د. توفيق قريرة قرأت الإعلان: انتداب نادلة تتقن لغتين و
.. سجلت رقم الهاتف و سارعت إلى طلبه.. أجابني صوت حازم.. نحن نطلب نادلة لا نادلا و سارع إلى غلق الهاتف. قمت إلى لباس زوجتي أنتقي منه أجمل الفساتين لبست واحدا ووضعت باروكة و اتجهت إلى مقر الوظيف الجديد. كانت عمارة جديدة شاهقة و كان عليّ أن أصعد إلى الطابق السادس عشر.. لمّا وصلت وجدت كثيرات ممّن قرأن الإعلان بالانتظار؛ كانت الوجوه مألوفة أو كالمألوفة و من حسن الحظّ أني كنت أبدو و أنا المتنكّر لجنسي أجمل من حضر.. أنا أتقن لغات أربع و كنت أشتغل في منظمة عالمية لحقوق الإنسان و لكني استقلت لمّا رأيت أنّ البشر كُثْر و الحقوق قليلة.. كان العمل سهلا غير أنّ أشقّ ما فيه على النفس أن لا تتكلّم إلا بما تؤمر.. كنّا نستقبل كثيرا من المتظلمين و كان دوري أن أترجم إلى اللغة العالميّة الاولى شكواهم و عليهم أن يُمْضُوا ثمّ يَمْضُوا و عليّ أن أسمع فلا أنفعل و ليس مسموحا لي بأن أكتب إلا بلغة محايدة و أن أسمع إلا بأذن محايدة.. لم أحسن في هذا الوظيف أن أكون محايدا لأنّي شعرت بأني امتلأت حزنا و خسرت و أنا أبكي على الشّعوب البائسة كثيرا من الدموع قد أحتاجها في مستقبل الأيام لأبكي نحسا أو بؤسا أو حتى نعيما.. طال انتظاري لكنّ ما يسّر عني أنّ إحداهنّ جاءت تسألني عن عدد المطلوبات.. و جدت سؤالها فرصة كي أتدرّب على صوت النساء كيّفت صوتي حتّى خرج أكثر رقة و أجبتها بلغة من اللغات التي أتقنها: لا أعتقد أنهم سينتدبون أكثر من واحدة.. و أضفت: هي صنارة نلقيها.. و نظرت كالرجال إلى عينيها فتلعثمت و ابتسمت و أجابت بلغة أخرى أتقنها أيضا: الصيّادون هذه الأيّام أكثر من السّمك.. قلت بلغة ثالثة أختبر اتقانها لها: علينا أن نجرّب الصيد في السماء ما دامت البحار قد سُجّرتْ.. فهمت مقالي وردّت بابتسامة: لكني و أنت امرأتان لا نصلح للفضاء.. قلت علينا أن نجرّب.. ظلّت المرأة تحدّق في السماء و أنا أحدّق فيها.. لهذه المرأة حظوظ أوفر من البقية.. أمّا أنا فها أنذا ألهو في انتظار أن تعود زوجتي من العمل.. كان العطر الذي أسره الفستان آسرا.. لزوجتي ذوق رفيع طالما حسدتها عليه رفيقاتها.. و لطالما رأيت في عيون ضيوفنا من الرجال من يغبطني عليها.. قالت مجاورتي في القاعة و قد بدأت تقلق من اقتراب ميعاد الانتخاب: هل العطر الذي تضعين هديّة أم من مشترياتك؟ أجبت لغلق باب الاجتهاد: بل هو هدية من صديق زوجي.. ابتسمت بخبث و عادت تنظر من النافذة إلى السّماء القريبة.. أوه لقد طال الوقت.. قالت واحدة في القاعة.. و أضافت تخاطب السكرتيرة:
هل سيطول انتظارنا أكثر؟ و قالت واحدة ثانية و ثالثة و رابعة: هل ستمتحنوننا؟ و قال بعض الشابات: هل الممتحنون لجنة أم واحد؟ و قالت جماعة ثالثة: هل هناك مقاييس معينة؟ و قالت امرأتان بخبث: هل سنشتغل في الأرض أم على القمر.. ؟ لم تنه الجماعة الكلام حتى صاح صوت من مكبّر الصوت: كلّ من طرحت سؤالا الساعة تخرج و تعتبر نفسها من المرفوضات.. استغربت النسوة و استغربتُ و نسيت إن كنت ممّن يعنيهنّ الصوت أم لا؟ فصاح الصوت في المكبّر السيّدة بالفستان الأرجواني و جليستها لابسة المعطف.. تقدّما إلى مكتب الإرشادات.. كان الصوت يعنيني و جليستي.. مدّت يدها تستحثني و تقول هيّا لم يبق إلا نحن في القاعة: أيّ حظّ سعيد.. قلت لها و أنا أقوم و أتعثر: اسمعي أنا أتبرّع لك بالوظيفة.. اذهبي لوحدك.. قال الصوت في المكبّر: هيا تعاليَا انتما الاثنتين.. تقدمنا إلى الإرشادات و أدخلتنا السيدة إلى مكتب كبير كان كلّ شيء فيه يوحي بأننا سنقابل الرجل الأوّل في الشركة.. لم يكن موجودا في المكتب.. ظلّ رجلان وراءنا يرقباننا و السكرتيرة تبتسم كي تخفّف عنّا حرج الموقف؛ و أطلّ من بعض أركان المكتب رجل رِبْعَة القامة لعلّه في الستّين جلس على مكتبه و دون أن يدعونا إلى الجلوس قال: كنّا نريد نادلة واحدة فإذا بهم يشعرونني بأنّ إحدى نادلاتنا أحيلت على المعاش.. لذلك سننتدبكما للوظيفة فاذهبا مع السيدة إلى حيث ستقودكما و استلما الوظيف اليوم و لا تنسيا فالأجر حسب الطلب.
كان كلّ شيء يشير إلى أنّ الأجرة ستكون مرتفعة.. لكن أن تكون حسب طلبنا فهذا شيء لم أتصوّره.. وصلنا إلى مكتب في الطابق السفلي؛ جلست السكرتيرة لتشرح لنا تفاصيل المهمّة لكنّها سألت زميلتي: ما هي الأجرة التي تطلبينها؟ بينما كانت هي تتلعثم كنت أنا أفكّر في الإجابة المناسبة.. قالت كنت أشتغل بألفين.. هل يمكن أن أطلب أربعة آلاف؟ قالت: يمكن ذلك و أشارت إليّ قلت: كنت أشتغل بأربعة آلاف هل يمكن أن أضاعفها؟ قالت بالطبع ممكن.. و قدمت لنا عقدا نظرت في الأجرة فوجدتها مطابقة لما طلبت فأمضيت قبل أن تعود المرأة في كلامها و أمضت زميلتي للعلة نفسها. جلست السكرتيرة و قالت: لكل أجر أشغال معينة ينبغي إنجازها.. السيدة التي طلبت أربعة آلاف هي مطالبة بأن تتقيّد بقائمة الأشغال الموجودة في العقد.. و السيدة التي طلب ثمانية آلاف مطالبة بالأشغال الموجودة على العقد و أيّ خلل ينجرّ عنه ما هو مكتوب فيه.
استلمنا العمل فورا وكانت أوّل مهمّة في الشغل الجديد أن أسلّم القهوة أو الشاي أو ‘البتزا’ إلى العناوين المعلومة؛ كان يصاحبني إلى تلك العناوين سائق أنيق قليل الكلام يتوقف أمام المبنى المعني و يقول كالآليّ: هذا هو العنوان؛ ثمّ ينتظرني حتى أنهي ويقفل بي راجعا و في الطريق يسألني إن كنت سلّمت الطلبيّة إلى أصحابها.. فأجيب بما يطمئنه فيسكت إلى أن نعود.
انتبهت بعد أيّام إلى أنّ أغلب العناوين كانت إدارات ديبلوماسية من السفارات العالمية.. و بداية من الأسبوع الثاني صرت أحمل مع الطلبيّة ورقة صغيرة في ظرف شقّاف كُتب عليها بقلم واحد و بخط يدوي كالمرتعش كتابة ككتابة الأطباء لا تقرأ بيسر و يختم الظرف بالشمع الأبيض الذي يكاد لا يرى.. كنت أسلّم الشّاي أو القهوة قبل الورقة.. و في يوم تجرّأت و سألت السائق عن سرّ الورقة فكوّر شفتيه ثمّ همهم بما لم أفهم.. و صمت و سكتّ. حين كنت أصل إلى الشركة التي تستخدمني كانت السكرتيرة تسألني هل شربوا الشاي أوّلا أم استلموا الورقة قبل ذلك؟ كنت أصف ما حدث حتّى تجرّأت يوما و سألتها إن كان الأمر يختلف فقالت: عليك أن تصف و لا تسأل.. سكنني الوسواس و استبدت بي الأسئلة عن حقيقة العمل الذي تورّطت فيه بينما كان الجميع فرحين بما لديهم.. سألت مرة زميلتي التي انتدبت معي نفس اليوم إن كانت تحمل أوراقا مع الكؤوس و الطعام؟ قالت:
أحمل ما يسرّهم و لا يهمّ إن كان يسوؤني.. قلت و لماذا لا نغضب؟
قالت: هل قرأت العقد جيّدا؟ أليس الأجر حسب الطلب و الناكثُ العهْدَ يدفع خمسة أضعاف ما استلم؟ قلت: هل يمكن أن نلتقي بعد الشغل اليوم لنتحدث أكثر؟ قالت: هذا ممّا يُجرَّم حسب ما ورد في العقد.. قلت لها: هل تذهبين مثلي إلى السفارات قالت بل إلى نساء الأعمال برسائل من رجالها.. قلت هل هي غرامية قالت مثلي كمثل الرحيق يشمّونه و لا يتضوع عِبْقَ نفسه.. قرّرت أن أتمرّد بطريقتي.. من الغد لبست ثياب الرجال و ذهبت إلى العمل.. ليس في العقد ما ينصّ على أنّي أنثى فالاسم الذي وقعت به – و هو اسمي- يُوسم به الجنسان من ذكر و أنثى.. أردت أن أغضب سادتي ليطردوني فأحصل على الخمسة الأضعاف من أجرتي و أرحل.. لكنّ السيد الأكبر في العمل أوصاني بكل هدوء أن أعود إلى لباسي الأوّل و يضاعف أجري لأني حسب رأيه أذكى من مشغليّ و هذا لا يحدث إلا نادرا.. رفضت.. فلم يغضب و طلب مني أن ألبس لباسا مشتركا فرفضت فنبهني إلى بند في العقد يوجب للمشغّل اختيار اللباس الذي يراه صالحا لمن يشغّله فقبلت.. نقلوني إلى جهة أخرى من غير أن يغيروا الوظيفة.. الأوراق المختومة المعطّرة و الشاي الذي يشرب سريعا حين تكون العين لهوفة على الورقة تلتهم سطورها.. و أنا تغلي الدماء في عروقي لأنّي أشعر كأنّ صفقة تعقد و أنا حمّالها الذي لا يفقه ما يحمل.. صرت في الشهر الثالث أعود بأوراق مختومة و في الشهر السادس صار بعضهم يعطيني البقشيش و يقول لي وجهك حمّال الخيرات.. و في الشعر العاشر صار يضربني بعضهم على قفاي.. وبعد عام صار بعضهم يواعدني في غفلة من عين سيّده و يكتب لي على ورقة معطرة الوقت و المكان.. ليس لي الحق حسب العقد أن أرفض أيّ شيء يعطى و ليس لي الحق أنّ أردّ على أيّ تحرّش وهم يسمونه في العقد انفعالات عكسيّة.. ذات يوم و حين كنت ذاهبا بالطلبيّة سمعت في الإذاعة المحلية خبرا مزعجا: لقد أمسكت الشرطة سلاحا متطورا على الحدود.. قلت للسائق هل فيك شيء من العزّة؟ تعجّب وواصل الطريق.. قلت: هل تعلم أنك أنت من يساعد على أن يقتل الناس في بلادي بهذا الشاي الذي تساعدني على حمله؟.. تعجب و لكنه أوقف السيّارة.. على الضفة الأخرى توقّف سائق زميلتي.. نزلتُ و نزلتْ نزل سائقها و سائقي تمتمنا معا و تصافحنا و تعاهدنا و واصل كلّ طريقه.. من الغد كنت في البيت حين قرأت في جريدة من جرائد الصباح: شركة لخدمات الأكل و الشرب توزع طعاما و شرابا مشبوها قد يكون وراء حالات التسمّم في المنطقة الحمراء.. وسوس لي شيطاني الذي في جيبي:
ليس في العقد بند يقول إنّ النادل يتحمّل مسؤليّة تسمّم الطعام و الشراب؟ و قال مَلَكٌ على يميني: ليس فيه بند يقول: ليس للمواطن الحق في حفظ وطنه من التسمّم.. كاتب من تونس