‘إخوان الأردن’ وتداعيات الخيار المصري

حجم الخط
0

حازم مقداديتبدو الحكومة الأردنية ودوائر القرار في النظام الأردني مرتبكة حيال ما أفرزته التجربة الديمقراطية في مصر، خصوصا بعد أن أدلى الشعب المصري بكلمته وإتجه نحو ‘تجريب غير المُجَرَّب’، في محاولة من ذلك الشعب للإنحياز لثورته وإنقاذها من المساعي الرامية لإعادة إنتاج النظام البائد. تلك المحاولات التي قادتها أذرع داخلية ودعمتها دول وجهات خارجية في سبيل إحباط المَدِّ الثوري والإصلاحي الذي تمخضت عنه الثورات العربية عموما والثورة المصرية بشكل خاص لما لها من وضع إستثنائي في العمق العربي. فأثبت الشعب المصري مجددا مقدرته وكفاءته في صون منجزاته وتعزيز مكتسباته برغم المتربصين والمشككين من القوى الظلامية والرجعية في عالمنا العربي، تلك التي راهنت على عوامل الإحتقان وغياب الرُّشْدِ وإنعدام التوازن التي أعقبت الثورة المصرية المباركة، حالها كحال ثورات الشعوب المقهورة فوق هذا الكوكب، فَمَنَّت تلك القوى النفس بإندلاع الفوضى وإنحراف الثورة والثوار عن الطريق الحقيقي والمصلحة العليا لمصر والمصريين.

واليوم وبعد أن إعتلى قادة الإسلام السياسي وللمرة الأولى في مصر سدة السلطة بعد معركة مصيرية بكل المقاييس، إندفع فيها كل طيف بِعُدده وعتاده لتحقيق رؤاه ومبتغاه، لا يجد الجميع غير التسليم والإنصياع لإرادة الشعب المصري التي حكمتها النزاهة وحماها اليقين. إذ لم يعد خافيا على كل ذي بصيرة حجم الدعم الذي تلقته كل الأطياف السياسية في مصر إبان سباق الرئاسة، ذاك الدعم الذي جاء متناسبا مع حجم مصر الحقيقي لتحقيق مصالح خارجية أكثر من تلك الداخلية التي تهم مصر والمصريـــين، فالشعب المصري الذي مارس حقه الديمقراطي لأول مرة في تاريخه، كانت تحكم إرادته عوامل داخلية مرتبطة بالبؤس والشقاء الذي عاناه وكابَدَه إبان القرن المنقضي، برغم وعيه وإدراكه لمسؤولياته ومحورية قراره فيما يتعلق بدور مصر الحيوي في الشأن الإقليمي والخارجي. غير أن قراءة متأنية في بعض التفاصيل التي شابت سباق الرئاسة ذاك، تكشف أن عهدا جديدا قد بدأ، وأن مصر باتت اليوم أكثر تنوعا وتعددا منها في أي وقت مضى. فجماعة الإخوان المسلمين أثارت الدهشة لدى كل المراقبين لِمَا أبْدَته من حرفية وقدرة في إدارة ملف الإنتخابات والوصول إلى كل الجيوب بشكل علمي وممنهج بعيدا عما هو معهود عنها من مظاهر ‘الزهد’ و’الدروشة’، بل وعبر تمكنها من إعلان النتيجة في وقت قياسي وبدقة عالية. فتلك الجماعة عانت إبان عهد الرئيس المنخلع من الحملات التي أظهرتها على أنها من شُذَّاذِ الآفاق، لا تحكمها رؤية ولا تقودها بصيرة، بل ولا هَمَّ لها سوى الإستحواذ على مصر وشعبها لإغراقها في الظلام والخرافات. فكان الإنطباع الإعلامي أن هذه الجماعة فشلت في أن تكون تنظيما علميا قادرا على القيادة والقرار. غير أن ما جرى في عهد الرئيس الساقط لم يكن خارجا عما ألِفتهُ مصر إبَّانَ عقود خلت، إذ لطالما أثارت الجماعة منذ تأسيسها قلق ومخاوف السلطة الحاكمة في مصر، فعانت بدءا من حكومة النّحّاس باشا في أخريات حقبة الخديوي، مرورا بالحقبة الناصرية، وحتى وقت قريب من الإختزال والتهميش حالها في ذلك كحال بقية التيارات السياسية في مصر وفي مقدمتها اليسار المصري وعلى رأسه الحزب الشيوعي الذين لم تَقِلَّ معاناتهم أبدا عن معاناة غيرهم من الطيف الوطني التقدمي. بَيْدَ أن جماعة الإخوان كانت أكثر قدرة على الإستمرار والتماسك لعوامل موضوعية عديدة، فطبيعة التكوين الإجتماعي المصري مرتبطة إلى حد بعيد بالمفهوم الديني الذي تراجع تأثيره في فترة ما، ذلك المفهوم نفسه الذي تبنته جماعة الإخوان، مما جعل منها خيارا مهما ورابحا لنظام السادات، الذي كان يبحث عن حليف يُكْسِبُهُ المزيد من العمق الشعبي في مواجهة تيار اليسار القوي والمعارض لنظامه آنذاك. أضف إلى ذلك أن حلفاء الجماعة في الخارج كانوا على الدوام متواجدين وداعمين لتحالفات من هذا النوع، نتيجة لظروف كثيرة مرتبطة بالمدّ الشيوعي في المنطقة، والمشروع الأمريكي المتمثل في إستدراج السوفييت نحو المستنقع الأفغاني بدعم وتحالف معروف مع الإسلام السياسي والمال الخليجي. غير أن ذاك التحالف لم يتعدّ ‘أيام العروس’، فتنظيم جماعة الإخوان القائم على مفاهيم دينية تتعارض مع الإستمرار في تحالفات يكون فيها التنظيم هو الحلقة الأضعف وتجعل من أفكاره الوسيلة لا الغاية، لم يجد بُدَّاً من الإصطدام مع نظام السادات لحظة توفر العوامل العملية التي تمكنه من المُجاهرة بذلك، وفي مقدمتها إندفاع النظام المصري آنذاك في نفق كامب ديفيد الذي لم تخرج منه مصر حتى يومنا هذا، ولم يؤت أيما شيء سوى المزيد من التبعية والتراجع. فإنهار ذاك التحالف وبقيت ظلاله مخيمة على طبيعة العلاقة بين جماعة الإخوان والنظام المصري حتى قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير.

إن التحالف بين نظام الحكم وجماعة الإخوان المسلمين المتمركزة في مصر والممتدة في أنحاء الوطن العربي، لم يكن هو الوحيد من نوعه بين الجماعة ونظام عربي، إذ تشكلت تحالفات من هذا النوع في غير بلد عربي. فجماعة الإخوان التي كانت محاصرة في معظم الدول العربية، شهدت حرية وإسترخاء بل وإنخرطت في تفاهمات مع النظام الأردني منذ تأسيسها، حيث إستطاع النظام الأردني على الدوام أن يفتح قنوات تواصل عميقة مع قيادات الجماعة في مختلف المراحل التي مرت بها البلاد. إذ كانت الجماعة وذراعها السياسي في الأردن المتمثل بـ ‘حزب جبهة العمل الإسلامي’، كانت تتمتع بحرية في التعبير والتمثيل والتمويل بشكل لم يحظَ به أي تنظيم في الأردن خصوصا إبان فترة الأحكام العرفية في البلاد، ولم تكن الجماعة في تلك المرحلة تمثل أيُّما قلق من أي نوع بالنسبة لدوائر النظام الأمنية. أضف إلى ذلك إقدام النظام الأردني في نفس المرحلة تلك على إيواء قيادات جماعة الإخوان في سوريا بعد أن إستهدفهم النظام السوري فيما عُرِفَ لاحقا بـ ‘أحداث حماة’. إن الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن هو حديث ذو شجون، إذ يمكن تقييم أداء الجماعة هناك من خلال تقسيم أدائها إلى مرحلتين كانت الجماعة فيهما تحت قيادتين مختلفتين. ففي مرحلة الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات من القرن الماضي كان المتتبع لأداء الجماعة يدرك جيدا أن التحالف بينها وبين نظام الحكم في الأردن هو تحالف متين منح النظام في غير مرّة الصبغة الشرعية والتعددية، مما صبّ في كثير من الأحيان في مصلحة النظام وساعده على تجاوز تحديات جِسَام وفي طليعتها المؤتمر الوطني العام الذي تداعت لإنجاحه مختلف القوى الوطنية، قبل أن يستطيع النظام أن يشق صفوف تلك القوى عبر إستمالة قيادات جماعة الإخوان لصياغة ما سُمّيَ بالميثاق الوطني، في محاولة للإلتفاف على جهود القوى الوطنية التي واجهت النظام وتآلفت في جبهة موحدة مَثلَت معظم الأطياف، مما شكل صدمة لدى عموم الشعب الأردني الذي كان يرى في الجماعة معارضة حقيقية وعميقة. ثم ما لبث النظام أن تراجع في ديمقراطيته خطوات نحو الوراء بعد أن إبتدع نظاما إنتخابيا قائما على أساس الصوت الواحد، والذي ما زال الأردن يعاني من تبعاته حتى يومنا هذا، تمهيدا لإفراز مجلس نيابي ذي مقاس معروف مسبقا بغية توطئة الطريق بإتجاه إقرار و’شرعنة’ إنخراط الأردن في تِيْهِ معاهدة وادي عربة، وإختزال السلطات فيما بعد، بل وإختصار الوطن برمته بدائرة واحدة. فكان قرار جماعة الإخوان المسلمين والمتمثل بالمشاركة بالإنتخابات قرارا صادما لما كان له من تبعات حققت للنظام رغبته في عبور أزماته وخصوصا تلك المتعلقة بمعاهدة السلام مع الكيان الصهيوني والتي تتعارض تماما مع مصلحة الوطن والشعب. ثم جاء قرار الجماعة في مقاطعة الإنتخابات التالية في سياق محاولتها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومسعاها لإستعادة ولو جزء من ثقة الشارع الأردني بها، بعد أن أخفقت في قراءة نوايا النظام والتعامل معها في موقعتين محوريتين في تاريخ الأردن الحديث. واليوم وبعد أن تولى أمر الجماعة فريق جديد يحمل مفاهيم مختلفة عن سابقه، تبدو المعادلة وقد إختلفت إلى حد كبير، فقيادة الجماعة اليوم تبدو وكأنها تعلمت دروس الماضي بشكل عميق متداركة الأخطاء التي وقعت بها القيادة السابقة والتي نتجت عن مهادنة النظام وإفتراض حُسْنِ نواياه.

إن نتائج الإنتخابات المصرية والتي أسفرت عن تَبَوُّءِ الإخوان المسلمين سُدَّة الحكم في سياق الثورات العربية الكبرى، أعادت خلط الأوراق بالنسبة لرؤية النظام الأردني حيال خارطة الإصلاح المزعوم. ففي الوقت الذي تجاهل فيه النظام حتى هذه اللحظة مطالب الشعب والمعارضة على حدٍ سواء، في إطار تغليبه لمصلحته ومصلحة قواه على حساب مصلحة الوطن ومصيره، لابد للمعارضة الأردنية بكل أطيافها أن تمارس دورها الوطني وأن تستمر في مقاطعة هذا الإصلاح الذي ‘وُلِدَ مُشَوَّهَاً’ بعد أن رَسَّخَ الإقصاء المتعمد الذي إنتهجه النظام دائما ضد الشعب الأردني بصفته المرجعية العليا لمصير الوطن ومستقبل أبنائه، وأن تتمسك المعارضة أيضا بموقفها الرافض للتفريط بحقوق الأردنيين المشروعة. بل ويضعها كذلك أمام مسؤوليتها التاريخية في مقاومة ما يمارسه النظام من مراوغات وسياساةٍ مُقَنَّعَةٍ بالإصلاح، إدراكا من قبل قيادات المعارضة الأردنية لآمال وطموحات الأردنيين، وإستيعابا عميقا لدروس وعِبَرِ الماضي التي أثبتت دائما أن الإنحياز للشعب هو الخيار الأمثل، لا مهادنة الأنظة أو التعويل عليها. ‘ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية