واقعنا بمسرحية تولستوي: الجحيم الذي أعيد بناؤه

حجم الخط
0

تعتريني الدهشة كلما قرأتُ هذه المسرحية المقتضبة للعملاق الروسي تولستوي، سر دهشتي يكمن في التاريخ الذي سطر فيه تولستوي هذه الملحمة الفريدة التي كتبها في عام 1902 في وقت كانت أحداث هذه المسرحية ضربا من ضروب الغيب المستقبلي، العصية على التنبؤ أو الحضور في البال، حتى لمعظم العقول الخصبة المفكرة التي عاشت في عصره وظهرت في زمانه، تولستوي استطاع بسعة هذه العقلية الروائية الخصبة التي يمتلكها استنتاج أفكار مسرحيته هذه، ثم ها نحن نعيش أحداثها جلية واضحة للعيان وكأنه عاصرها تماما.

إبليس في هذه المسرحية بدا حقيرا صغيرا منحطا، وحيدا يقبع في هوة ظلماء، بعد أن انتصرت الفضيلة على الرذيلة، وبعد أن حطم الحق بقوة صوته وسوطه أسوار الباطل المشيدة، وبات الخير يهيمن على الأنفس ويطغى على نزعتها الشريرة، فلم يعد لإبليس اللعين مكانا أنسب من باطن الأرض الموحشة، يعرى هناك ويضحى، ثم لا يموت فيها ولا يحيى.. ثم وبعد تعاقب قرون الزمان و مرورها على تلك الحقبة التي علت فيها صولة الحق وإنكسار الباطل، قام تلاميذ إبليس المختصون المخلصون، العاملون الذين لا يكلون ولا يملون، فاستلموا الدفة، وأعادوا رجحان الكفة على الكفة، بل قل قلبوا جميع الموازين وحطموها، فلم يعد هناك لا ميزان ولا كفة.. فغيروا الحقائق، ثم ما لبثوا أن أبطلوها جميعا، بعد أن زوروها في أذهان الناس الأخيار، لتبدوا مقبولة في أنظار بني آدم، زركشوا الباطل وأعادوا تخليقه وتشكيله بعد أن ألبسوه ثياب الحق، وقدموه للناس على أنه الحق المطلق.

تولستوي ومع عظيم إلحاده بالإله وبسائر الأديان، إلا أنه أصاب كبد الحقيقة في ثنايا مسرحيته أكثر من مرة، فاستطاع بعبقريته الولوج بنا إلى بواطن العقلية البشرية الساذجة، ناهيك عن العقلية الشيطانية الخبيثة التي تقمصها تقمصا مبهرا ملفتا، حتى في وصف أدق تفاصيلها الشريرة، مشيتهم ووقوفهم وجلوسهم وملامح شخصياتهم وطوايا خبث قلوبهم.. خصوصا حين بدأ كلامه على لسان أول الشياطين مثولا أمام الحضرة الإبليسية الصاغرة، الذي استغل أهم ثغرة خفية في العقل البشري على مر الأزمان والعصور، ثغرة خلق الخلاف وزرع الاختلاف بين الناس.. وهي أول فجوة ألمح إليها الكاتب في بداية سلسلة تحول نسق البشرية الخيـّـر إلى الشرير، حتى وإن كانت هذه الخلافات الشيطانية هي نقاشات دينية محضة، إلا أنهم وعن طريقها استطاعوا شغل الناس وإلهاء عقولهم بها، مع مظنة إرضاء الرب عن طريق طرحها، ومباركته إياها أيما بركة، خلافٌ يهدف في ظاهره بلوغ الحق، لكنه خلاف هدام طال مطافه أم قصر، فدلل على ما يقول بمواضيع هامشية سطحية، ينبري للدفاع عنها كثير من سذج بني البشر، وكأنها أصل الدين وأساسه، فيضيع بذلك الأصل مع إهماله بالتركيز على الفرع، ثم استرسل بحديثه ليعلن بأن البشر بدأوا يبحثون بكل ما أوتوا من جهد عن كل ما يثبت صدق كلامهم، وكل ما يثبت زور أقوال خصومهم، لحاجة في إرضاء غرور نفوسهم، فاخترعوا كما يقول دور العبادة، التي كانت بمثابة مكان طاهر مقدس، يـُـشهدون الله فيه على مزاعمهم أمام الناس، ثم جاء بعدها دور رجال الدين، الأطهار الأشرار، الذين شرّعوا باعتبار أنفسهم تلاميذا للرب الأعلى، والممثلون الأوحدون له، والورثة الشرعيون لتعاليم الكتاب المقدس، وبدأوا بتفسير تعاليم أنبيائهم ورسلهم وتحريفها حتى تتوافق مع أهوائهم مهما خالفت صريح النصوص الواضحة، فاستشرى النزاع والخلاف، ودبت الكراهية بين الجميع، وعادت البشرية من جديد تلهث مسعورة خلف الشهوة والكبرياء وتقديس الذات.. فاستحر القتل والتعذيب والتنكيل في أرجاء الدنيا لكل من أظهر عصيانا أو تمردا، واستـُعبدت الشعوب باسم الدين، ونـُهبت ثروات الأمة بصكوك من ادعوا احتكارهم لسلطان الرب الأعظم.. فيا إلهي.. وكأني بواقعنا المعاصر وأنا أقرأ هذا المشهد المسرحي البسيط، ففي حين يموت آلاف الشهداء في فلسطين وغيرها من الأصقاع، لا زال الاختلاف الفقهي على أشده حول فتوى جواز دخول المرأة على الإنترنت بمحرم أم بغير محرم. أنا هنا لا أعلن أتفاقي مع تولستوي أو أختلافي معه في كل ما ذكره في أحداث مسرحيته هذه، بقدر ما أشيد بهذه العقلية الفذة التي استطاعت تخيل كل ذلك قبل أكثر من قرن من الزمان، وانطباق كل ما ذكره على مسرح أحداث حياتنا.. شيء يدعوك بصدق للتفكر والتأمل وإصغاء السمع وإمعان البصر، لنصل لحقيقة واحدة لخصها هذا الدب الروسي العملاق في مسرحيته، مفادها بأن سنن الله الكونية واحدة ثابتة لا تتغير أبدا مهما تعاقبت الأحقاب على الأمم، فحقبة المسرحية التي أشار لها الكاتب كانت إبان بعثة يسوع المسيح المخلص، وما أعقبها من ضلال وما تلاها من انحراف، وتلك السنة كما قلتُ يمكن تعميمها على أي أمة مرت بركب التاريخ، وحطت رحالها عنده، كأمة موسى ونوح ومحمد، تماما كما انطبقت جل أحداثها على حقبة المسيح عليه السلام. وانتهت المسرحية بانتصار الشر على الخير، على خلاف سيناريوهات الدراما العربية.. فقد تكسرت قيود إبليس، وأصبح بمقدوره أن يرفرف بجناحيه العملاقين، ثم ومن شدة فرحه العارم بدأ يرقص وحده، ويرفع قوائمه بحوافره الهائلة في حلقة كبيرة يتوسطها، وحوله شياطينه يرقصون ويتنططون، وقد تعالت ضحكاتهم وصفيرهم وشخيرهم، وفوق الهوة التي سكنها إبليس لقرون، كان هناك ثمة صراخ وبكاء وحشرجات وصرير أسنان.. كان هناك جحيم قد أعيد بناؤه من جديد.

معاذ فراج – الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية