في سورية ضحايا لهم قصص وحيوات فهل يغير احصاء الجثث اليومي موقف روسيالندن ـ ‘القدس العربي’: لم يتوقف الحديث منذ بداية الثورة السورية عن الدور الروسي الرافض لاي تدخل عسكري واي قرار يدين الممارسات العدوانية لنظام بشار الاسد ضد شعبه، وظلت التقارير تتكهن عن نوع من التوافق بين الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الامريكي باراك اوباما على الملف السوري وذلك اثناء مؤتمر مجموعة العشرين الذي انعقد في المكسيك، ولكن الموقف السوري ظل على حاله خاصة فيما يتعلق بمصير الاسد ـ وتم الحديث نفس الموقف وهذه المرة بين سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي ونظيرته الامريكية هيلاري كلينتون قبل ايام من مؤتمر جنيف الذي دعا اليه كوفي عنان المبعوث الاممي لسورية ولم يتمخض المؤتمر الا عن خلاف وتبادل في الاتهامات حول تفسير البيان خاصة فيما يتعلق بمصير الاسد.
ومع ان الجميع يفسر الموقف الروسي من سورية من باب المصالح – صفقات اسلحة وقاعدة عسكرية في طرطوس وخبراء عسكريين وعلاقات ثقافية واجتماعية حيث هناك الالاف من السوريين المتزوجين من روسيات الا ان السؤال المحير ظل يدور حول موقف بوتين ومصلحته الاستراتيجية من استمرار الاسد في السلطة، خاصة ان نظام دمشق بدأ يفقد السيطرة وتوسعت دائرة المواجهات مع الجيش الحر، وتزداد عمليات الانشقاق عن الجيش النظامي، وكذا يستمر تدفق الاسلحة للمقاتلين. الشك بقدرة الجماهيرومع ان هناك مظاهر تغير في الموقف الروسي الا ان الخطوات التي تقوم بها موسكو تهدف الى اطالة امد الازمة قبل ان تقدم تنازلات ومن هنا فان موقف بوتين كما يرى محللون نابع من موقفه المبدئي من الثورات وحركات التغيير وعلاقته مع الشارع، فهو من دافع عن الكي جي بي حيث كان عميلا فيها في الايام الاخيرة للنظام الشيوعي وهو الذي عبر عن شكه من الثورات ‘الملونة’ في العقد الاول من القرن الحالي خاصة الثورة البرتقالية في اوكرانيا والتي تم فيها الاطاحة باصدقاء موسكو وانشاء حكومات موالية للغرب وصديقة لامريكا.
ومن هنا فالقيادة الروسية تعاملت مع ثورات الربيع العربي من خلال هذا المنظور، على انها نتاج لتدخل غربي في الشؤون الداخلية في هذه البلدان وليست نتاجا لمطالب اجتماعية وتغيير في اشكال الحكم. وتشير صحيفة ‘نيويورك تايمز’ الى موقف بوتين الغاضب اثناء الثورة الليبية التي لم تكن لتنجح لولا تدخل الناتو حيث قال ان من ينظر الى خريطة المنطقة يرى ملكيات اكثر من جمهوريات، واشار قائلا ‘هل تعتقدون ان هذه ديمقراطيات على الطريقة الدانماركية’ حيث كان يتحدث اثناء زيارة لهذا البلد. وعليه فان التدخل الغربي وما رأته روسيا خداعا لها في ليبيا يلون موقف روسيا من دمشق، حيث كان بوتين واضحا في شجبه للتدخل وربطه بين مصالح الغرب في النفط الليبي وتغيير النظام في طرابلس. ويظل التعامل الروسي مع ثورات الفعل الجماهيري وشكها بقدرتها على التغيير العامل الذي يوجه سياستها تجاه سورية. ومن هنا فدعوة روسيا الدائمة للحوار بين المعارضة السورية والنظام وترك السوريين يحلون مشاكلهم بانفسهم، تذكر ايضا بموقف روسيا من ثورة ميدان التحرير والتي اطاحت بنظام حسني مبارك الذي زاره نائب وزير الخارجية والذي دعا المتظاهرين للحوار مع النظام ورفض كل اشكال التدخل الاجنبي، ولكن الشارع المصري لم يستجب واجبر مبارك على الرحيل بعد يومين من الزيارة.
مشهد محليولا تفصل الصحيفة الموقف الروسي من الربيع العربي عن المشهد المحلي الروسي الذي يشهد معارضة لحكم بوتين، وتتسع مطالب التغيير، ولكن مقارنة ما يحدث في داخل روسيا يظل نسبيا لان حركة التغيير والمعارضة صغيرة ووسائلها سلمية لحد الآن. ومن اجل الحد من تأثير الثورات العربية على الشارع الروسي فان تغطية الاعلام الرسمي لها عادة ما تتسم باللهجة المحذرة وتقديمها بصورة مظلمة، بل اشار تقرير لصحيفة ‘لوس انجليس تايمز’ قبل شهر ان التغطية الاعلامية للثورة السورية يعكس الرؤية الرسمية السورية. ولا يمكن فصل الموقف الروسي عن موقفها من الاسلاميين فصعودهم في الحياة السياسية العربية قد يؤدي لاحياء نار المقاومة الشيشانية والتي كان بوتين نفسه مسؤولا عن سحقها وتسوية العاصمة الشيشانية، غروزني بالتراب. ومن هنا فان موقف روسيا ينبع من المبدئية، وتنقل ‘نيويورك تايمز’ عن صحافي غطى سورية سابقا لصحيفة ‘برافدا’الناطقة باسم الحزب الشيوعي، قوله ان روسيا لن تستطيع المطالبة برحيل الاسد بشكل علني لانها ستكون سابقة تجعل من كل من لا يحب حكومته يطالب بالتغيير. واضاف لن نسمح بحدوث هذا، فاليوم لا يريدون الاسد وغدا لا يريدون رئيس لبنان وهكذا. وتختم الصحيفة بالقول ان موقف روسيا من الاسد بدأ يتغير، فموافقة لافروف الاسبوع الماضي على حكومة انتقالية تعني موافقتها على ان لا يكون الاسد جزءا من الحل، كما ان زيادة عدد الجثث يؤثر على صورة روسيا وموقف الرأي العام العربي منها، وبحسب دبلوماسي عربي فروسيا بدأت تستفيق على الواقع، وان المسؤولين بدأوا يعرفون ان تحليلهم للواقع غير صحيح وعليهم تبني مدخل جديد. والسؤال اخيرا، هل سيستجيب بوتين للمطالب الغربية ويخسر كرامته التي اعتقد انها اهينت في ليبيا، ام خسارة سورية مرتبطة بعدم رغبته بخسارة كرامته. قصص عن الثمن الانسانيوهناك سؤال اخر فهل ستكون قصص وصور الجثث التي تبثها كل يوم قناتا ‘الجزيرة’ و’العربية’ كافية لتحريك ما في داخله، ولعل هذا ما التفت اليه صحيفة ‘واشنطن بوست’ التي قدمت تقريرا عن ‘صور الضحايا’ وتحدثت عن قصة شاكر حلاق الذي زار امريكا العام لاول مرة وتنقل فيها وزار ‘تايمز سكوير’ في نيويورك وزار شقيقه في فيلادلفيا وقرر العودة من حلب لادارة مركز لمن يعانون من مشاكل في التغذية ولكن جثته وجدت مرمية خارج المدينة وعليها آثار التعذيب.
وتقول الصحيفة ان الضحايا الذين يتساقطون بالعشرات يوميا، رجالا ونساء واطفالا وعائلات بكاملها كما في الحولة والقبير لا يتم الاهتمام بقصصهم كافراد سقطوا في ‘الحرب الاهلية’. وتضيف ان الكثير من حالات القتل تتم بعيدا عن عين العالم، حيث اصبحت سورية بكل المقاييس اخطر مكان في العالم للصحافيين، وكل التغطية الاخبارية تعتمد على تقارير مراسيلها من داخل الدول الجارة لسورية، ولخطورة الوضع قررت فرقة مراقبي الامم المتحدة تعليق عملياتها في سورية.
وتضيف بالقول ان عدد الضحايا غير معروف فهو بحسب تقارير يزيد عن 14 الفا فيما تقول تقديرات اخرى انها 18 الفا مما سيجعل سورية والحرب فيها الاكثر دموية من دول الربيع العربي. ولم يفلت من هذه الحرب واثارها اي مجتمع او طائفة من الطوائف التي تعيش في سورية – سنة وعلويين ودروز وارمن واكرادا ومسيحيين، فكل منها فقد عددا من ابنائها، وحتى الآن لم يتم التوصل لحل على الرغم من مرور 16 شهرا على اندلاع الانتفاضة.
ومن اجل البحث عن الجانب الانساني للحرب وقصص الضحايا قدمت الصحيفة صورا لحياة سبعة من الضحايا معارضين للنظام ومؤيدين له، منهم الشيخ الذي كان يهاجم المعارضة وينعتها بالارهابية والمسيحي الذي كان يتدرب من اجل ان يكون قسيسا ويدرس الموسيقى والف الفتاة التي كانت تحب الرسم. وفي كل قصة تظهر اثر الحرب والثمن الانساني كما في قصة شاكر الذي عاد من رحلته واوقف في المطار وحقق معه وطلب منه العودة ومقابلة المخابرات ليتم التحقيق معه وفي كل مرة كان يذهب فيها لدائرة المخابرات كان يؤكد لعائلته ان المقابلة روتينية لكنه ذهب مرة ولم يعد حيث عثر سائق دراجة على جثته ملقاة في حقل يبعد عن حلب 15 ميلا، ولحد الان ليس لدى عائلته اية فكرة لماذا قتل فهو لم يكن يهتم بالسياسة ولم يقم علاقة مع المعارضة.