أحمد عبد الرازق أصابني الهلع وأنا أستمع لأصدقاء متمردين لي يعملون في مبنى التلفزيون الحكومي المصري كان هؤلاء يتحدثون بغضب وانفعال وهم يروون لي حديث مسؤولين لهم بدأوا ينقلون تنبيهات للعاملين في المبنى الذي ظل سنوات طويلة يسبح بحمد نظام مبارك كي يغيروا من طريقتهم التي عملوا بها لسنوات طويلة وألا يتعرضوا بأي نقد للإسلاميين أو لأي من رموز التيار الإسلامي في مصر.. لم تكن نتيجة انتخابات الرئاسة قد أعلنت رسميا بعد ساعتها وكان الجدل دائرا حول من الفائز شفيق أم مرسي؟ لكن هؤلاء وبطببيعتهم ككائنات ليس لها رأي ولا رؤية ولا مبدأ بدأوا يتحسسون اتجاه القادم وبدأوا يبدلون من انتماءاتهم في صورة مشينة كالحرباء وهم يطبقون حرفيا المثل المصري المعروف ‘اللي يتجوز أمي أقوله ياعمي؟’ كل هذا التحول المفاجئ يجري في وكر إعتاد اعلاميوه وقياداته على النيل من الإخوان المسلمين ليلا نهارا وأتذكر أن واحدا من إعلاميي نظام مبارك وإن لم يكن من أبناء تليفزيون صفوت الشريف كان يقدم برنامجا على هذا التليفزيون التعيس يحمل اسما يفترض منه أنه نافذة للحوار تتلاقى فيه كل الآراء لكن الرجل اعتاد دوما على أن يعقد جلسات حواره ليشهر بالإخوان المسلمين ويصل في تناوله لهم إلى حد التجريح من خلال مجموعة من إعلاميي النظام المدحور الآخرين الذين كانوا يجثمون على صدر مؤسسات مصر الصحفية والإعلامية واصفا الجماعة دوما عند الحديث عنها بال ‘جماعة المحظورة’ دون أن يدعو أيا من قيادات الجماعة للمشاركة في الحوار كما تفعل الوسائل الإعلامية المحترمة كي تحدث نوعا من التوازن في الطرح وأتذكر أن واحدا من قيادات الإخوان قال لي يوما إنه اتصل بمقدم البرنامج المعروف وطرح عليه أن يحضر ضمن الحاضرين ليرد على افتراءات المشاركين بالبرنامج والذين كانوا في مجملهم من أصدقاء مقدم البرنامج ومن صنائع أجهزة نظام مبارك.. فكرت كثيرا وأنا أستمع لأصدقائي المصدومين مثلي للسرعة التي قلبت فيها قيادات التليفزيون الرسمي المصري لليافطة لترفع اسم الإسلاميين بدلا من مبارك الذي ظلت تسبح بحمده سنوات وسنوات وتساءلت هل تستحق مصر الجديدة هذا النوع من الإعلاميين؟ هؤلاء الذين خانوا آمال الشعب المصري لعقود طويلة وهؤلاء الذين سعوا جاهدين لوأد ثورة مصر والذين كانوا يوجهون نداءات التخويف للناس كي ينسحبوا من ميادين مصر في عز الثورة والذين كانوا يعرضون صورا لكورنيش النيل في القاهرة وكأن مصر واحة هادئة بينما كانت القنوات التليفزيونية المحترمة تعرض صورا لميادين مصر التي كانت تهدر بهتافات الثائرين.. هل تستحق مصر هؤلاء الإعلاميين؟ وإلى متى سيظل هؤلاء يتلونون؟ وكيف يسمح لهم بالاستمرار في ترويج الأكاذيب التي لاتستند عند البحث وراءها إلى أي دليل.
الحقيقة التي تبدو فاجعة هي أن جانبا كبيرا من إعلاميي مصر في المرحلة الراهنة باتوا يمثلون فضيحتها الكبرى فالمتابع لإعلاميين عبر أجهزة إعلام توصف بأنها مستقلة يمكنه ببساط أن يدرك كم صار تناول هؤلاء للأحداث مقرفا.. لاأحد يعرف لصالح من يقوم هؤلاء بالدس والخديعة أخبار مغلوطة وتناول يظهر مدى إنحياز هؤلاء للنظام البائد أما المقرف بصورة أكبر فهو بدء البعض من هؤلاء بالفعل في لعبة تغيير الولاءات وتغيير اليافطات بصورة تبدو غير محترمة.. والحقيقة الأخرى والتي لايدركها أصحاب معظم قنوات الإعلام المرئي التي استحدثت بعد الثورة لأسباب خبيثة وأجندات تمثل فلول النظام البائد هي أن الوجوه القميئة التي تطل عبر قنواته تثير قرف المشاهدين ولو أحسنوا لأغلقوها وحولوا ماينفقونه عليها من أموال لصالح ماينفع شعب مصر ليثبتوا أنهم وطنيون حقيقيون فتلك الوجوه التي تطالع المصريين عبر شاشات تلك القنوات هي نفسها التي كانت تسبح بحمد النظام السابق ومعظمها من صناعة أجهزة أمن مبارك وعلى القائمين على تلك القنوات أن يعرفوا أن الثورة فجرت الوعي الكامن في أبناء الشعب المصري وأن كل الشارع المصري لم يعد قادرا على مطالعة الصور القميئة لهؤلاء وربما كان الإستثناء الواضح والذي يستحق التقدير ضمن القنوات التي يطالعها المصريون بعد الثورة هي تلك التي ظهرت بتجربة جديدة وبوجوه جديدة إنها قناة ‘مصر 25 ‘ وبموضوعية شديدة وبعيدا عن أي انتماءات أيديولوجية لهذه القناة فإن تكوينها واسلوبها والوجوه التي تطل عبرها هي التي تحمل السر في نجاحها وإقبال الناس عليها. وجوه شابة جديدة تحمل رسالة مختلفة تقطع مع إعلام النظام البائد وتتواءم مع العهد الجديد الذي تعيشه مصر.. ومصر في حاجة إلى المزيد من هذه الوسائل الإعلامية التي تعطي الناس الأمل في غد جديد وتقطع مع مرحلة إعلامية سوداء بكل رموزها الفاسدة.. وللموضوعية أيضا فإن بعضا من إعلاميي مصر الشرفاء ما زالوا يمسكون على مبادئهم ويضربون مثالا في عدم التلون وربما كان الكاتب المحترم الدكتور عبد الحليم قنديل نموذجا يحتذى في زمن التلون الإعلامي المصري بثباته على مبدأه وبمواقفه الوطنية الحقيقية التي تشهد له عبر كل المراحل. لا أريد أن أكون في موقف الواعظ لزملاء لي في المهنة لكن المتابع بموضوعية لمواقف الإعلاميين في المشهد المصري الراهن لايمكنه إلا ان يعبر عن خلل ظاهر لا يخفى على أحد وعن ممارسات مشينة تحولت إلى أمر عادي يمارسها أصحابها دون أن يرمش لهم جفن.. لكنني أعتقد أن المؤسسات الحاكمة الجديدة في مصرتتميز بوعي واضح خاصة في مجال متابعتها للمشهد الإعلامي وهي ورغم دعواتها للمصالحة في مرحلة هامة وحاسمة في تاريخ مصر فهي تدرك تماما الدور الذي لعبته شخصيات إعلامية بارزة ومتلونة في الإضرار بمصالح مصر والمصريين عبر سنوات طويلة كما هم يعرفون تماما هؤلاء الذين يحاولون تغيير جلودهم بصورة ملفتة ومقززة ليكونوا أيضا من رجال المرحلة الجديدة بما يتماشى مع طبيعتهم كرجال كل المراحل وبرأيي أن هؤلاء وقبل ان يقوموا بحركاتهم الالتفافية فإنهم يتعين عليهم أن ينظروا بعين الإحترام قليلا لأبناء الشعب المصري أولا وقبل أي شيء.. أبناء الشعب المصري الذين غيرتهم الثورة كثيرا وفجرت لديهم طاقات كبيرة من الوعي وليس من المنطقي أن يستمر أبناء هذا الشعب في الاستماع لهؤلاء الذين كانوا من الأوفياء لنظام مبارك فلما تأكدوا من نجاح الثورة غيروا يافطاتهم وهؤلاء الذين مازالوا يروجون الأكاذيب لطعن الثورة والثوار حتى الآن.. أتصور أن الشعب المصري مقدم على مرحلة جديدة يفترض أنها نظيفة بعد سنوات من الفساد وأعتقد أنه يستحق إعلاما جديدا وإعلاميين جدد يحترمون عقله وينحازون لمصر وليس لسادتهم الذين يدفعون لهم أكثر.’ اعلامي مصري