عبد الجبار الجبوري تلعب تركيا دورا إقليميا في المنطقة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ومحاولته إقامة مشروع الشرق الأوسط الكبير، ويقود اردوغان هذا الدور بفاعلية وحرص شديدين على أن تكون المنطقة غير خاضعة للهيمنة الأمريكية والصهيونية، ومانعا المنطقة من تعرضها للتفتيت والتقسيم على أسس طائفية وعرقية وقومية، عندما رفض دخول القوات الغازية الأمريكية إلى العراق قبل الاحتلال وهذا موقف تاريخي يحسب له ولتركيا لصالح العراق والأمة العربية. ثم دوره الايجابي في رفض احتلال إيران العسكري والسياسي وتقسيم العراق إلى أقاليم (بالرغم من نفوذ إيران السياسي والعسكري ودورها المشبوه والمحموم لتقسيم العراق وتدميره من اغتيالات وتفجيرات واعتقالات وفرض الطائفية والمذهبية الفارسية ومصادرة القرار السياسي وفرض القرار الإيراني والاستحواذ على آبار النفط وتصدير المخدرات والأدوية الفاسدة والأغذية الفاسدة ودعم الميليشيات وتسليحــــها وتدريبها لتخريب وقتل العراقيين)، يقابله ويناوئه الدور التركي الذي احتضن القوى الوطنية المناهضة للاحــــتلالين الأمريكي والإيراني، والعمل على وحدة العــــراق ورفض التدخل في شؤونه الداخلية إلا بما يعزز وحدته والحفاظ على سيادته ويعيد الأمن والاستقرار بين أطيافه وقومياته ومذاهبه، ونقول بدون مدح أو تملق أن اردوغان كان صمام الأمان لوحدة العراق في وجه الاحتلال الإيراني قبل الأمريكي. أما على الصعيد السياسي فكانت تركيا دائما على مسافة واحدة من جميع الكتل السياسية المشاركة في الحكومة، وكذلك الحال في الموقف التركي من ما يسمى الربيع العربي الكاذب والمزعوم والذي أوصل الإسلام السياسي المتطرف إلى الحكم في تونس ومصر وليبيا، وحتى ما يحصل في البحرين من أعمال تخريبية تقف إيران وراءها بشـــكل علني وأساسي، فكان دور تركــــيا واضحا وصريــــحا أنها مع امن الخليج العربي ووحدته ورفض التدخل الإيراني في شؤونه الداخلية، وأمامنا دليل آخر هو ما يحدث في سورية فعمل المستحيل أن تبقى الأحداث داخلية يقررها الشعب السوري دون تدخل دولي عسكري وسياسي، بالرغم من الدور الإيراني المعلن والسلبي (عسكريا وسياسيا واقتصاديا) في سورية، إلا أن تشابك الأحداث وتفجرها في سورية ولجوء الآلاف إلى تركيا من المواطنين والجيش الحر فرض على تركيا وضعا وواقعا أن تكون طرفا ولو محايدا في الأزمة وحتى عندما أسقطت سورية الطائرة التركية كانت تركيا تتحلى بضبط النفس تجاه النظام السوري، الذي لم يستطع أن يبقي شعرة معاوية مع تركيا وفرض عليها أمرا واقعا أن تكون مع الأزمة وطرفا فيها.
وما زالت العلاقة بينها قابلة للحوار والوقوف على الحياد الدولي بالنسبة لتركيا وما يجري في سورية من أحداث دامية مؤسفة نتيجة تعنت قيادتها بفتح حوار سياسي صريح ومصالحة حقيقية مع أطراف المعارضة التي تريد أن تكون جزءا من القرار السياسي في الحكم وترفض التفرد والدكتاتورية، بالرغم من أن موقفنا دائما مع ما يقرره الشعب مع حكامه ونرفض تدخل أي دولة أجنبية في الشؤون الداخلية العربية ونرفض التدخل العسكري مها كانت أهدافه وندين المعارضة التي تطالب به مها كانت الأسباب وندعو للحوار والحوار فقط هو من يوصل الشعوب إلى الحلول الصحيحة.
ومثالنا ما حصل في ليبيا وجرائم الناتو فيه وفرض معارضة هشة مجزأة هزيلة وحكومة ميليشيات لا أكثر استحوذت على مقرات ليبيا وشعبها بقوة الناتو، والحال نفسه حصل في احتلال العراق وتدميره من قبل أمريكا وحلفائها ونصبت الأحزاب الطائفية على حكم العراق بعد تدميره تدميرا تاما وهو الآن عبارة عن خربة وبحيرة من الدم العراقي الطهور، تتصارع فيه الأحزاب الطائفية والكتل السياسية التي تغذيها دول الجوار التي لا تريد الأمن والأمان والاستقرار للعراق والعراقيين، هكذا حال من يستقوي بالأجنبي لتدمير بلاده، هذا الوضع المأساوي في المنطقة العربية جاء نتيجة الدور التخاذلي تجاه العراق وتحديدا الدور السعودي والمصري والخليجي قبل الاحتلال الأمريكي للعراق والذي عملت هذه الدول المستحيل من اجل احتلاله وتدميره، وهذا ما حصل مع الأسف للعراق الذي كان سدا منيعا للتدخلات الخارجية بشؤون المنطقة كلها وهو ما اعترف به وزير خارجية السعودية، سعود الفيصل، ولكن اعتراف متأخر جدا، على كل الذي حصل حصل وها هو العراق بقي موحدا ليس بفضل حكومات الاحتلال كما تدعي زورا وبهتانا، وإنما بفعل وعي شعبه وصبره ومقاومته الباسلة ضد كل أهداف التقسيم الشريرة التي نادى بها المحتل الأمريكي الغاشم وعملاؤه الذين نصبهم حكاما على شعب العراق الأبي الجريح، إننا اليوم إزاء وضع جديد في المنطقة العربية يشي بتغييرات حاسمة ستقررها أحداث سورية وسيكون العراق وتركيا جزءا من هذا التغيير سلبا وإيجابا وستدفع إيران ثمن دورها القذر في العراق، إذ سيطالها التغيير حتما وهي جزء من أهدافه ومشروعه الأمريكي الصهيوني (مشروع بايدن-لويس برنارد)، إذا يبقى الدور التركي مهما في مواجهة احتمالات التغيير والفوضى الخلاقة التي تريدها إدارة اوباما لإكمال مشروعها بعد احتلال العراق وفشل مشروعا فيه، واردوغان مؤهل لهذا وأفعاله وسياسته تؤكد هذا التحليل لا المدح والتطبيل.
اردوغان ليس ابن عم العراق ولا مصلحة خاصة له ولتركيا في العراق، لكان أعلن عناها وأثناء الاحتلال الأمريكي وشارك فيه لهذه الأهداف، إلا انه وتركيا نأى بنفسه وبتركيا أن تكون (سكينة في خاصرة العراق) فاتخذ الدور الايجابي في الأزمة وما زال يؤدي دورا ايجابيا تجاه القضايا القومية العربية للدول العربية ويرفض التدخل الأجنبي في شؤونه الداخلية وهو ما يجعل ثقة العرب في محلها باردوغان وتركيا ودورها المشرف تجاه العرب عامة والمنطقة خاصة. هذا هو دور اردوغان وتركيا في منطقة الشرق الأوسط الايجابي الفاعل لصالح المنطقة واستقرارها وأمنها ووحدتها، ولعمري هذا يستحق الإعجاب والتقدير..’ كاتب عراقي