لا يخفى على عاقل ان ما مر به العراق ومنذ تأسيس الدولة العراقية الى يومنا هذا لايخرج من كنف المصالح الفئوية التي لم تنفك ترافق كل اشكال الانظمة التي حكمت وما زالت تحكم، فلم تستطع اي من اشكال الانظمة التي مرت على تاريخ العراق من الملكية وحتى الجمهورية الرئاسية مروراً بالجمهورية البرلمانية ان تعمل وفق مبدأ عمل دولة المؤسسات والتي تتبنى فكرة قيام مؤسسات الدولة الباقية الخالدة واستبدال الشخوص كونهم زائلين.
ولعل ما نراه اليوم من تخبط في الخطاب السياسي الذي لا يرتقي لمستوى بلد فيه من الحضارات والثقافات والخيرات مالا يوجد في اي بلد اخر، هو احدى صور الانظمة السياسية المشوهة والتي لايحتمل الوضع السياسي الراهن في الداخل وكذلك الوضع الاقتصادي العام على المنطقة بأكملها ان يتحمله، حيث ان اساس تشكيل الحكومة العراقية بعد عام 2003 قائم على مفهوم الشراكة الوطنية حسب اراء كل اللاعبين الاساسيين والبدلاء في العملية السياسية، وهذه الشراكة التي يتحدثون عنها اذا ما صيرت بالشكل الصحيح فهي بالتالي ستولد حكومة ينخرها الفساد حتى جذورها، كون ان مفهوم التوافقية والشراكة يعني بالضرورة شبه انعدام وجود معارضة داخلية للحكومة بأمكانها الترصد وتصحيح المسارات من خلال الضغط عليها مما سيولد اما حالة من الفوضى السياسية او الفساد القائم وفق مبدأ هذا لك وهذا لي، فما بالك بحكومة شراكة تترصد بعضها البعض وتتحين الفرص للتسقيط السياسي واخراج اللاعبين من الساحة السياسية كلا حسب دوره واهميته، لتبقي على مكتسباتها الفئوية التي في الغالب ما كانت لتحلم بها لولا استخدام البعض لاساليب ملتوية تصب في مصلحته ومن حوله، ولعل خير دليل على ما تقدم هو حرب سحب الثقة المستعرة اتونها اليوم ما بين السيد رئيس الوزراء نوري المالكي تارة ورئيس السلطة التشريعية اسامة النجيفي تارة اخرى، متناسين ان جميع هذه الفصول من مسرحية اللعبة السياسية غالباً ما ستأتي بنتائج عكسية عليهم لايودون ان يشهدوا نهاياتها.
افضل ما يمكن ان توصف به العملية السياسية في العراق اليوم انها تعيش حالة مزرية من التفكك السياسي على جميع الاصعدة الداخلية والخارجية، ولعل انشغال الساسة في ما يعتبرونه نوعاً من النجاحات المحققة هنا وهناك حسب وجهة نظرهم، سيجر البلاد قطعاً الى سيناريوهات ملغومة ومجتزأة وغير معروفة النهايات، لا تطمئن الشارع الذي بات متخوفاً جداً من كل السياسيين على حداً سواء.
محمد باسم