رياض سيف: الربيع الفلسطيني سبق الربيع العربي

حجم الخط
0

كاتب مسلسل ‘الاجتياح’ الحائز على جائزة ‘الايمي’ الدوليةسطر رياض سيف ملامح درامية ستبقى راسخة في أذهان المشاهد العربي.. فهو مهندس ‘الاجتياح ‘ العمل العربي الوحيد الحائز على جائزة ‘الايمي ‘ الدولية، والمنبوذ عربيا لا يجد حرجا في البوح بما يعتمل في صدره لنا عن فلسطين والأردن اللذين يعتبرهما جناح طير على ضفتي نهر واحد.. في هذا اللقاء تحدث الكاتب الكبير رياض سيف عن تكريمه بوطنه الأم ‘فلسطين ‘ ومدنا بمعطيات دقيقة حول تاريخ الدراما الفلسطينية. طبعا لمن يهمهم الأمر وخصوصا من الأجيال الجديدة التي لم تتعرف على الوجه الأخر لأبناء هذا الشعب الجبار.. وكذا عن العديد من الأسرار التي تطبخ في الكواليس وتعرقل اعطاء القضية الفلسطينية على الشاشات العربية الحيز الذي تستحقه.

كيف تنظر إلى واقع الدراما الفلسطينية وهل هناك دراما فلسطينية بالأساس؟

الدراما في فلسطين بدأت مبكرة مع ظهور إذاعة القدس عام 1936 وذلك ببث التمثيليات الدرامية على الهواء مباشرة ومن أبرزها تمثيلية ‘أبناء الجوزي’ وغيرها وكانت الدراما ذات هدف وطني واضح من خلال نشر ثقافة التعبئة الوطنية لمناهضة المخطط البريطاني في طمس الحقوق الفلسطينية، وكان من ابرز الرواد في الدراما الإذاعية الكاتب الإذاعي ‘عابدين بسيسو ‘ ولواقع التشرد والشتات بقيت الدراما الفلسطينية مشتتة أو محتلة كما الأرض.. كيف جاءت المحاولات الأولى لإرساء ملامح دراما فلسطينية قائمة بذاتها؟

بقيت الدراما الفلسطينية على هذا الحال حتى دخول السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 حيث حاول التلفزيون الفلسطيني في بداياته صناعة دراما فلسطينية وطنية وذلك من خلال المسلسل الفلسطيني( ليالي الصيادين ) للمخرج الدكتور صلاح القدومى، والمسلسل الكوميدي ( يوميات أبو العز) للمخرج طارق عليان.. ومسلسل ‘ سواليف ‘ للمخرج سعود مهنا ومسلسل غدا تشرق الشمس للمخرج مصطفى النبيه بالإضافة إلى مسلسل ‘الكنعاني ‘ من انتاج خالد سيد ناجي نادى الفيلم الفلسطيني وإخراج محمد دراج من تأليف المرحوم بشير الهواري.

وأيضا لنفس الكاتب مسلسل ‘ الإخوة الغرباء ‘ إخراج المرحوم حسيب يوسف وبطولة ربيع شهاب ومحمود أبو غريب.. هذا في ‘ غزة’ أما في ‘ الضفة ‘ فكانت هناك محاولات متعددة نذكر منها مسلسل (القلوب المهاجرة) وهو من إنتاج قاسم عبد الهادي وإخراج ( هادي فريحات) …. وبجهود ذاتية محدودة قدمت شركة ‘نهوند ‘ بنابلس عدة أعمال تتصف بالكوميديا الاجتماعية منها ‘برد الصيف’ و ‘لهون حلو’ .. وبإنتاج كبير وسخي في التمويل حققت وكالة معا عدةأعمال أهمها ‘ شوفيه ما فيه ‘ إخراج رفعت عادي /و ‘الفريق ‘ إخراج نبيل الشوملي.. وغيرها.. وحقق المركز الفرنسي الألماني مسلسل ‘المطب’ من إخراج جورج خليفة.. أضافه إلى محاولات أخرى لكنها جميعا بقيت في محيطهالكونها تفتقد عنصر الحرفية والمنافسة.. ولا ننسى أخيرا مسلسل ‘وطن على وتر’ الذي لا يتعدى محاولة كباقي المحاولات الأخرى.. ويعزى هذا التراجع في الدراما إلى أسباب كثيرة منها:1- عدم اهتمام المؤسسة الإعلامية في السلطة الفلسطينية بالدراما وأهميتها لتدعيم القيم المجتمعية.. وطرح القضية الفلسطينية كمنفذ إعلامي خطير…2- التكلفة المادية للعمل الدرامي والذي قد تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات في ظل غياب المستثمر الفلسطيني..3- فقر الكفاءات الفنية والكوادر الدرامية لعدم ممارستها العمل الدرامي المحترف. وتقوقعها في إطار التجريب دون تطوير أدواتها.

وعليه فان الحديث عن الدراما الفلسطينية حديث قصير جدا ومختصر بعدد الأعمال الدرامية التجريبية التي تراوح مكانها وبنمط متكرر لا يرقى إلى قبول المحطات الفضائية و الأرضية ذات الموصفات الفنية المتعارف عليها، وهي تجربة جديدة ومنغلقة وأحيانا موجهة بتمويل أجنبي ومقاسات معينة على الكاتب التقي دبها وهنا الطامة الكبرى في تاطير الإبداع ضمن شروط مسبقة ومواضيع مؤطرة تقتل الإبداع ولا تحاكي هموم الوطن وأماله كما نتمنى، أما كونها تجربة جديدة فمرد ذلك إلى الاحتلال الذي عطل هذا الجانب الفني، مما تم تعويضه بإطلاق العنان للمسرح والسينما فكانت التجربة الفلسطينية في هذين المضمارين تجربة رائدة حققت الكثير من الانجازات التي نفخر بها، أما كونها تجربة منغلقة فلأنها بدأت من الصفر غير أخذة بالحسبان تطور الدراما التلفزيونية في الوطن العربي حيث تذكرني البدايات هنا بمرحلة التجريب بالسبعينات بالنسبة للأردن التي تم تجاوزها منذ عهود. وذلك لعدم الاحتكاك الحقيقي بين التجربة الدرامية الفلسطينية والتجربة الدرامية العربية للاستفادة من التطور من حيت طبيعة النص وطريقة الإنتاج وتطور الرؤيا الإخراجية.

لك باع طويل في الكتابة الدرامية واسمك لامع في هذا المجال برأيك هل المبدع الفلسطيني محاصر هو الأخر وما السبب في نظرك؟

الحصار سمة فرضت على الفلسطيني لكنه يحاول بكل السبل أن يفلت منه بطرق شتى ومتعددة.. ولعل الموضوع الفلسطيني هو الذي يرضخ لحصار اكبر لكون الموضوع في أجندات المنتجين والمحطات الفضائية والوسائل الإعلامية من الخطوط الحمراء وان كنا استطعنا أن نكسر هذه الخطوط بأعمال تفرض نفسها منحيث الجودة والتميز لكنها أعمال قليله لا تتناسب مع المطلوب.. مع العلم أن التجربة الفلسطينية هي تجربه درامية لم ولن تشهد لها الشاشات العربية مثيلا بل إذا ما سمح لها أن تأخذ مكانتها ستكون انقلابا حقيقيا في عالم الدراما من حيث الأهمية والموضوع.. أن غياب الإنتاج فى الموضوع الفلسطيني نتيجة الخوف من إحجام المحطات العربية عن شراء هذه الأعمال هي التي توقف حركة الإبداع وإعادة تجربة الاجتياح والتغريبه الفلسطينية وغيرها من الأعمال التي وصفت بأنها تاج الدراما العربية.- ألا ينتابك الإحساس بالقلق وآنت ترى البعض يختزل اسمك ومشوارك في عمل واحد من طينة الاجتياح ولماذا لا نشاهد أعمالا اخرى لك بذات المستوى؟- لكل إنسان اسمه وكنيته ولعل كنية الاجتياح التصقت بي لما لهذا المسلسل من صدى اثر في المشاهدين أكثر من غيره مع أن كثير من أعمالي شوهدت بكثافة أكثر من ‘الاجتياح ‘ واذكر منها ‘ التراب المر ‘ و ‘عرس الصقر ‘ .. ويبدوأن ما يبقى في الذاكرة العربية هو الحدث الأخير وهذه سمة طبيعية لا تقلقني كثيرا.- هل الكاتب رياض سيف محارب في الأردن خصوصا بعد ما تعرضت له بعد عرض مسلسلك ‘الطريق إلى باب ألواد ‘ وماذا تعني لك المملكة الأردنية؟- أنا مواطن أردني من اصل فلسطيني اعتز بفلسطينيتي وافخر بأردنيتي فالأردن وفلسطين جناحا طير على ضفتي نهر واحد. وعلى سيرة المملكة الأردنية الهاشمية فأنا حين ولدت في طولكرم شمال فلسطين كانت هذه المدينة إحدى مدن المملكة الأردنية الهاشمية كما هي السلط واربد والكرك.. وذلك قبل فك الارتباط السياسي وليس فك الارتباطالاجتماعي والاقتصادي والحياتي والانتمائي.. وكما أشرت فالأردن وفلسطين قدرهما آن يكونا جناحا طير جسمهما نهر الأردن.. ولعل جل حياتي قضيتها في الجانب الشرقي من النهر.. ولم اقطن الجانب الغربي إلا فترة وجيزة لا تعد… ولذا فانتمائي قوي لهذه اللحمة وان أغضبت البعض.- كرمت قبل فترة في فلسطين ماذا يعني لك التكريم في بلدك وهل أنت راض عن ما قدمته للقضية الفلسطينية لحد الآن؟- آن يأتي التكريم من منبعه فهو الأصل والأكثر تأثيرا في القلب والروح.. وما قدمته لقضيتي في ظل وضع محاصر هو اقل بكثير مما اطمح له.. وهذا لا يعنى آن درجي يخلو من أعمال درامية فلسطينية قد تفوق من حيث الحدث الإنساني الاجتياح فلدي عدة أعمال جاهزة ونعمل جاهدين من اجل آن تخرج للنور.. وككاتب همه قضيته يشغله الكتابة ويشغله أمر أكثر عسرا قد لا يشغل كاتبا أخر ألا وهو الصراع من اجل آن تخرج هذه الأعمال للناس.. وهنا الجهاد الأكبر..- يتحجج الكثير من الكتاب العرب عندما يسألون عن سبب تقصيرهم في حق فلسطين بغياب الرأسمال العربي الذي يتسم بحس المغامرة لخوض تجربة الإنتاج نظرا لتردد الفضائيات العربية في الإقبال على شراء هكذا أعمال هل هممحقون في هذا الكلام وهل هذا مبرر كاف للتغاضي عن طرح القضية الفلسطينية في أعمال فنية؟

آنا اتفق حول جبن رأس المال من التعرض للقضايا العربية الساخنة وعلى رأسها الحدث الفلسطيني واقصد هنا رأس المال المتواضع.. لكن إذا ما ارتأى بعض المنتجين المؤثرين إنتاج عمل فلسطيني بنجوم معروفين فأن هذه الحجة ستسقط لان الانتاج الكبير يفرض نفسه والدليل عدة مسلسلات مثل عابد كرمان وما شابه من أعمال تتعرض للصراع العربي الإسرائيلي.. ولعل أجندة الكبار من المنتجين والمحطات هي التي فرضت شروط اللعبة لتنحاز إلى الجانب الأخر من تهميش القضايا العربية واستبعادها من الشاشة العربية.. شكل مسلسل ‘التغريبة الفلسطينية ‘ سابقة من حيث التسويق على جل الفضائيات العربية عكس مسلسلك ‘الاجتياح ‘ الغير مرغوب فيه عربيا لكنه استطاع الوصول إلى العالمية بفوزه بجائزة الايمي كأول عمل عربي يصل إلى هذا المستوى.

هل يمكن لقول إذن أن للنجاح مقاييس أخرى غير تلك المتعارف عليها عربيا؟

ليس مستغربا آن لا يشار للاجتياح في أي مهرجان عربي لكن الغريب آن يشاد به في المحافل الدولية ويحوز على جائزة ايمي وان دل هذا فإنما يدل على هشاشة المهرجانات العربية التي تحرص آن ترضي الجميع بحبة ملبس.. ولعل هذا المسلسل كشف عري من لهم باع فى هذا المجال.. فعلا أحجمت المحطات عن الاجتياح لكنها وجدت نفسها أمام موقف مخز من عدم القبول به بعد فوزه بالايمى حيث سارعت إلى اقتنائه وبث في عدة محطات.. والاهم آن الاجتياح هو العمل الأول في تاريخ الدراما العربية الذي ينال جائزة عالمية وهو الأول الذي يدبلج على القناة السادسة التركية.. وكذا الأمر بالنسبة لمسلسل بوابة القدس الذي أحجمت عنه في العام الماضي المحطات العربية لكنها هذا العام تهافتت عليه بطريقه غريبة لعرضه برمضان بعد فوزه بالذهبية في مهرجان البحرين.. سبق وان انتقدت الدراما الأردنية في إحدى مقالاتك، لماذا تراوح هذه الأخيرة مكانها مؤخرا وما هي السبل الكفيلة بانتشالها من وضعيتها الحالية وبالتالي تحقيق الطفرة المنتظرة أسوة بالآخرين؟

ربما كان نقدي للدراما الفلسطينية هو المقصود هنا للأسباب التي ذكرتها في بداية الحديث.. أما بالنسبة للدراما الأردنية فأنها أيضا تعيش مخاضا صعبا أعادها إلى الصفر.. ولعل اعتصام الفنانين دليل على الحال السيئالذي وصلت له الدراما الأردنية.. آن انتشال الدراما الأردنية من محنتها مرهون بعدة عوامل وهي آن يعود المنتج الأردني إلى دوره في الإنتاج وان تقوم الدولة بدورها تجاه دعم الدراما والاهم آن يتبنى الفنانون الأردنيونمشاريع ذات قيمة عاليه يقنعون بها المنتج الأردني والعربي.. واعتقد لو لدى نقابة الفنانين الأردنيين مشاريع لمسلسلات ذات قيمه وتأثير فأنها تستطيع آن تنتزع دورها في الدراما العربية ولن تصل الى حال هو اقرب إلى الاستجداء تحت عنوان أنقذوا الدراما الأردنية( والحقيقة لا يحك جلدك غير ظفرك ) والظفر هو الوزن الذي تستطيع آن تقنع المنتج الوطني والعربي بما لديها من مشاريع.- هل هناك أمل في رؤية وحدة عربية فنية مستقبلا وهل هناك بوادر تصب في هذا الاتجاه؟- الأعمال العربية المشتركة تأخذ الآن مداها على ساحة الإنتاج فنرى الممثل الأردني والفلسطيني والمصري والسوري واللبناني والمغربي والعراقي والخليجي في عمل مشترك.. ودائما في أي زمن لم تخلو المسلسلات من عناصر مشتركة حتى في الثمانينات أيام الشركة الأردنية للإنتاج واستوديوهات اليونان.. فالفن هو روح الأمة وهو الحاضن لاماني الشعوب وهو بالتالي يبحث من خلال مقولته لكسر حاجز الخنق السياسي المكبل بقيود الوطنية والإقليمية والعصبية.. فالهم واحد والغرض واحد.. وان كنت أتمنى آن تكون الأعمال المشتركة ذات التصاقا بالقضايا الجوهرية الساخنة للتعبير الحقيقي عن قضايا الأمة العربية المصيرية.- ما هو جديدك من حيث الكتابة هذه الأيام وهل سنشاهد أعمالا تحمل بصمتك في رمضان المقبل؟- المشاريع لا تنتهي واعمل الآن على مشروع كبير عن شخصية مهمة في تاريخ النضال الفلسطيني.. كما آن لدي الكثير من الأعمال الجاهزة لكن طبيعة موضوعاتها لا تشجع المستثمرين لما ذكرناه أنفا.. ولعل رمضان عام 2012 سيشهد إعادة مسلسل بوابة القدس في عدة محطات عربية.- لكل منا طموحاته وأحلامه ما هي الأحلام التي لا تزال تراودك وهل تحس بأنك حققت جزءا منها؟- الأمنية الوحيدة آن استمر بالكتابة لما هو يعبر عن فى داخلي وأداء رسالتي نحو قضيتي حتى لو لم تجد طريقها للنور لان قناعتي تؤكد آن ما هو ألان فى عداد الممنوع أو غير المرغوب سيكون مقبولا.. وتجربتي تدل على ذلك…- لماذا بنظرك يتجه الكتاب لمخاطبة جمهور مختلف وطرح هموم بيئة تبدو مختلفة نوعا ما على غرار المشاركة في كتابة أعمال خليجية مثلا هل بهدف الربح المادي آم لتوسيع قاعدة جمهوره؟- لكل كاتب أسلوبه وهدفه.. فهناك من يلتزم بقضايا مؤمن بها ولا يحيد عنها مهما كانت المغريات.. وهناك من يبحث عن المقابل بغض النظر عن الموضوع.. وتوسيع قاعدة الجمهور لا يتأتى إلا باحترام الجمهور بمواضيع ملتزمة بعيدة عن التجارة والمتاجرة…- بيد من يوجد مستقبل الدراما الفلسطينية ومتى سنراها تنافس نظيرتها العربية وهل أنت متفائل بشأنها؟- نحاول ورغم الظروف الصعبة التي تعيشها فلسطين آن نثير الانتباه إلى أهمية الدراما الفلسطينية ولذا أقمنا مؤتمرا خاصا بالدراما في الفترة ما بين 15-16/4 برام الله دعونا إليه مؤسسات ذات اختصاص ومستثمرين فلسطينيين وعرب وحضره فنانين من الأردن وفلسطين ونحن نواصل المشوار لتحقيق هذه الغاية.- أنت ككاتب معروف ولك اراؤك متى سنرى ربيع فلسطين على غرار ما يجري حاليا في الميادين والشوارع العربية؟ – منذ آن فرض الانتداب البريطاني نفسه على فلسطين عام 1917 وحتى هذا اليوم يعيش الفلسطيني ربيعا وصيفا وخريفا وشتاء داميا لا ينقطع في أي لحظة.. ولعل طبيعة الصراع على ارض فلسطين تختلف عنها في الوطن العربي.. لأنصراعنا صراع وجود.. وصراع الآخرين صراع حرية وكرامة وعيش كريم… فالربيع الفلسطيني سبق الربيع العربي بما يقارب التسعين عاما وما زال مستمرا.

أجرى الحوار: عادل العوفي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية