زهرة مرعي
بين إعلان فوز محمد مرسي بمركز الرئاسة المصرية والآن مسافة أيام عاش خلالها الشعب المصري ومعه الشعوب العربية مرحلة يمكن تسميتها بعلم ‘اللولويات’. إذ بات الشارع غارقاً بإمتياز في افتراضات بعضها شديد البعد عن المنطق. وبات الكل يسأل ماذا لو فعل الإخوان كذا؟ وماذا لو فعل الإخوان ذاك؟ هي تساؤلات واستنتاجات مضحكة أحياناً، ومثيرة للتساؤل في أحيان أخرى. فهل من المنطقي أن نسمع في برنامج ‘شعب ورئيس’ على قناة بي بي سي أن تلامذة مدرسة دولية في القاهرة يعيشون هلعاً تسببت به شائعة أن الإخوان سيفرضون الزواج على الفتيات في عمر 12 سنة؟ في الحقيقة أن علم ‘اللولويات’ طلع به ضيف في برنامج ‘شعب ورئيس’ من القاهرة. والحلقة كانت عبارة عن منتدى تشاوري تحاوري سيطر عليها العقل والمنطق في الآراء التي أدلى بها الضيوف الذين تشكلوا من كافة أطياف الشعب المصري. وفي هذه الحلقة شاهدنا الكثير من الأفكار التي حفلت بها مواقع التواصل الإجتماعي في الأيام الماضية، وفي طليعتها تلك الصورة التي أظهرت الأهرامات بالنقاب الأسود. قرأ المتحاورون في هذه الحلقة أن ما يطرح بعيد عن العقل والواقع. لكن أحدهم أكد تعرض بعض النسوة غير المحجبات في القاهرة للإعتداء لإفتراض بأنهن مؤيدات لأحمد شفيق؟ لا شك بأن المجتمع المصري يعيش في هذه المرحلة تحولاً كبيراً، وستبقى لتلك الإفتراضات مساحتها إلى حين يبدأ الجد، بحيث يتم تحديد الأولويات إن كانت في تأمين العيش والعمل، أو تحليل أو تحريم المايو البيكني والخمر. ولا بد من منح الرئيس الجديد مساحة مريحة من الزمن، ولا بد من ترك الخيار الديمقراطي يأخذ طريقه ويثبت ذاته. فليس لسيل اللولويات أن تسابقه إلى قصر عابدين.
صحفي أم مؤيدحين التأم اجتماع لجنة الانتخابات الرئاسية في مصر أمام حشد كبير من الصحفيين لإعلان نتائج الإنتخابات المصرية رسمياً، كان للجلسة وقعها الجلل. ففي تلك اللحظة كانت مصر ستعبر من ضفة إلى ضفة أخرى. وكانت مصر ستدخل فيما يسمى الخيار الديمقراطي للرئيس المصري مع إعلان الطلاق وبالثلاثة مع نتائج 99،99 بالماية. هي مرحلة تاريخية فعلاً كان الصحفيون ومعهم ملايين المشاهدين في الوطن العربي في حال ترقب شديد، رغم أن النتيجة كانت شبه مؤكدة. أطال رئيس لجنة الانتخابات الشرح واستفاض في التفاصيل، وبقي ما يعني الشعب هو النطق بكلمتين هما الإسم الأول والثاني للفائز. وبعد حوالي الساعة من الشرح الممل ظهرت الحقيقة: محمد مرسي أول رئيس للجمهورية الثانية في مصر. لقد فاز الإخوان المسلمون بالرئاسة المصرية بعد 80 عاماً من الإنتظار. أما ما لم يكن منتظراً فهو ذاك التصفيق والهرج والمرج الذي ساد القاعة إثر إعلان النتائج. فقد كان معيباً جداً أن يصرخ رئيس اللجنة بالحضور: هدوء يا سادة.. أنتم صحفيين مش مؤيدين!. هذه هي الحقيقة. الصحافي صحافي. من حقه أن يكون له موقف يكتبه أو ينطق به بشكل من الأشكال. وليس له أن يفقد صوابه ومنطقه ويقفز من مكانه مهللاً لأي من الأسباب. ليس للصحفي أن يستعمل كفيه مبتهجاً في أي من المواقف خلال أدائه لمسؤولياته. من مهمات أو واجبات الصحفي أن يحافظ على مسافة بينه وبين المسؤول كائناً من كان. وأن يحافظ على مسافة كبيرة بينه وبين السلطة كائناً من كانت. وهذا ما يتيح له أن ينظر ويقرأ الأمور بعيداً عن منطق المسؤول وبعيداً عن منطق السلطة. وإن سلمنا جدلاً بأن الصحفي ينتمي لفئة معينة من المجتمع، أو هو بشكل من الأشكال محسوب على فئة المميزين بثقافتهم ولن نقول المثقفين، فهذا يحتم عليه أن لا يلتحق بسلطة، وأن لا يهلل لسلطة حتى وإن كانت من ذات مشربه الفكري والعقائدي.
جوليان أسانج في السعوديةماذا فعل ‘مجتهد’ في المجتمع السعودي؟ سؤال مطروح منذ زمن ويترك الحيرة كبيرة لدى العائلة الحاكمة في السعودية، كما لدى الشعب. هذا ال’مجتهد’ الذي تكثر حوله التكهنات منذ أشهر بات مقلقاً للراحة التي تعتقد العائلة الحاكمة أنها تنعم بها. ‘مجتهد’ الملقب بجوليان أسانج السعودية دخل مؤخراً على خط تعيين ولي العهد الجديد بعد وفاة ولي العهد الأمير نايف. كشف المجتهد كما شاهدنا على قناة أل بي سي، أن المسارعة لتعيين ولي عهد وفي أقل من 48 ساعة على رحيل نايف وقبل انتهاء العزاء كان فيها ‘إنّ’. كان الغاضبون كثر في العائلة الحاكمة. وقال ال’مجتهد’ أن إرضاءهم كان مادياً؟
أسانج السعودية أخذ على عاتقه كشف ما وراء الكواليس في هذه الدولة العربية المملوكة لعائلة، وكثر يرونه أو يحللون بأنه من صلب هذه العائلة، من لحمها ودمها، ولهذا يعرف بكل خفاياها. وهو يكشفها للشعب السعودي، حيث بات أكثر من نصف مليون سعودي بإنتظاره يومياً لمعرفة آخر الأخبار. أسانج السعودية يقلقها، لكنه يقول الكثير للشعب السعودي الذي بات ينتظره.
ليلة القبض على بيروت والجديد هو فيلم بوليسي مشوق بإمتياز وعلى الهواء، بدأ مع نهايات الإثنين وتواصل حتى ساعات الصباح الأولى من فجر الثلاثاء من هذا الأسبوع. الشرارة الأولى من شارع جبل العرب، دواليب محمولة ووعاء بنزين وخمسة شبان في طريقهم إلى تلفزيون ‘الجديد’. انسحب حارس الجديد إلى الداخل، رميت الدواليب، صب البنزين، إشتعلت النيران، لحقت بأحدهم، ضل طريقه فوقع بين يدي ‘أهل المنطقة’ فأشبعوه ضرباً قبل أن يسلم للجيش. هرج ومرج وإطفاء حريق. هذا ما شاهدناه لاحقاً من فعل الكاميرات. أما في الواقع فكان حكي كبار على ‘الجديد’ يأخذ مساره للمشاهدين في وقت يقترب من الساعة العاشرة، وإذا بالشريط العاجل يقول: إشعال دواليب أمام تلفزيون ‘الجديد’. لحظات توقف فيها حكي ‘الكبار’ وأخذت الهواء الصحفية المذيعة سمر أبو خليل، ليبدأ الماراثون. وكان رامز القاضي يساندها من أمام المبنى الذي بدت عليه طلقة رصاص وبانت الدواليب تبث سموم ما بعد الحريق. وفي الهواء المفتوح على الإعتداء على ‘الجديد’ كانت وحدها قناة ‘ال بي سي’ قد فتحت هواءها وراحت تنقل عن ‘الجديد’ متضامنة معه. أما الإخوة الأعداء الآخرون في المهنة فقد كان كل بهمه. ‘المستقبل’ مشغول باستوديو فيزون وتحليلات مصطفى علوش، و’أم تي في’ مشغولة بموضوعية وليد عبود، ‘أو تي في’ إكتفى بالشريط العاجل، أما ‘المنار’ فبقيت مسترسلة في برنامجها الرياضي. من ‘الجديد’ بدأت سمر أبو خليل تتقبل الإستنكارات، وإلى حين صارت الإتصالات كثيفة بما يشغل الهواء كلياً، كان البث بين رامز وسمر التي أعلنت إسم الموقوف وسام علاء الدين الذي نقل إلى ثكنة الحلو. وقد بلغتها معلومات مؤكدة ‘أنه من أصحاب السوابق وملفه حرزان’. بعد ليلة القبض على ‘الجديد’ بات على الإعلام أن يكون في مكاشفة مع الذات، وفي تحديد دقيق جداً للدور المنوط به في لحظة حرجة يتدحرج فيها لبنان سريعاً نحو آتون الفتنة. صحيح أن ‘الجديد’ جلد ذاته بعد إستقباله لأحمد الأسير وتبرأ من فتنه التي لا تعد. لكن يبقى السؤال لماذا الأسير على هواء ‘الجديد’ بعد تأكيد الأمن العام اللبناني وعلى كافة شاشات التلفزة اللبنانية أن اللعبة الـ ‘فتنة’ تقول ‘إذهب وأقتل الرهائن’ وليس غيرها؟ أراد الجديد تشويقاً من الأسير، لكن الأخير ليس أكثر من مشروع فتنة ساعده الإعلام ليكون له جذور. وهذا طبعاً لا يبرر مطلقاً غوغاء الشبان الخمسة. وكذلك لا يبرر قبض الغوغاء المحتجين على توقيف علاء الدين على بيروت لساعات وتقطيع أوصالها بالدواليب المتنقلة، وإشغال الجيش اللبناني بلعبة عسكر وحرامية، وفي إشعال الدواليب وإطفائها. الإعتداء على الإعلام غير مقبول مهما كانت الأسباب.. وليس للإعلام أن يتعامى عن اللحظات الحرجة التي يمر بها لبنان، فلا يبحث عن التشويق المبتذل والاثارة بأي ثمن، وانما يكون مصدرا للوعي والتلاقي الذي يجمع لا مصدرا للأحقاد والتفرقة.’ صحافية من لبنان