تعز-“القدس العربي”: تسعى القوات الحكومية بكل ثقلها وبدعم من قوات التحالف العربي بقيادة السعودية إلى تحقيق مكاسب عسكرية على الأرض مع قرب انعقاد جولة جديدة من المفاوضات اليمنية بين الحكومة والانقلابيين الحوثيين، برعاية الأمم المتحدة، المزمع انعقادها خلال الشهر الجاري، وسط دعوات دولية لوقف الحرب في اليمن.
وشهدت جبهات محافظات الحديدة وصعدة والبيضاء وغيرها مواجهات وتصعيدا عسكريا غير مسبوق، من قبل القوات الحكومية وبدعم وإسناد جوي من قبل قوات التحالف العربي، في محاولة منها لتغيير المعادلة على الأرض قبيل انعقاد جولة المفاوضات الجديدة، التي يطمح رعاة هذه المفاوضات إلى تثبيت أمر واقع للطرفين، بدلا من المطالبات الحكومية الصعبة المنال والمستحيلة التحقيق، التي ظلت الحكومة تطالب بها طوال الثلاث السنوات الماضية، وهي عودة السلطة للحكومة الشرعية بإجبار الانقلابيين الحوثيين على الانسحاب من المدن والمؤسسات الحكومية التي استولوا عليها في العاصمة صنعاء وبقية المدن التي سقطت في أيديهم.
وجاء التصعيد العسكري الحكومي في جبهات القتال بعد أن أعلنت الولايات المتحدة مبادرة سلام في اليمن وأيدتها العديد من الدول الكبيرة المؤثرة في صناعة قرارات المجتمع الدولي، والتي جاءت منسجمة مع الحلول الوسط التي يحاول المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث فرضها على الجانب الحكومي، رغم أنها حلول تعزز الوضع الراهن للانقلابيين الحوثيين، وتمنحهم سلطة حكم ذاتي لإدارة بعض المناطق التي سيطروا عليها وفي مقدمتها محافظة صعدة التي تعد معقل جماعة الحوثي، مقابل تنازلهم عن العاصمة صنعاء وبعض المحافظات الأخرى وبالذات المحافظات السنية التي لا توجد فيها قاعدة شعبية للحوثيين، وفي مقدمتها محافظة الحديدة، غربي اليمن، ذات المذهب الشافعي، فيما يعتنق الحوثيون تيارا شيعيا متشددا داخل المذهب الزيدي الذي يقدر أتباعه بنحو 30 في المئة من سكان اليمن في المناطق القبلية الشمالية.
وذكرت مصادر محلية أن القوات الحكومية وقوات المقاومة الشعبية في محافظة الحديدة حققت مكاسب عسكرية نوعية خلال اليومين الماضيين مع تجدد المواجهات هناك، واستطاعت السيطرة على العديد من المناطق العسكرية المهمة في أحياء جوهرية بمدينة الحديدة، الساحلية غربي اليمن، ومنها حي الجامعة وحي المستشفى وحي قوس النصر والأحياء المتاخمة لطريق كيلو 16، وغيرها، في الوقت الذي حققت فيه القوات الحكومية أيضا مكاسب عسكرية عديدة في محافظة صعدة معقل جماعة الحوثي خلال الأيام والأسابيع الماضية.
وكانت المبادرة الأمريكية طالبت بالوقف الفوري للحرب، وبدء المفاوضات خلال شهر من تاريخه، ابتداء من نهاية تشرين أول (اكتوبر) المنصرم، بحيث يشمل وقف الغارات الجوية لقوات التحالف العربي على مناطق تمركز الحوثيين مقابل وقف الانقلابيين الحوثيين إطلاق صواريخ بالستية على الأراضي السعودية بل وتسليمهم ما تبقى لديهم من هذه الصواريخ، فيما تجاهلت هذه المبادرة المطالب الحكومية المحددة بانسحاب ميليشيا الحوثي الانقلابية من المدن والمؤسسات التي سيطرت عليها واعتماد المرجعيات الثلاث أساسا لأي مفاوضات بين الحكومة والانقلابيين التي ظلت الحكومة تطالب بها طوال الفترة الماضية، وهي مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية لعام 2011 وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2016 للعام 2015.
واعتبر سياسيون يمنيون أن المبادرة الأمريكية التي طرحها وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس في البحرين بحضور نائب الرئيس اليمني علي محسن الأحمر، تتطابق مع الطرح الأممي الذي يسعى مبعوث الأمم المتحدة إلى تضمينها في مبادرته الأممية خلال المفاوضات المقبلة، والتي تشمل منح الحوثيين مناطق حكم ذاتي في المناطق التي يجدون فيها حاضنة شعبية، أي في المناطق الشمالية، والتي تتقاطع إلى حد ما مع النظام الفيدرالي الذي يقسّم جغرافية اليمن إلى 6 أقاليم، وهو النظام الذي تم الاتفاق عليه في مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء قبيل اندلاع الحرب، نهاية 2014، حيث أن السلطات المحلية في النظام الفيدرالي يتم اختيارها عبر الانتخاب العام، بينما المبادرة الأمريكية تشير إلى منح السلطة المحلية في المناطق الشمالية للحوثيين حصرا، ما يعتبرها سياسيون يمنيون تتعارض مع النظام الديمقراطي.
وتضمنت المبادرة الأمريكية حلولا عبر “إعطاء المناطق التقليدية لسكانها الأصليين ليكون الجميع في مناطقهم، دون الحاجة للسيطرة على أجزاء أخرى من البلاد” في محاكات للتمدد الحوثي المسلح الذي اجتاح المحافظات الجنوبية السنية، نهاية عام 2014 ومطلع 2015.
وتلاحقت المواقف الدولية الداعية لوقف الحرب والداعمة للمبادرة الأمريكية لإحلال السلام في اليمن وذلك من قبل الدول الغربية ذات الثقل الدولي، وفي مقدمتها فرنسا وكندا والمملكة المتحدة والسويد والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ما اضطر الحكومة اليمنية إلى إعلان ترحيبها بهذه الدعوات فيما أعلن الحوثيون ترحيبهم بأي جهود لوقف نزيف الحرب.
وفي هذا السياق الذي يبدو هذه المرة أكثر جدّية، المتزامن مع تهيأة المزاج العالمي عبر الآلة الإعلامية الغربية التي سلطت الضوء على المآسي الإنسانية في اليمن، لجأت الحكومة، كعادتها قبيل كل مباحثات سلام يمنية، إلى استباق الأحداث بالتصعيد العسكري الميداني للسيطرة على أكبر قدر ممكن من المحافظات والمناطق التي سقطت في أيدي الانقلابيين الحوثيين، في محاولة منها لتغيير معادلة الحرب وفرض أمر واقع جديد، يعزز موقفها التفاوضي.