ضمن فعاليات مهرجان المسرح المغربي في مكناس:
مكناس (المغرب) ـ ‘القدس العربي’ ـ من الطاهر الطويل: شكلت تجارب عدد من المسرحيين المغاربة محور ندوة احتضنها مهرجان المسرح المغربي في مدينة مكناس الأسبوع الماضي، بدعم من الهيئة العربية للمسرح وبمساهمة من جمعية نقاد المسرح بالمغرب.
وفي كلمة باسم الهيئة العربية للمسرح، أثنى الفنان الأردني غنّام غنام على تنوع وخصوبة المسرح المغربي، مبرزاً دور المسرحيين المغاربة في إثراء المشهد المسرحي العربي والعالمي. وأشار إلى أن هذه الندوة التي حملت عنوان ‘نقد التجربة ـ همزة وصل’ ستكون فاتحة لندوات أخرى في المغرب وفي بلدان عربية أخرى، في أفق الوصول إلى إنجاز موسوعة لصناع المسرح العربي. وذكر غنام غنام أن الهيئة تعمل في إطار شراكات ومن أنجحها شراكات مع المسرحيين المغاربة. كما قدّم شريطا قصيرا حول الهيئة العربية للمسرح، مؤكداً أن هذه الأخيرة ليست بديلا لوزارات الثقافة ولا لهيئات المجتمع المدني ولكنها شريك. واستعرض أهم أنشطة الهيئة من مهرجانات، وحفلات تكريم، وورش عمل، ودعم لعدد من الفرق المسرحية العربية، وتنظيم مسابقة للتأليف المسرحي، وإصدار مجموعة من الكتب المتعلقة بالمسرح، وإصدار مجلة مسرحية فصلية، وإقامة ندوات ملتقى مشروع استراتيجية التنمية المسرحية العربية، والاحتفاء باليوم العربي للمسرح في العاشر من كانون الثاني (يناير) من كل عام.
واعتبر الناقد سعيد الناجي، في كلمة باسم جمعية نقاد المسرح بالمغرب، الندوة لحظة احتفاء بالتفكير المسرحي في المغرب، وبتجارب وازنة صنعت الفعل المسرحي في المغرب، مستدركا بالقول إن هذه الندوة ليست شاملة لكل تجارب المسرح المغربي، ومن ثم ‘تنتظرنا ندوات أخرى حول أسماء أخرى، سواء كانت من الرواد أو الأجيال اللاحقة أو الجديدة’ على حد قوله. كما تحدث عن دينامية النقد المسرحي في المغرب الذي يدين للجامعة المغربية ولأستاذ الأجيال الدكتور حسن المنيعي.
من جانبه، أثنى عبد الحق أفندي مدير الفنون بوزارة الثقافة المغربية على مبادرة الهيئة العربية للمسرح، مشيراً إلى أن جمعية نقاد المسرح شريك مع وزارة الثقافة. وقال إن المسرح المغربي يستحق مبادرات من هذا القبيل، لمقاربة مختلف التجارب الفاعلة فيه.
تقنية غربية ومضمون محليتحت عنوان ‘وعود المسرح وأحلامه المجهضة’، قدم الدكتور عبد الواحد ابن ياسر مداخلة عن تجربة الفنان الطيب الصديقي، لافتا الانتباه إلى قلة الكتابات والتوثيق في هذا المجال، معلنا أن أول كتاب ضخم عن تجربة المسرحي المذكور صدر قبل أسبوعين، وهو لباحث الاجتماع الفرنسي جان فرانسوا كليمون. وعند تطرقه إلى بدايات علاقة الصديقي بالمسرح، أبرز أهمية احتكاكه بالمسرح في فرنسا، ودعوة جان فيلار له بضرورة نسيان كل شيء تعلمه في هذا البلد وتذكر شيء واحد: التقنية. كما تحدث عن تجارب الصديقي المتتالية مع عدد من الفرق منذ الخمسينيات: فرقة المسرح المغربي، فرقة مسرح المعمورة، فرقة المسرح العمالي.
وأثار أهم الإضافات التي اشتغل عليها الطيب الصديقي في مسرحه، من ذلك إنتاجه لمسرحيات خالصة من التراث العربي والثقافة الشعبية والأشكال الفرجوية القديمة، واشتغاله على فن ‘الحلقة’ وفن ‘لبساط’ لاحقا.’موليير المغرب’أما الباحث والمخرج المسرحي مسعود بوحسين فخصص مداخلته للحديث عن أحمد الطيب العلج الذي يلقب بـ’موليير المغرب’، معتبراً إياه ‘رجلا بصيغة الجمع فهو الممثل البارع والشاعر الشعبي الذي لربما يملك القسط الأوفر في كل ما راكمته الأغنية المغربية من تألق’، كما يعدّ المؤلفَ الدرامي الذي تشير كل القرائن المتوفرة الآن إلى أنه من أغزر الكتاب الدراميين المغاربة إنتاجا سواء بالمسرح الحي أو الإذاعي وسواء تعلق الأمر بأعماله التي قدمت على خشبة المسرح أو تلك التي بقيت مخطوطا في أرشيفه الخاص الذي يحفظه بعناية فائقة. وتناول المتحدث أهم ملامح الكتابة المسرحية عند العلج سواء على مستوى الحوار أو البنيات الكوميدية لمسرحياته وأغلبها حكايات جحا الشخصية التي يعترف شخصيا بأنها لا تكاد تخلو من أية مسرحية من مسرحياته. كما أبرز تأثر العلج بفن الحلقة حيث كان منذ صغره مداوما على متابعة العديد من الرواة الشعبيين المتجولين، وكذا تأثره بمرتع صباه ‘حي سويقة بن صافي’ بفاس باعتباره كان فضاء فرجويا تتحول فيه العديد من الدكاكين ومحلات التجارة ظهرا ومساء إلى فضاءات للسمر والحكي والغناء. ولفت الانتباه إلى تأثر العلج بالكاتب المسرحي الفرنسي الشهير موليير، وكذا إلى استلهامه ملامح الكتابة الملحمية وذلك من خلال توظيف الرواية والجوقة وتقديم اللوحات والتعليق على المشاهد وكذلك بالمزواجة بين التمثيل و الغناء والانفتاح على قاعة المتفرجين. واعتبر مسرحيات أحمد الطيب العلج نموذجا للكتابة المسرحية الكلاسيكية ليس بالمفهوم القديم والمتجاوز ولكن بمفهوم التحفة الفنية القابلة لتعدد القراءات والمقاربات.
المبدع والمنظّر والناقدوخصص الناقد والباحث المسرحي الدكتور مصطفى الرمضاني مداخلته للحديث عن الكاتب والمنظر المسرحي عبد الكريم برشيد، مشيرا إلى أن هذا الأخير يلتقي مع الكاتب الشهير توفيق الحكيم في الدفاع عن القيم. وأكد أن مسرح برشيد يعدّ محطة أساسية في خريطة المسرح العربي، ومرجعا أساسيا في النقد والتنظير والإبداع المسرحي، مشيرا إلى أن نصوصه ـ التي ناهزت أربعين نصا مسرحيا ـ تجسد الدبلوماسية الثقافية وفي الوقت نفسه تعبر عن الهوية المغربية، مستدركاً بالقول إن في كتابات برشيد تنمحي الحدود بين الناقد والمنظر والمبدع.
ثم تحدث المتدخل عن المسرح الاحتفالي الذي نادى به عبد الكريم برشيد منذ سنة 1976، واعتبر أن هذا الاتجاه يقوم على الاختلاف والمغايرة والصدامية، وأن برشيد تفاعل فيه مع تنظيرات عربية وغربية أخرى. وتابع قوله: إن الاحتفالية مازالت ظاهرة أدبية وفنية قائمة الذات، وتسعى إلى خلق فلسفة جمالية للمسرح المغربي خاصة والعربي عامة؛ لافتا الانتباه إلى أنها كانت مناسبة لتحريك عجلة النقد والتنظير، وأنها مهدت لخطاب الحداثة في المسرح العربي.
وطرح الرمضاني على عبد الكريم برشيد ـ الذي كان حاضرا أثناء الندوة ـ أسئلة تتعلق بعلاقته بالمسرح البريختي وبالملحمية في المسرح المغربي وبنوعية استفادته الاجتماعية من المسرح على المستوى الشخصي، فأجاب برشيد أنه لا تهمّه الأسماء وإنما تهمه الأفكار والرؤية والموقف، وقال عن بريخت: ‘هو رؤيته ملحمية، وأنا احتفالية. أرى العالم ليس كما يراه بريخت أو غيره وإنما أراه حسب خصوصيتي وهويتي كعربي أمازيغي أندلسي إفريقي’. وأوضح أن الملحمية في المسرح المغربي كانت لعبة سياسية أكثر منها قناعة فكرية، مؤكدا أنه يؤمن بأن السياسة سياسة والفكر فكر والإبداع إبداع. وقال برشيد أيضا: ‘إن المسرح أعطاني الشيء الكثير، راحتي النفسية وتوازني العقلي، لولاه لكنت انتحرت أو أُصبت بالجنون، المسرح أعطاني المحبة والعرفان. لقد كتبتُ عن الصعاليك والمرضى والمهمّشين، وأرضيت الفن وأرضيت نفسي’. وأشار إلى أنه كان معجبا بيوجين يونسكو أكثر من بريشت، معتبرا أنه ليس هناك يمين أو يسار في الفن، ولكن هناك الطليعة، والفنان ينبغي أن يكون في الطليعة.’صخرة سيزيف’أما الناقد والكاتب المسرحي محمد بهجاجي فأفرد مداخلته للحديث عن الممثلة ثريا جبران وعن مختلف المحطات الفنية التي مرت بها تجربتها، بدءا بفرقة ‘المعمورة’ ومسرح الهواة، ثم مع الفنان الطيب الصديقي، وصولا إلى تأسيسها لفرقة ‘مسرح اليوم’. وتوقف عند تجربة ‘مسرح اليوم’ التي امتدت من 1987 إلى 1992، مشيرا إلى أن خصائص هذه التجربة تمثلت في المزاوجة بين البحث المسرحي واستهداف الجمهور الواسع، وإرساء لبنات الإنتاج المسرحي، وتنوع مصادر الدعم والتمويل، وإعادة الاعتبار للنص المسرحي، وتقليد عمل كل موسم.
وشبّه المتدخل مسار ثريا جبران بـ’صخرة سيزيف’، حيث كانت هذه الممثلة تعيش ظروفا صعبة مهنياً واجتماعياً لتقوم من جديد في محاولة لاسترداد أنفاسها وتوهجها؛ موضحاً أن هذا مسار طبعته عدة ثنائيات: التألق والخفوت، الصدفة والاختيار، الحركة والسكون.
الارتجال المسرحيوقدم الناقد الدكتور سعيد الناجي مداخلة عن الفنان المسرحي الراحل محمد الكغاط، ملاحظاً أن الهوية التي حكمته هي هوية الممثل، إذ كان يركز على الممثل ‘السمايري’ (أي السامر أو الحكواتي)، وكان مرتبطاً بالفرجة الشعبية، دون تضخم نظري. وأضاف أن الكغاط كان ‘دراماتورج’ صانعاً للفرجة الشاملة، وليس مؤلفاً بالمفهوم التقليدي، مشيرا إلى أن النص المسرحي لديه كان مجرد وسيلة وجزء من العرض ولم يكن مهيمنا على العمل المسرحي بكامله. وأردف قوله إن الكغاط لم يكن يمارس مسرحا سياسيا، وإنما يؤكد على اختياراته الإنسانية المتمثلة في ‘إنسانية الإنسان’، متفاديا المغالاة في الشعبية والجمالية ومتحاشيا الخطابات الإيديولوجية، مما عرضه للإقصاء من طرف مهرجانات مسرح الهواة. وقال المتدخل إن الكاتب الراحل لم يكن يجيب على موقف الآخرين منه بمقالات وبيانات، وإنما بعرض مسرحي.
وفي هذا السياق، تحدث عن السمة التي ميّزت الكغاط خلال المراحل اللاحقة من تجربته الفنية والمتمثلة في جعل المسرح موضوعا للتفكير من خلال عروض مسرحية: ‘المرتجلة’، ‘مرتجلة فاس’، ‘مرتجلة شميشة لالة’، وإشراك الممثلين في كتابة العمل من خلال ارتجال منظم ومفكر فيه ولاسيما في ‘المرتجلة الجديدة’، وهي تجربة ـ يضيف صاحب المداخلة ـ خصصت لتناول ظاهرة التسلط في المسرح (تسلط مؤلفين ومخرجين ونقاد) وكذا موضوعتحريم المسرح ومحاكمة أصحابه.
مؤسس النقد المسرحيتحت عنوان ‘حسن المنيعي والمنعطف المسرحي المغربي: الريادة والتفرد’ ألقى الناقد والباحث الدكتور خالد أمين مداخلة حول الناقد والباحث والأستاذ الجامعي الدكتور حسن المنيعي معتبرا إياه مؤسسا للنقد والبحث المسرحي الجامعي من خلال كتابه الأول ‘أبحاث في المسرح المغربي’ الذي صدر سنة 1974 وما تلاه من كتب ودراسات أخرى تتناول الذائقة المسرحية في تجلياتها الإبداعية والفكرية المختلفة، ولا تقتصر على المسرح وحده بل تشمل الظاهرة الجمالية كما تجسدها الفنون التشكيلية والرواية وغيرها.
وانبرى صاحب المداخلة بعد ذلك محللا طبيعة الكتابة النقدية لدى المنيعي، ملاحظا أنها تتبنى الهوية داخل الاختلاف، وتقوم على هندسة ذهنية تقارب النصوص، وذلك بأسلوب يتميز بميسم البساطة، بساطة العارف والمربّي. وأوضح أن حسن المنيعي خلال حديثه عن التراث، يدعو إلى عدم التعامل معه بانغلاق خلال الممارسة الإبداعية، بل ينبغي التعامل معه بطريقة علمية وعقلية، سواء بقصد امتلاكه أو فقدانه. وفاء لمسرحي مراكشيوكان من المقرر تخصيص جلسة للحديث عن الفنان المسرحي عبد القادر البدوي، لكنها عوضت في آخر لحظة بأخرى خاصة عن المسرحي المراكشي الراحل عبد السلام الشرايبي، الذي فضل الناقد الدكتور عز الدين بونيت الحديث عنه في إطار فرقة ‘الوفاء المراكشية’ بحكم الصلات القوية التي كانت تجمعه بها؛ فأشار المتحدث إلى أن أهم الخصائص التي ميزت أعمال تلك الفرقة وأسلوبها الفني الذي جمع بين التمثيل والرقص والغناء (الملحون)، بالإضافة إلى بلاغة وشاعرية النصوص المسرحية المعتمدة على العامية المغربية، من بينها بالخصوص ‘الحراز’ و’سيدي قدور العلمي’ اللتان ألفهما وأخرجهما المسرحي الراحل.
تدبر علميفي كلمة هيأها إسماعيل عبد الله، الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، حول ندوة ‘نقد التجربة ـ همزة وصل’، قال إن قراءة تجارب أولئك المسرحيين المغاربة هي ثروة معرفية كبرى لهذه الكوكبة من المبدعين الذين أرادوا إحداث الفرق في المشهد المسرحي. وأضاف أن هذه الندوة تأتي ثمرة للتعاون الخلاق بين الهيئة والمؤسسات الرسمية والأهلية الفاعلة في المشهد المسرحي المغربي، من خلال مندوبها في المغرب حسن النفالي. وأشار إلى أن هذه الندوة تهدف أولا إلى وضع الخلاصات بين أيدي الأجيال التي تتوارث راية الإبداع، ونقل نقد التجارب من الارتجال إلى البحث الذي يمكث في الأرض فينفع الناس. وتابع قوله: إن هذه الندوة، إضافة إلى مجموعة من الورش التكوينية والندوات التي انطلقت في تونس وستنطلق في بيروت وموريتانيا والسودان والجزائر والتي تنظمها الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع رموز المسرح العربي، تضع المسرحيين العرب على نهج التدبر العلمي لمجمل الحراك، ودفعه نقدياً نحو النضج وإفراز الرؤى الإيجابية المتوالدة والتراكم المعرفي البيني.