كانت وصية الرئيس المؤقت عدلي منصور للرئيس المنتخب لافتة جدا، وردت الوصية في خطاب وداع بليغ ألقاه الرئيس الذي أنهى مهمته باقتدار، كان الخطاب أطول نص ألقاه منصور، الذي عودنا على كلمات موجزة مختارة بعناية، ووجه الحديث للرئيس عبد الفتاح السيسي المنتخب بإجماع وطني نادر، وبشعبية فياضة لم تجتمع لرجل منذ زمن جمال عبد الناصر، قال منصور للسيسي بالنص «تقتضي الأمانة أن أحذر من جماعات المصالح التي تود أن تستغل المناخ السياسي الجديد، بطمس الحقائق وغسيل السمعة، وخلق عالم من الاستفادة الجشعة، يمكن هذه الفئات من استعادة أيام مضت، يود الشعب المصري ألا تعود أبدا».
بدت الوصية نافذة إلى عمق الجدل الدائر مع تولي السيسي لمنصب الرئاسة رسميا، فالإشارة إلى «جماعات المصالح» مفهومة جدا في مصر، والتحذير قاطع وصريح، وصادر عن قاض جليل، يزن كلماته بميزان الذهب، وظل في منصب الرئاسة لمدة قاربت العام الكامل، واطلع بحكم منصبه على أخطر الوثائق والتقارير، وعرف حقيقة ما يدور في الكواليس، وعلى خشبات المسارح السياسية والاجتماعية والثقافية، وتعرف على مواطن الداء ومصادر الوجع، فثمة تحديات كبرى في الأمن والاقتصاد والسياسة، تلزم الرئيس الجديد المنتخب بخوض معركة لا مفر منها، فليس الإخوان وحدهم في موقع العداوة للثورة المصرية المتصلة فصولها، بل جماعة مبارك ـ ومن يسمونهم بالفلول ـ هم العدو الأشد ضراوة، وهم من قصدهم منصور في خطاب وداعه بتعبير «جماعات المصالح»، التي تتصور أن بوسعها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، و»استعادة أيام مضت» بتعبير منصور، والعودة إلى خطوط 24 يناير/كانون الثاني 2011، وبافتراض أن خلع جماعة الإخوان يفسح الطريق إلى عودة جماعة مبارك للحكم، ولو في ثياب مموهة، وبادعاء نصرة السيسي، وهو ما بدا الرئيس الجديد المنتخب على وعي كامل به، تأكد بإعلانه الانحياز المطلق لثورة 25 يناير 2011 وموجتها الأعظم في الثلاثين من يونيو/حزيران 2013، وترديد شعارات ثورة يناير الكبرى عن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وتعمد ذكرها مرات في كلمته للشعب المصري بعيد الإعلان الرسمي عن فوزه الساحق بموقع الرئاسة، ومع إشادته المميزة بمنافسه حمدين صباحي الذي تقدم للانتخابات على مبادئ ثورة يناير، وذلك كله في خطاب قصير لم يستغرق السيسي في إلقائه سوى أربع دقائق.
بدت وصية عدلي منصور كأنها عهد والتزام سبق إليه الرئيس السيسي، وبدت الإشارة الصريحة إلى معركة منتظرة مع الفلول و»جماعات المصالح» في محلها تماما، وفي سياق من التربص الاجتماعي والسياسي لا تخطئه العين المجردة، فقد أصبح السجال مفتوحا، ولم يعد مجرد تخمين أو توقع أو تكهن أشار إليه كاتب السطور قبل شهور، فقد نبهنا مبكرا إلى مؤامرة الفلول ضد السيسي، ونحن نستخدم هنا كلمة «الفلول» كلفظ شائع إعلاميا، رغم أن اللفظ ليس دقيقا في رأينا، فهؤلاء أصول لا فلول، وجماعات مصالح متحكمة في مشهد السياسة والاقتصاد، وأقاموا ممالكهم وامبراطورياتهم على مدى أربعين سنة مضت، ومنذ أطلق الرئيس السادات قولته الشهيرة مع بداية عصر «انفتاح السداح مداح»، وقتها قال السادات لنهازي الفرص «ان من لا يغتني اليوم لن يغتني أبدا»، وكانت تلك إشارة مبكرة إلى طبقة «القطط السمان»، التي تحولت إلى حيتان وديناصورات في زمن مبارك الطويل الراكد، وإلى درجة تحول معها التكوين المصري إلى مجتمعين منفصلين تماما، مجتمع الشعب الأفقر، وهؤلاء هم الغالبية الساحقة من المصريين، الذين نزلوا غاطسين تحت خطوط العوز والبطالة والعنوسة والذل اليومي، وفي عالم منفصل، نمت الطبقة الأغنى، التي راكمت ثرواتها مستفيدة من تحول الحكم إلى النمط العائلي في النصف الثاني من عهد مبارك، ومن زواج السلطة بالثروة، ومن منح خصخصة الأصول والشركات العامة، ومن تصفية القاعدة الإنتاجية للاقتصاد المصري، ومن التحول إلى اقتصاد الريع واقتصاد الخدمات، ومن شراء القوانين بالمقابل النقدي، ومن تخصيص أراضي الدولة و»تسقيعها»، ومن بناء «رأسمالية المحاسيب» بالأمر المباشر، وهكذا تكونت طبقة نهب واسعة، وشفط للسلطة والثروة إلى أعلى، وإلى حد بدت معه مصر الفقيرة المستنزفة متخمة بالمليونيرات والمليارديرات. ففي مصر الآن مليون مليونير على الأقل، وفيها عشرات ـ ربما مئات ـ من المليارديرات، وهي البلد العربي الوحيد ـ غير الخليجي ـ الذي تقدم أثرياؤه إلى قائمة أغنى أغنياء العالم، فالطبقة الأغنى في مصر أكثر ثراء وسفها من طبقة مليارديرات الخليج، مع فارق محسوس، وهو أن ثراء الخليج هبة النفط، بينما بدا الثراء في مصر هبة الأرض المنهوبة، وقد تفاجأت «جماعات المصالح» الكبرى بزلزال ثورة 25 يناير، وبخلع مبارك بطريقة بدت سلسة، وجربت أن تتوارى قليلا عن الأنظار، وأن تبدل جلدها وأقوالها، وفي انتظار أن تهدأ العواصف، لكن أثرياء مبارك وجدوا الحل في التفاهم مع طبقة أثرياء الإخوان، ودارت المساومات من وراء الكواليس ومن أمامها، واندفع بعضهم إلى الاحتماء برعاية مليارديرات الإخوان من نوع خيرت الشاطر وحسن مالك وآل الحداد، وما كاد التفاهم يستقر قليلا، حتى هبت عاصفة ثورية أعظم في الثلاثين من يونيو 2013، وتكرر سيناريو خلع مرسي على طريقة خلع مبارك نفسها، وهو ما بدا لأثرياء مبارك كأنه فرصة للعودة، واستلام دفة القيادة، وبنشر انطباعات زائفة عن دورهم في ثورة 30 يونيو، وعلى طريقة ادعاء الإخوان ملكيتهم لثورة يناير، واجتهد الطرفان في فك العروة الشعبية الوثقى بين يناير ويونيو، ادعى الإخوان أن ثورة 30 يونيو انقلاب عسكري لأنها خلعتهم عن الحكم، بينما وصف أثرياء مبارك ثورة يناير بأنها نكبة لأنها خلعت كبيرهم عن الحكم، وتصورت جماعة مبارك أن الفرصة واتتها مع 30 يونيو ـ وما بعده ـ للعودة إلى الكرسي المفقود، وباستغلال «المناخ السياسي الجديد لطمس الحقائق وغسل السمعة»، على حد تعبير الرئيس المحترم عدلي منصور في خطاب الوداع.
وبينما لجأت جماعة الإخوان إلى طريقة الاغتيال، وإعلان حرب إرهابية يائسة وبائسة، على أمل استعادة الحكم، لجأت جماعة مبارك إلى طريقة مختلفة، لجأت إلى سلوك الأفعى التي تلتف، لا سلوك الكلاب التي تنبح وتنهش، لجأت إلى طريقة الالتفاف والاحتيال، فلا يهمها شخص مبارك في ذاته، بقدر ما تهمها «استعادة أيام مضت، يود الشعب المصري ألا تعود أبدا»، على حد تعبير عدلي منصور. وكان الحل السوقي بسيطا، وهو أن تفرض «جماعات المصالح» وصايتها على الوافد الجديد، وأن تحوله إلى «مبارك معدل» أو محور، وبدعوى استعادة الاستقرار والاستثمار، بينما هي لا تريد سوى حفظ مصالحها والهروب من الحساب، ورعاية ما تتصوره حقوقها المكتسبة في اتصال النهب العام، وهكذا راحت «جماعات المصالح» تتطفل على ظاهرة شعبية واسعة تعلقت باسم السيسي كبطل منقذ، وتنشئ العشرات مما سمي بالحملات الشعبية لدعم السيسي في طريقه للرئاسة، وبصورة تصدم العين وتقبض الروح، ومن مواقع العائلات الكبرى ذات التواصل التقليدي المزمن مع جهاز الدولة الإداري والأمني، أو من مراكز الفساد المسيطرة في جهاز الدولة نفسه، أو من منابر الفضائيات والإذاعات والصحف المملوكة لمليارديرات زمن مبارك، وعلى سبيل «غسل السمعة» باسم السيسي، والإحاطة بالرجل الجديد، وإقناعه بأنه لا يملك بديلا ولا نصيرا سواهم، وأن عليه أن يحكم بهم لا أن يحكم عليهم.
وفي لحظة الجد سقطت الأقنعة، وانفضحت الفلول في انتخابات الرئاسة، وبان عجزهم وقلة حيلتهم، ورفض الشعب لعودتهم، ولم ينفع السيسي غير تواصله المباشر مع الناس، وإشاراته المبكرة عن ازدراء الفلول، وإعلانه المتكرر أن ليست لديه فواتير يسددها لأحد، ثم مواجهاته الساخنة مع الحيتان في الاجتماعات شبه المغلقة، وتصميمه على استرداد حق الشعب كاملا في الثروات المنهوبة، وهو ما كشف زيف محبة الفلول للسيسي، وتحولها سريعا إلى كراهية فتربص فصدام، بانت بوادره في حرب البورصة قبل أيام من تنصيب السيسي رئيسا، وهو ما نتوقع تواصله في الشهور الأولى لرئاسة الرجل الأقوى شعبيا بامتياز، وربما لن يفاجأ أحد إذا اشتعلت سريعا حرب السيسي مع الحيتان، وعلى طريقة مواجهة بوتين أول عهده لمليارديرات النهب الروسي.
وتأملوا ـ من فضلكم ـ مغزى ما جرى بمصادفة الوقت الواحد، ففـــــي اليوم الذي فاز فيه السيسي بالرئاسة، كان المخلوع مبارك في قفص المحاكمة الزجاجي، يرتدي لأول مرة ملابس السجن الزرقاء، وتسيل دموعه على وجهه المتشقق، كان مبارك يبكي، بينما الشعب المصري يقيم الأفراح في الميادين ابتهاجا بفوز السيسي، تأملوا المفارقة، التي قد يقتضي تفسيرها أن تعيدوا قراءة هذا المقال من أول سطر.
٭ كاتب مصري
عبد الحليم قنديل