العرب خائبو الأمل جداً في الآونة الأخيرة. لأشهر طويلة يشتعل الجنوب. نصف الغابات احترقت. طائرات ورقية حارقة، بالونات متفجرة، إحراقات وصواريخ، واقتحامات الجدار والأنفاق ـ على كل هذا تجلدنا (نسبياً) كالخرق البالية. المرة تلو الأخرى ضخخنا لكم السولار على أمل إطفاء النار، وخاب ظننا. هذا الأسبوع التقى رئيس الوزراء مع مراسلين سياسيين. وفور ذلك نشر باسم «مصدر سياسي رفيع» أن نتنياهو لا يريد حرباً. مذهل. كنا واثين بأنه يريد ولكنه يخجل.
هذا النموذج هو الآخر أبو مازن، يشبعنا مرارة. فهو يريد للعالم أن يعلن عنا «مجرمي حرب». ويدعو لمقاطعة إسرائيل وبضائعها، ويتوجه من طرف واحد إلى الأمم المتحدة ومؤسساتها (في ظل خرق اتفاقات أوسلو) كي يعترف بالسلطة الفلسطينية كدولة. ومؤخراً لا يوافق على تحويل المال القطري والسولار إلى حماس في غزة. إسرائيل تستجدي إرضاء المخربين، ودفع الخاوة التي يطالبون بها من أجل تقليص عدد الإحراقات، ولكن السلطة الفلسطينية تخرب مساعي إسرائيل للاستسلام لمطالب حماس. لا شك، فالرجل ليس صديقاً. وبالتأكيد ليس شريكاً.
الأردن حقاً مثير للاشمئزاز في السنة الأخيرة. الملك عبد الله يعرف بالضبط كم هو متعلق بنا: بالمياه، بالغاز الطبيعي، بالأمن والاقتصاد. ولكنه يحرص على أن يستخدم ضدنا الإلغاء السياسي، والتنديد بنا في كل محفل دولي، ومحاولة جرنا إلى لاهاي، واتهامنا بتدنيس القدسية في الحرم. ويقسم ألا يجدد تأجير الأراضي في العربا وفي نهرايم. ونحن نمسح البصاق ونسكت، بسبب «العلاقات الاستراتيجية الحساسة مع الأردن» (الحرب ضد الإلغاء الإسلامي، التي يحتاجها أكثر مما نحتاجها).
الأسد هو الآخر خائب الأمل منا لأنه بقي على قيد الحياة بعد الحرب الأهلية. واليسار الإسرائيلي خائب الأمل من سلطنة عُمان ومن التقارير عن أن السعودية لا تقيم شبكة علاقات متفرعة مع إسرائيل رغم أننا لم نقم دولة فلسطينية. حطموا كلمة اليسار، وهؤلاء الأبوظبيون ببساطة يثيرون الأعصاب مع الميداليات الذهبية ومع «هتكفا».
ليس لزعماء إسرائيل ما يكفي من الشجاعة لعمل ما يلزم للتخلص منه
في هذا البحر من خيبة الأمل انبلجت هذا الأسبوع بشرى سياسية واحدة فقط: المجلس المركزي لـ م.ت.ف أوصى بتعليق التنسيق الأمني وإلغاء الاعتراف بإسرائيل، أي إلغاء اتفاقات أوسلو، إلى أن توافق إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس.
كان ينبغي لنتنياهو أن يلغي اتفاقات أوسلو فور عودة عرفات لقيادة الإلغاء الإجرامي ضدنا (أحداث نفق المبكى في 1996). بدلامن ذلك صافح نتنياهو قاتل اليهود ومنحه الخليل. إسرائيل (برئاسة باراك) كان يجب أن تعلن عن إلغاء الاتفاقات فور اندلاع الانتفاضة الثانية، اذ إن العودة إلى العنف والإلغاء هو خرق مبدئي لأوسلو. ولكن ايهود باراك تمسك بحبال هذه الاتفاقات الكارثية. وكذا شارون واولمرت، ومرة أخرى نتنياهو ـ امتنعوا عن إلغائها. الأسباب، أو المعاذير معروفة: الديمغرافيا، والعلاقات الدولية، والتنسيق الأمني، والاقتصاد. نتنياهو يفضل الوضع الراهن، بما في ذلك الانقسام بين حماس ـ غزة ـ السلطة الفلسطينية ـ رام الله. ولا يتجرأ على قيادة خطوة تصفية السلطة الفلسطينية وبسط السيادة. وها هو ـ شعاع نور في الظلام! العرب «يهددون» بإلغاء هذه الاتفاقات.
خوف الارتفاعات
ملايين الكلمات كتبت عن المسألة الديمغرافية، ولا أعتزم العودة إليها. ولكن المبررات الثلاثة الأخرى لمواصلة وجود اتفاقات أوسلو (وما ينبع عنها ـ استمرار وجود السلطة الفلسطينية) أي: الاقتصاد، والتنسيق الأمني والعلاقات الخارجية لإسرائيل، جديرة بالبحث.
في مجال علاقات دولية، وضعنا في عهد ترامب يختلف تماماً عن وضعنا في عهد كلينتون أو اوباما. قصة الغرام بين إسرائيل ودول الخليج والتقارير عن العلاقة مع السعودية هي حقيقة قائمة، بل ومؤخراً علنية ومكشوفة. كل هذا رغم «الجمود» مع أبو مازن وعصابته في رام الله. الفلسطينيون حقاً لا يعنون العالم. وبالتالي لا داعي لأن يخيفوكم بالعزلة الدولية إذا لم نستسلم لمطلبهم الوقح للدولة والقدس عاصمتها. ولكن كل أولئك عندنا ممن تعد إقامة دولة فلسطينية في قلب وطننا هي أمنية روحهم الحقيقية، وأقنعوا أنفسهم منذ الآن بأن هذه «مصلحتنا» (بسبب المشكلة الديمغرافية التي لها حلول أخرى، ليست في إطار الانتحار الوطني المسمى إقامة دولة فلسطينية)، كل أولئك الذين يريدون دولة فلسطينية يهددوننا بأننا إذا لم نوافق ـ فإن «التنسيق الأمني» مع العرب سيتوقف، وعلى أكتاف الاقتصاد الإسرائيلي سيقع العبء الهائل لإعاشة العرب في يهودا والسامرة.
قادة الجيش الإسرائيلي في الحاضر وفي الماضي يستعرضون آخر الأنباء للصحافيين، وقادة المخابرات في الماضي وفي الحاضر يهمسون في آذان أصحاب القرار ومصممي الرأي العام بأنه إذا كانت أجهزة أمن أبو مازن لا تقاتل ضد الإلغاء فستنشب انتفاضة ثالثة. ومرة أخرى سنضطر إلى وضع حراس في الباصات وفي المطار. وهم يطالبوننا بأن نصدق أن الإلغاء الإجرامي ضدنا اندثر بفضل مكافحة الأجهزة لحماس والجهاد.
ليس صحيحاً
الإلغاء من جانب فتح، وحماس، وباقي منظمات القتلة، بدأ يندثر فقط في أعقاب السور الواقي، وإعادة إقامة البنية التحتية للشاباك ـ المخابرات في المناطق (بعد أن كادت تفكك تماماً إثر أوسلو) وأعمال الاعتقالات اليومية في المدن العربية، في تلك المناطق التي ـ حسب أوسلو ـ لا يفترض بالجيش الإسرائيلي أن يعمل فيها. وإذا كانت هناك معلومات استخبارية تنقلها أجهزة أبو مازن عن شبكات الإلغاء في مناطق أ ـ فهذا أولاً وقبل كل شيء أن أبو مازن ورجاله يعرفون بأنه إذا لم تعتقل إسرائيل المخربين فمن شأن هؤلاء أن يقتلوها غداً. أبو مازن يعرف أن حماس تتطلع لأن تحكم الضفة تماماً مثلما حكمت غزة، وأن تلقي بقادة السلطة الفلسطينية عن الأسطح في رام الله، ويتبين أن أبو مازن وعصابته أكثر مما هو محبة لنا أو تمسكاً باتفاقات أوسلو ـ يعانون من الخوف من الارتفاعات.
ولماذا يواصل قادة جهاز الأمن عندنا الحديث للصحافيين عن «أهمية التنسيق الأمني» مع السلطة الفلسطينية؟ لأنهم يخشون من الاشتعال «في ورديتهم». من ناحيتهم: بعدهم الطوفان. دوماً يمكنهم أن يكسروا بعد ذلك بقوة يساراً وأن يعلقوا ذنب الاشتعال التالي بـ «عدم المرونة» التي أبدتها إسرائيل تجاه المطالب الفلسطينية.
وماذا عن المليارات التي سيتعين علينا أن ننفقها كي نغذي ونعيل ونمول كل العرب في الضفة؟ من سينظف الأرصفة في نابلس؟ يخلي القمامة في الخليل؟ من سيعلمهم في المدارس؟ من يعالج مرضاهم؟ مؤيدو إقامة الدولة الفلسطينية يحاولون إقناعنا بأن إسرائيل ستنهار اقتصادياً إذا اضطرت لأن تحمل العبء.
هذا أيضاً ليس صحيحاً بالطبع. فالسلطة الفلسطينية لا تطعم السكان. من يعمل ـ يرتزق. حتى أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية أنفقت إسرائيل فقط مئات الملايين كل سنة لاحتياجات السكان العرب. في الإدارة المدنية تجمعت في العقد الأخير مئات الملايين من المداخيل من الضرائب، والرسوم، والجمارك (الأموال التي كان يفترض أن تستثمر في البنى التحتية وفي الخدمات لصالح العرب، ولكن عدم التعاون مع السلطة الفلسطينية في مجالات عديدة يمنع ذلك). قسم هام من ميزانية السلطة الفلسطينية يأتي منذ اليوم من إسرائيل (ضرائب وجمارك). وإذا ألغيت اتفاقات أوسلو وتبخرت السلطة فلن تكون حاجة إلى الوساطة الفاسدة لموظفي رام الله، ولا داعي لأن يخيفوكم بالمجاري والأرصفة والتعليم والصحة. لم يقم حتى ولا إسرائيلي واحد بتنظيف المجاري في رام الله أو الأرصفة في بيت لحم قبل أوسلو. فقد أدارت البلدات العربية الشؤون البلدية فيها بتدخل بالحد الأدنى من دولة إسرائيل.
لقد جاء في آيات التبارك: «في الوقت الذي تقيم فيه إسرائيل إرادتها في المكان، فإن مهمتها يقوم بها الآخرون». إذا لم يكن لزعماء إسرائيل ما يكفي من الشجاعة لعمل ما يلزم، أي إلغاء أوسلو، فلعل العرب يفعلون هذا نيابة عنا.
هيا، ألغوا.
آريه الداد
معاريف 2/11/2018