امريكي مباشر ستكون اهمية شديدة في الفترة القريبة القادمة، والتي ستتصمم فيها انماط العلاقات بين الجيش المصري والحكم المدني الجديد وانماط العمل المصرية في المسائل الاقليمية. في هذا السياق تجدر الاشارة الى مقال لمرسي نفسه في صحيفة ‘الغارديان’ (15 حزيران 2012) والذي انتقد فيه غياب مصر عن الساحة العالمية، مما خلق فراغا خطيرا على حد قوله وعرض الاستقرار الاقليمي للخطر. ‘قدر مصر أن تقود. اذا ما اُنتخبت فسأتأكد من أن مصر تؤدي هذا القدر’. نار صواريخ غراد نحو الاراضي الاسرائيية وقتل العالم الاسرائيلي الذي كان يشتغل في بناء الجدار الحدودي، يشيران الى تدهور الوضع الامني في منطقة الحدود، ولكن اكثر من ذلك الى اتجاه عمل منظمات الارهاب الفلسطينية التي ربما قد تحظى حتى بالدعم، وان كان سلبيا، من الحكم المصري، الذي للاخوان المسلمين فيه سيطرة وان لم تكن مطلقة. التصعيد في نشاط الارهاب من داخل سيناء يؤكد بوضوح معضلة الرد الاسرائيلي. رد عسكري اسرائيلي، حتى وان كان موضعيا، ولكنه رد فيه عنصر اجتياز للحدود، سيعزز المطلب، الذي يطرحه منذ الان معظم المرشحين للرئاسة المصرية، بمفاوضات متجددة على اتفاق السلام مع اسرائيل من العام 1979، ولا سيما الملحق العسكري الذي يفرض قيودا على الوجود العسكري المصري في سيناء (وكذا على اسرائيل في قاطع داخل الاراضي على طول الحدود). انعدام الوضوح القائم بالنسبة لمصدر الصلاحيات ولا سيما في مواضيع الامن، من شأنه أن يستمر لزمن طويل ويبقي اسرائيل في حوار مع الجيش المصري فقط مع قدرة وصول صفرية الى المستوى الاعلى المدني. اسرائيل ستجد نفسها تضطر الى الاختيار بين طرق للعمل كل واحد منها من شأنها أن تلحق اضرارا سياسية ذات آثار واسعة تتجاوز الساحة الثنائية الاسرائيلية المصرية. من جهة من شأن شكاوى اسرائيل أن تبقى في الارض السائبة التي بين الجيش المصري والحكم المدني ومن جهة اخرى، عملية عسكرية تمس بالحوار الحساس الذي لا يزال يجري مع المنظومة الامنية المصرية ستستغل كما أسلفنا من الساحة المدنية، التي سترغب في اثبات الحاجة الى ازالة القيود على الانتشار العسكري المصري في سيناء. مع ان الولايات المتحدة هي ذات مكانة رسمية في سياق العلاقات الاسرائيلية المصرية بصفتها موقعة كطرف ثالث على معاهدة السلام بين الدولتين، الا ان قدرتها على المساعدة في الموضوع ستقيدها اساسا الرغبة في عدم توتير العلاقات مع الحكم المصري المدني الجديد. مشكوك أيضا كم يمكن لاستخدام التهديد بتقليص المساعدات العسكرية الامريكية لمصر ان يظهر كاستخدام ناجع. حكومة ورئيس يأتيان من صفوف الاخوان المسلمين كفيلان الا يريان باسف شديد اضعاف الجيش المصري. ينبغي الافتراض بان هذا الموضوع ايضا طرح في اطار محاولة الرئيس المنتخب وقادة الجيش المصري الوصول الى تفاهمات مسبقة. في هذه المرحلة نوصي حكومة اسرائيل الا تنجر الى الاستفزازات ولا سيما من جانب محافل فلسطينية في غزة، بهدف جرها الى رد عسكري داخل اراضي سيناء. نوصيها أن تستخدم سواء الخط الذي لا يزال مفتوحا مع المنظومة الامنية المصرية وقناة الادارة والكونغرس الامريكيين. رد اسرائيلي منضبط في هذه المرحلة الحساسة من التطورات السياسية الداخلية في مصر يترك فرصة ما للحوار مع الساحة السياسية الجديدة في مصر وان كانت المؤشرات الاولية على ذلك ليست مشجعة. موقف الناطقين المركزيين من الاخوان المسلمين من اسرائيل في اثناء الاشهر الاخيرة هو موقف سلبي وجاهز مسبقا. ينبغي الامل في ان يؤدي تصدي القيادة المصرية الجديدة للتحديات المركزية امام مصر الى نهج واعٍ وموقف واقعي اكثر بالنسبة للعلاقات المصرية الاسرائيلية. حيال حاجة اسرائيل للايضاح لمصر بانه لا يمكنها أن تسلم بمعاني الفوضى وفقدان السيطرة المصرية في سيناء، اسرائيل ملزمة ايضا بالنظر في خطواتها على خلفية التطورات في المنطقة بأسرها. لرد عسكري اسرائيلي في سيناء ستكون آثار لن تنحصر في منطقة سيناء وحدها، وقد يكون للاخوان المسلمين مصلحة في توسيع الرد بحيث يأتي ايضا من محافل مقربة من هذه الحركة في الساحة الفلسطينية وفي الاردن. يحتمل أن تكون محاولات اخرى للقيام بعمليات من داخل سيناء، دون رد ونشاط مصري لمنعها، تفترض عمل اسرائيلي عسكري غير أن وقت مثل هذه العملية لم يحن بعد.
عوديد عيراننظرةعليا 28/6/2012