عبد الرزاق قيراط’ميتران’ عبارة نطق بها الواد سيّد الشغال ليثبت أنّه يتكلّم فرنساوي في موقف مضحك يحسب لعبقريّة نجم الكوميديا عادل إمام. وطرافة ذلك الموقف، بكلّ حيثياته الساخرة، انسحبت منذ أيّام على السيّد حمّادي الجبالي الشغّال رئيسا للحكومة التونسيّة بعد أن أدلى بتصريح للقناة الفرنكوفونيّة [TV5]. تكلّم الجبالي في البداية باللغة العربيّة، ثمّ تكرّم على الفرنسيين الذين حاوروه فخاطبهم بلغتهم، لكنّه تعثّر ولم يجد الترجمة الملائمة لمقولة ‘رأس المال جبان’، فوجّه السؤال بشجاعة ظاهرة إلى المترجم ولكنْ بلغة اختلط فيها الحابل بالنابل أي العربيّ بالفرنساوي. وكان ذلك كافيا ليؤلّب على الرجل جحافل الفايسبوكيين الذين أخذوا يتندّرون بتلك العثرة مشكّكين في المستوى العلميّ للرجل وقد درس بفرنسا لمدّة تسع سنوات.
وفي هذا الباب تحديدا، تعرّض وزير الخارجيّة رفيق عبد السلام إلى النصيب الأوفر من الانتقاد وكان ذلك حين اعتذر عن الإدلاء بتصريح لإذاعة تونسيّة تبثّ برامجها باللغة الفرنسيّة، فأسالت علاقته بلغة ‘ميتران’ الكثير من الحبر حول ما قيل إنّه جهل الرجل بقواعدها، الأمر الذي اعتبره البعض عائقا لا يستقيم مع طبيعة المنصب الذي كلّف به. واعترف الوزير أنّ دراسته في الجامعات البريطانيّة جعلته أقرب إلى لغة شكسبير منه إلى لغة موليير. وأضاف في تصريحه لنشرة أخبار الثامنة أنّ ‘ لغة التخاطب في الداخل والخارج هي اللغة العربيّة، وهي الأهمّ باعتبار انتمائنا إلى بلد عربيّ.’ وهو الموقف ذاته للرئيس المنصف المرزوقي دون أن يعني ذلك أنّه إمّعة، فهوعروبيّ الثقافة والنضال، وقد عبّر عن إيمانه العميق بقدسيّة اللغة العربيّة فاعتبرها ‘ العمود الفقري للأمة، ولا وجود لها إلا بوجوده، فأمّتنا خلافا لكلّ الأمم، لا تسكن أرضا وإنما تسكن لغتها.’ وقد عبّر عن ذلك الموقف حين كان يكتب ولا يحكم في مقالة تحليليّة نشرها على موقع الجزيرة نت قبل توليّه الرئاسة، ولكنّ المؤسف حسب المراقبين أنّ المرزوقي اليوم لا يحكم ولا يكتب، بل إنّه حُرم حتّى من التوقيع على قرار تسليم البغدادي المحمودي إلى ليبيا. فأوقع ذلك العداوة والبغضاء بين المؤتمر والنهضة، حتّى قال عماد الدايمي مستشار الرئيس وبلغة حربيّة: ‘إنّ تسليم البغدادي دون موافقة الرئيس طعنة لنا في الظهر’. وفهمنا من الحادثة أنّ لغة السياسة لم تعد واحدة بين طرفين متحالفين في الحكم. وبذلك الشقاق انقسمت المواقف بين ذمّ للتسليم ومدح له، حتّى صار البغدادي بلقبين حسب المختلفين حوله، فهو البغدادي المحمودي عند الرافضين لتسليمه وهو البغدادي ‘المذمومي’ حسب من سلّمه وأيّد ترحيله. وهكذا تستمرّ المعارك الكلاميّة في تونس ما بعد الانتخابات دون كلل أو ملل، بدأت بمواجهة طويلة بين لغة الاعتصامات والاحتجاجات التي انتشرت كالسرطان في جسم الاقتصاد، ولغة الحكومة التي تدعو إلى الصبر والتعاون لمصلحة البلاد… ولا تبدو لنا في الأفق بوادر هدنة كفيلة بوقف ذلك التصادم رغم المبادرات العديدة التي تدعو إلى الحوار بين جميع الأطراف وعلى رأسها مبادرة اتحاد الشغل. فالمشهد الحاليّ لا يقدّم إلاّ الخلاف تلو الخلاف الذي يتطوّر في أحيان كثيرة إلى تراشق لا يخلو من بذاءة في مختلف المواقع الاجتماعيّة، حيث ينقسم التونسيّون إلى فريقين مهاجم مسعور ومدافع مقهور.
وكلّ هذه الأمثلة تدلّ على أزمة ثقة بين الأفراد والنخب والمؤسّسات، وتؤكّد أنّ لغة التخاطب فيما بيننا تحتاج إلى خبراء يلقّنون الجميع قواعد التواصل وفنونه، وقد يستدعي الوضع تعليمنا لغة جديدة تجمعنا على كلمة سواء، وفي هذا السياق بشّرنا وزير التربية والتكوين بأنّ اللغة التركيّة ستدرّس في معاهدنا الثانويّة بداية من السنة المقبلة. لذلك نتوقّع أن يقبل التونسيّون على تعلّمها بحماس كبير حتّى إذا سئل أحدهم: تتكلّم تركي؟ أجاب بسرور وبكلّ ثقة قائلا: ‘ أردوغان’ بدل ‘ميتران’! حركة النهضة ‘الفاشيّة’في برنامج المشهد التونسي على القناة الوطنيّة الأولى، كاد الحوار يتحوّل إلى تبادل للعنف المادّي بعد أن وصل إلى العنف اللفظيّ ما دفع بالنائب عن حركة النهضة وليد البناني إلى الوقوف محتجّا على عياض اللومي المدير التنفيذي للتآلف الجمهوري الذي قال إنّ حركة النهضة فاشيّة اجتثاثيّة لأنّها لا تريد السماح للتجمعيين بالعودة إلى الساحة السياسيّة. انتفض البنّاني غاضبا وقال لمخاطبه أنت هو الفاشيّ المجرم قبل أن ينسحب من البرنامج تعبيرا عن احتجاجه على ما قيل في حق حزبه. والمشهد جديد لم نعهده في مختلف البرامج الحواريّة على القنوات التونسيّة، وقد جاء مطابقا لبرنامج الاتجاه المعاكس على الجزيرة، وتوفّرت فيه جميع الشروط التي تؤدّي إلى الاحتقان والتوتّر باعتبار أنّ مدعوّيْن اثنين استماتا في الدفاع عن ضرورة عودة التجمّعيّين إلى النشاط.. وكان حضور عبير موسى أشدّ الأمور استفزازا وقد ألقت قولها الساحر على الحاضرين والمشاهدين فجاءت بإفك عظيم وهي تزعم أنّ التجمّعيّين كانوا أقرب ما يكون للشعب التونسيّ، وأنّ إقصاءهم من الحياة السياسيّة يتعارض ومبادئ حقوق الإنسان. وفي اليوم التالي احتجّت نقابة الصحفيّين وأشهرت عصاها لتلقف ما يأفك التلفزيون التونسي بدعوته لنائبة الأمين العام للتجمع المنحلّ للمشاركة في برنامج حواريّ باعتبارها ‘ناشطة حقوقية’ كما كتب في المانشيت، وفي ذلك ‘ استفزاز فاضح للشعب التونسي وارتداد على أهداف ثورته وتشويه لها’. ولأنّ حضور ذلك الوجه خطوة متقدّمة ‘لإعادة رموز النظام السابق بحزبه وأجهزته إلى الواجهة الإعلامية’. تعدّدت الأسئلة عن الجهة التي تقف وراء ذلك، وأوصلنا التحرّي والتدقيق إلى حصر الشبهة في أحمد شفيق!
أحمد شفيق في تونس!
يحقّ للتونسيّين أن يشفقوا على ثورتهم وهم يشاهدون الوجوه التي طالما سوّقت للنظام السابق تعود للظهور بطريقة ممنهجة. فالجهة التي دعت عبير موسى التجمّعيّة لمناظرة تلفزيونيّة على القناة الوطنيّة هي نفسها التي أوعزت لبرهان بسيّس بالعودة للظهور إعلاميّا، وهو المعروف بمساندته المطلقة لنظام بن علي حتّى قبل سقوطه بساعات. ظهر برهان بسيّس على قناة العالم متحدّثا بسلامته عن الوضع الذي تمرّ به البلاد كغيره من الذين ركبوا على الثورة وتحوّلوا من جهاز البوليس السياسي إلى جهاز التحليل السياسيّ. هذه الوجوه التي احتجبت بُعيد الثورة، تسلّلت من جديد إلى المشهد متحسّسة طريق العودة إلى سالف نشاطها، فزيّنت لها نفسها الناجية من الحساب والعقاب أن تتحرّك في العلن وتهرول لتسريع رجوعها إلى مواقعها في ظلّ الارتباك الذي عصف بالترويكا الحاكمة التي عجزت عن تطهير قطاع الإعلام. وقد لفت انتباهنا توصيف الغنوشي لهذا الحراك بالصناعة التي تعمل على إعادة إنتاج النظام القديم فسمّاها ‘صناعة أحمد شفيق’ متمنّيا فشلها في تونس كما فشلت في مصر. قال ذلك على قناة الجزيرة مباشر، في احتفال نظّمته حركة النهضة أمام مقرّ السفارة المصريّة بمناسبة فوز الإخوان. والطريف في كلام الغنوشي ركوبه الكناية لغايات قد تكون خطابيّة بلاغيّة وهو يسمّي الأشخاص بغير أسمائهم الحقيقيّة. موقف قد لا يورّطه في تونس حيث مازال البحث متواصلا عن المقصود بأحمد شفيق. ولكنّ الهجمة التي يخشى عليه منها قد تأتي من الإمارات وتحديدا من قائد شرطة دبي ضاحي خلفان الذي لا يحبّ الإخوان وأمثالهم ومازال يغرّد على تويتر معلنا نيّته إسقاطهم بعد أن أسقطوا مبارك وهزموا شفيق حتّى قال مصرّحا بدون كناية أو تورية: ‘ تقدّم مرسي تراجع لمصر، وفوز الإخوان يوم شؤم وكارثة على المصريّين والأمة العربيّة والإسلامية’. وهذا كلام مفهوم وفيه معادلة واضحة محصّلتها أن الإخوان وأمثالهم شؤم وشفيق وأمثاله درّ وبنزوله في الإمارات يعود الدرّ إلى معدنه وموطن صناعته وازدهار تجارته.
كاتب تونسي[email protected]