يوسف داوود شريك عادل إمام في صناعة الضحك

حجم الخط
0

الكوميديا ليست موهبته الوحيدةالقاهرة ‘القدس العربي’ من كمال القاضي: تعلق الفنان يوسف داود بغواية التمثيل فترك تخصصه الأساسي كمهندس ومضى يبحث عن ضالته في العالم المشير المدهش، كان عام 85 هو تاريخ التحول في حياة يوسف جرجس صليب الشهير بيوسف داوود فقد بدأ يتحسس الخطا نحو المجد في إصرار غريب على إدراك الغاية، حيث ما كان يشغله طوال فترة شبابه هو حلم النجومية والنجاح، وليس صحيحاً أنه عمل في السينما بالصدفة كما يردد البعض، فمن تقوده الصدفة وحدها إلى الأضواء لا يمكن أن يستمر على النحو الذي سار عليه الفنان الراحل.

لم يكن يوسف داوود مشغولا في بداياته الفنية بحجم الدور الذي يقدمه ولكنه انشغل اكثر بما هية ما يظهر على الشاشة ويعبر عنه كفنان فهو منت عاصر قدامى النجوم ورأى كيف كانوا ينتقون أدوارهم بعناية دون النظر إلى المساحة المتوافرة أمام البطل أو البطلة في الحيز الدرامي، لذا فقد وعي الدرس مبكرا وأدرك أن العبرة بما يؤثر في الناس، فلم يكن زكي رستم أو سراج منير أو عبدالسلام النابلسي أو عبدالمنعم إبراهيم نجوم شباك ولكنهم ظلوا مؤثرين، بل لعلهم الأكثر تأثيرا من نجوم الشباك البارزين.

على سبيل المثال نذكر ضمن الممثلين الكبار فؤاد الجزايرلي فهذا الفنان القدير كانت له خصوصية في الأداء لم يستطع أحد منافسيه في زمن تألقه محاكاتها، وإن كان البعض قد أخذ عليه المبالغة في التعبير واعتبره كاريكاتوريا ومنهم الفنان نور الشريف، إلا أن الجزايرلي في سياق النوعية التي قدمها وبحكم المرحلة التارخية ونمطية الفن عموماً في هذه الحقبة كان مقبولا الى حد كبير، كذلك من الفنانين الكبار المرموقين عبدالفتاح القصري، هذا الرجل امتلك موهبة طاغية وتلقائية مبهرة جهلته يتجاوز فكرة التمثيل ويتصرف امام الكاميرا كمن يعايش مواقفاً حقيقية، ومع ذلك فإن هناك من يراه متشابهاً وغير مجدد!

أقول ذلك وأسوق هذه الأمثلة لأن اتهامات كهذه وجهت للفنان الراحل في حياته لكونه ارتبط بنمط كوميدي ساخر لفترة طويلة ورهن وجوده بنجوم كبار مثل عادل إمام الذي قدم معه النسبة الغالبة من الأفلام ولكننا لو تحرينا الدقة سنجد أن هذه نظرة قاصرة في الحكم على مسيرة يوسف داود الفنية التي تنوعت ما بين الكوميدي والتراجيدي والاجتماعي وهو تنوع يشي بموهبة ثرية، فمن لديه القدرة على تقديم أربعين فيلماً وعدد من المسرحيات والمسلسلات بالطبع لابد أن يكون ممتلئاً بالموهبة، ولكن ما يمكن الحديث فيه والاتفاق والاختلاف عليه هو القبول، فذاك ما يشكل الانطباع لدى الجمهور ويؤدي الى التشجيع أو الرفض، وهذه المنطقة دائماً ما يحدث فيها خلط، حيث يضطرب معيار الحكم على قدرات الفنان من واقع مزاجه النفسي تجاهه فيراه عظيماً إذا كان يحبه ويراه ضعيفاً ودون المستوى لو لم يتعاطف معه!

يوسف وهبي ونجيب الريحاني وبشارة وكيم نجو من العيار الثقيل، هذا الرأي ثابت عند قطاع كبير من الجمهور والنقاد ومع ذلك يوجد من يتحفظ على أدائهم، وقد كان للفنان القدير حمدي غيث رأياً سلبياً في طريقة تمثيل يوسف وهبي جاهر به في الكثير من المناسبات، إذ كان يعتبره ممثلا كلاسيكيا خطابيا يتناول ظاهر الشخصية الدرامية ولا يغوص في عمقها، أي أنه من وجهة نظره كان فناناً سطحياً، وها بالطبع ليس القول الفصل وإنما لا يعدو كونه رأياً فحسب يحتمل الصواب والخطأ.

أما الريحاني ووكيم فهما ممن أصابتهما سهام النقد أيضاً ولكنهما ظلا قامتان كبيرتان، والمقارنة هنا ليست لإبراز السلبيات وإنما هي محاولة لتحديد أوجه الشبه بين زمانين مختلفين وفنانين أسعدهم الحظ فأصبحوا نجوم شباك برغم تحفظات البعض عليهم وآخرون امتلكوا الموهبة والقدرة ولم يصلوا إلى أدوار البطولة المطلقة، وهنا يحضرني نموذج واضح يتمثل في الفنان حسن حسني الذي أمضى وقتاً طويلا في الانتقال من مستوى لمستوى عبر رحلة طويلة مازالت مستمرة ولم يهنأ بالنجومية إلا مؤخرا بعد ان حفر بأظافره في الصخر.

ومن يراجع دوره في فيلم ‘سواق الأتوبيس’ أو دوره الأحدث في ‘ناصر 56’ سيلحظ ضيق المساحة المتاحة له مع التسليم الكامل بأهميته في الدورين المذكورين، وهنا يتأكد لدينا أن معايير أخرى تتحكم في مصير الفنان وحظه.

من أكثر الذين اقتربوا من عادل إمام كان يوسف داود فقد حظي بنصيب الأسد في المشاركة معه بأفلام كبرى ومهمة منها النمر والأنثى، حيث قام داود بدور لواء شرطة يطارد عصابة، خطيرة لتهريب المخدرات وهذا الفيلم نجح نجاحاً ملحوظاً وبالقطع كان له أثراً إيجابياً على انتشار الفنان الراحل، وأيضاً ‘كراكون في الشارع’ مثل نقلة لا بأس بها في مشواره استفاد منها فيما بعد وحتى الفيلم الأحدث ‘ببوس’ برغم إخفاقه جماهيرياً إلا أنه أعاد تسليط الضوء على يوسف داود وجدد الدماء في شرايين نجوميته في فترة ركود مرت بها السينما المصرية ككل.

لقد تصور البعض من كثرة تكرار داود في أفلام الزعيم أنه يتفائل به، وقد تردد هذا بالفعل، إلا أن الحقيقة لم تكن التفاؤل بقدر ما كانت الثقة في لك التناغم الذي يحدثه أداء يوسف داود مع صديقه النجم الكبير ويجد الصدى الجماهيري القوي فيصبح مردود النجاح مضمون، وهذا ما ربط بين الاثنين في كثير من الأفلام، وجعل الارتباط ينسحب أيضاً على المسرح فنشاهد تجارب من نفس النوعية الكوميدية.

وعلى ذكر الكوميديا يجدر هنا أن نشير إلى ملاحظة مهمة وهي أن الفنان الكبير الراحل ليس ممثلاً كوميديا فحسب، حيث ما قدمه من أعمال كان متنوعاً كما اسلفنا، وربما تفوقه في تجسيد الأدوار المختلفة الخالية من الكوميديا يحتم أن يكون تقييمنا له شاملا في إطار تميزه الفني العام، فالتركيز على أدواره الكوميدية فقط يسقط من الحسابات أفلام مهمة مثل ليلة سقوط بغداد والسادة الرجال وسمك لبن تمر هندي، فالأول رؤية سياسية ساخرة للمخرج والسيناريست محمد أمين والفيلمين الآخرين ينتميان إلى سينما ‘الفانتازيا’ التي تميز بها الكاتب والمخرج الكبير رأفت الميهي، والأفلام الثلاثة يصعب وصفها بالكوميديا المحضة فهي أعمق في دلالتها من مجرد تفجير الضحك، بل لعلها نجحت في تفجير الحزن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية