د. جهاد البرغوثي ما كنت في يومٍ من الايام عضوا في سيرك ‘الهتيفة’، وتحليت طوال سنين عمري بالاوصــــــولية واللاانتهازية والاستقامة، وعبرت سياق الحياة وتراكماتها، مُرَّها وحُلوها دون التمتع بنشوة التسلق او امتلاك فن التملق. رايت الكثيرين وقد تفننوا في صياغة النفاق السياسي واصوله من اجل دوافع ذاتية خارج مصلحة الوطن والمواطن حتى اصبح بحدِّ ذاته ومن كثرة اتباعه والتداول به عِلماً راسخاً ومُعترفا به، ولربما يُطالب البعض منهم مستقبلا بتدريسه في الجامعات كمادة رئيسة.*هناك الكثير من اهل الفكر والسياسة منْ لا يرغبون في سماع كلمة ‘انتماء’، والتي انتشرت في العقود الماضية واستحوذت على معانٍ عِدة، ويفضلون عوضا عنها واستبدالها ‘بالعروبة والقومية’ والامة على امتدادها الجغرافي وعمقها التاريخي وبُعدها الديني.*لا زلت اتطلع الى يوم مشرق أرى فيه اجيالنا القادمة قادرة ان تتحمل المسؤولية وانْ تشارك وتعمل من خلال نهجٍ ديمقراطي تسمو فيه روح العمل المشترك والاحترام المتبادل مع كافة القوى دون تبعية. يقوم على تداول السلطة وإطالة عمر الحكومات البرلمانية على اساس نظام حزبي تعددي ثابت.*ومع هذا الحلم فإننا لا زلنا ندور في حلقة مفرغة، نُـطبل ُ ونـُهلل ونـُزمر ونـُعلـِّق ونـُشيدُ- فإذا امر الحاكم بأمرالله منع الملوخية والجرجير والزبيب والعنب، والتزم الاتباع والمستضعفون به أنذاك، فنحن نقوم بالمثل.*إن الحراك الشعبي الذي انطلقت شرارته من تونس الخضراء الى مصر المحروسة الى ليبيا عمر المختار الى سوريا يوسف العظمة الى جزائر المليون شهيد الى المغرب وموريتانيا وسودان المهدي واقطار عربية اخرى ـ حتى اصبح ذاك الحراك مانعاً للظلمة السياسية وحاجباً لظلالها بعد ان همشَّت الانظمة شعوبها وجعلت منهم قطعان اغنام وخراف وابقار لا اكثر.
ـان الحقيقة التي انبثق عنها الربيع العربي المستديم باننا ورُغم ما قِيل وكُتب وُصرِّح به عن الاصلاح ما قبل وما بعد يتعارض كليا عما يدور من الخفايا وراء الكواليس، وكل ما يُستطاع فعله في الحراك السلمي هو الانتظار! فإذا ما توقف اصدار الهسيس الى اذني صاحب القرار من القوى المتنفذة ذات الشدِّ العكسي فلن يكون هناك شيء منتظر.*ان زرقة السماء هي التي تكشف النجوم والكوكب واحيانا جعلت من ‘الابيض’ يبدو ‘ازرقا’ حتى لا تضمحل الاضواء السماوية ليلا.
ـفهل الابصار عند مسؤولينا واصحاب القرار محدودة جدا ام انهم يتوارون وراء تصريحاتهم التي يُصدِّرونها خارج حدود بلدهم كسباً للوقت واستغباءاً لكل العارفين بمجرى الامور.
ـ لماذا لم يلتزم المسؤولون بتوصيات لجنة الحوار الوطني بعد ان تعهدوا بها، واللقاءات مع الاحزاب السياسية، والنقابات، وفعاليات المجتمع المدني ـ والتي كلها انتهت الى سلة المهملات عندما شُكلِّت الحكومة القائمة.
ـ لا اظن ان ثمانية عشر شهرا قد اتت لنا بشيء جديد وانما كانت مجرد إنشائيات ووعوداً وتلاعباً بالكلمات، فتارة تـُرفع الكلمة هنا لـِتجرَّ ثانية هناك. هذا ما نراه اليوم على ارض الواقع!*ما صرّح به دولة رئيس الوزراء الحالي بان ‘الصوت الواحد لم يُمت بعد’، لِيطِّلَ علينا قانون الصوت الواحد فيما بعد وقد تزين بالقائمة النسبية المحدوده والمحاصره ـ ومع كل زيادة هنا ـ زياده هناك ـ لا فرق بينها وبين الدوائر الوهمية او التعويضية او المجزأه. فالتعديل المرتقب من اجل زيادة عدد النواب الاردنيين من اصول فلسطينية ليكتمل الديكور.*إذنْ! نحن سنكون امام مجلس نواب قديم جديد لا يختلف عما سبقه، وستأتي حكومة في الظاهر برلمانية وفي الخفاء على نفس المنوال، ولن يجدو نفعا النفخ فيه لاحيائه لانه سيلد ميتاً.*ان مجلس النواب المعيِّنْ العتيد قدّم للشعب قانوناً اوصلنا الى شاظئ اغرقه الدخان الاسود و لوَّثته الافكار الداكنة التي صاغته بكلمات سائده خاطت ثوبا ممزقا في عيون الشعب ليكون الغطاء الذي يأوي اليه بعد ثمانية عشر شهرا من الوقت الضائع مما افقد الشعب كل المباهج التي بُشرِّوا بها واستبدلوها بتخاطب ‘التورية’ واللف والدوران’ ـ فقدنا خاصية التخاطب والاشارة وما لنا الا ما يُملى علينا. فهل من جديد؟. فالنفس قد خلت من مجرد التفكير في الاكتفاء بقانون عاجز مشوه ـ فهو مرفوض وبتعديلاته ما دام لم يعُد من اختيار الشعب.
ـ ماذا عن المشاركة الانتخابية بين كافة شرائح المجتمع الاردني وبالاخص الاسلاميين والاردنيين من اصول فلسطينية، وهما الشبحان اللذان يخيفان اصحاب القرار بعد ان جعلت منهما الدولة الدونكيشوت الذي حارب الاشباح. فالغالبية العظمى من الاردنيين من اصول فلسطينية لا اهتمام لهم بالشؤون السياسية ـ وما همهم الا استمرار حياتهم في أمن واستقرار، وقلوبهم وعقولهم مع قضيتهم ومشاربها وتعقيداتها، وعزوفهم شبه التام قائم بقوة. اما الاسلاميون فهم مجموعات مؤمنة ومصمِّمة على المشاركة الفعالة حسب قانون انتخابي عصري والا فهم سيقاطعون الانتخابات كما فعلوا في مرات سابقة.
وبقوله تعالى ‘فأنتم فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم انفسكم كذلك نفصِّل الايات لقوم يعقلون’ صدق الله العظيم ـ ان مشاركة كافة اطياف المجتمع الاردني في الانتخابات المقبلة هو إثراء للأردن وللشعب وللنظام ـ ولا احد يبتغي الا القوة والحكمة والمنعة لهذا البلد المعطاء.* فالحراك الشعبي ليس في عجالة من اي امر، وليس واقعاً تحت تأثير وهمي او عاطفي ـ و لست انا في حُلم لاخفف من ضائقتي من شح ‘الاصلاح’، ولكنني اتساءل: هل فعلا هناك إرادة سياسية لاصلاح حقيقي؟ ام ان الحديث عنه سيبقى ‘حدوتة’ يرددها فريق الاوركسترا الاعلامي والنخبة السياسية ذات المواصفات المعينة، والتسويق لامريكا واوروبا.
ـ لماذا كل هذا الغموض المبهم والحراك الشعبي حتى لو ارتفع سقفه بعض الشيء نتيجة الاحتقان المتواصل فهو ليس عدائيا للنظام وانما هو حميمي من اجل الصالح العام في ضوء المستجدات الاقليمية والمحلية والدولية.
ـ مع كل المعايير الدنيوية والدينيه فهناك قياسات لا يمكن بعد اليوم تجاوزها ـ فلا عودة للصوت الواحد، ونعم لمقولة ‘الشعب مصدر السلطات’، والتي هي وحدها السارية المضيئة لمستقبل اجيالنا القادمة. هي البشرى والامل! اننا على اعتاب مرحلة حراك شعبي لم يبدأ بعد لينقلنا الى حيز الحقيقة التي لم نلمسها او نشاهدها حتى يومنا هذا!!.’ كاتب فلسطيني