لزوم ما لايلزم..

حجم الخط
0

عناية جابر

هل وصول التيارات الاسلامية الى السلطة ضرورة تاريخية لا بد منها في العالم العربي؟ وهل تمثل خطوة ايجابية في تاريخنا؟ تعليقات الكثيرين من الكتاب والمعلقين العرب والاجانب على انتخاب محمد مرسي رئيسا لمصر توحي على الاقل بذلك. ومن يتعمق في نصوص وافكار هؤلاء الكتاب يخرج بانطباع اولي انهم بغالبهم ليسوا مقتنعين اساسا بقدرة هذه التيارات على اخراج بلادنا من الازمة التاريخية التي نتخبط بها.

فهم يشككون بقدرة الفكر السياسي الديني العربي على اجتراح التشريع الوضعي وعلى قدرة هذه التيارات على احترام مفهوم الدولة العصري، كما يشككون بإمكاناتهم في فهم عمق الازمة الاقتصادية وما تسببه من فقر وبطالة وجوع. وبالاضافة الى هذه وتلك يرى هؤلاء ان هذه التيارات بما تحمله من تفسيرات ومذاهب دينية تنفرد بها قد تثير حساسية مذاهب وتيارات فقهية اخرى داخل الاسلام نفسه ناهيك طبعا عن ما يمكن ان تثيره لدى الجماعات الدينية الاخرى غير الاسلامية.

بالرغم من ذلك نجد ان عملية تولي الاخوان المسلمون الحكم في مصر تجد من يدعمها لدى المثقفين العرب. اولا لاسباب تتعلق بظلم لحق بهم منذ 1954 واستبعادهم القسري عن السلطة في ايام الرؤساء جمال عبد الناصر وانور السادات وصولا الى حسني مبارك. فهم كما يقال ممثلو الحزب الاكثر شعبية منذ عقود عدة قد تمتد بحسب البعض الى ستة عقود خلت. وثانيا لضرورة ‘تربوية’ تنهض على فكرة ان جماهيرية الفكر الديني وترسخ الايمان الديني عند شعوبنا تجعل من هذه الحركات قوى شعبية كبيرة لا يمكن تجاوزها سلميا اللهم الا اذا جربت في السلطة. وفي الامتحان يكرم المرء او يهان. دعم بعض ‘التغييريين’ العرب يشوبه اذن نوع من القدرية لا يرون معها امكاناً لاستئناف التاريخ العربي المتوقف بدون التخلص من هذه المعضلة التي تكسرت غالبية محاولات التغيير العربية السابقة على ضفافها. ان المرور بالحقبة ‘الاسلامية’ اليوم هو برأيهم ممر اجباري يعري، يفضح خواء هذه الحركات وخلوها من اي بديل ايجابي حقيقي وجدي يمنح بلادنا فرصة النهوض من جديد. أنها ‘شر’ لا بد منه. وبما اننا دخلنا برأيهم عصر الديمقراطية الذهبي وتداول السلطة صار قاعدة راسخة في عقول الناس فان فشل هذه الحركات في الاجابة على معضلات البلاد الملموسة سوف يحرر الناس نهائيا من هذا الوهم، من السحر الاسلاموي، ويفتح الافق واسعا امام قوى التغيير الاخرى العصرية الحداثية.

تتمتع هذه السردية في الحقيقة بتماسك داخلي يجعلك لوهلة تستسلم له وللحجج التي يسوقها دفاعًا عنها. غير ان تناقضها مع الوقائع تجعلنا نعود الى حسنا النقدي باحثين عن سردية اكثر تماسكاً.

اذا كان من السهل تبيان تبسيطية هذا النوع من الافكار على قاعدة ما جرى في غالبية الاقطار والكيانات العربية ولا سيما تلك التي لا تتمتع باجتماع متماسك حيث أدى هذا النوع من التغيير الى انبعاث العقد التاريخية وخصوصيات الاقليات والاكثريات المجتمعية والى نشوب نزاعات أهلية باردة او حامية حسب المرحلة تكاد تهدد وحدة البلد احيانا ان لم تقسمه فعليا في احيان اخرى كما جرى في السودان، فإن الحالة المصرية التي تقدم عادة على انها المجتمع الاكثر تماسكاً وانسجاماً والاقل فسيفسائيا تستدعي ربما نظرة متأنية. الدروس المستخلصة حتى الان من الثورة المصرية تفيدنا انه وبالرغم من تمسك المصريين بغالبيتهم -ما عدا الاقلية القبطية طبعا- بالدين الاسلامي فإن فوز محمد مرسي مرشح الاخوان المسلمين لم يكن ساحقا ماحقا. فهو بالكاد قد نجح في تخطي نصف أصوات المقترعين في دورة الاعادة اي انه لم يحصل بالنتيجة الا على حوالي ربع أصوات الشعب المصري اذا ما علمنا ان عدد الممتنعين عن التصويت قد بلغ نصف الشعب المصري. فبين نصف الشعب الذي لم يتحمس للتصويت للاسلاميين وبين نصف النصف الباقي الذي ادلى بصوته ضدهم يظهر هزال فكرة جماهيرية الاخوان وضرورة ان نمر بمرحلة ‘اسلامية’ سياسية تاريخية اجبارية.

القدرية ليست مقنعة اذا وليست حجة كافية بذاتها لان الوقائع تشير الى مروحة من الاحتمالات الاخرى لو توافرت عروض سياسية اخرى. المشكلة في تقاعس القوى التغييرية الحقيقية عن لعب دورها الفعلي في بلورة بديل مقنع للجماهير التي بدا انها في الانتظار. والا كيف يمكن تفسير امتناع الناس عن التصويت وعدم حماستهم للاشتراك في ما يجب وصفه باللحظات التاريخية الكبرى. ان هذه الظاهرة، ظاهرة الامتناع عن التصويت من قبل نصف المصريين، ان دلت على شيء فعلى ان المصريين يرفضون النظام القديم بقدر رفضهم للنخبة الجديدة.

واما الاعتقاد الاخر بأن الجماهير بحاجة الى مطهر مرحلي اسلامي اجباري لكي تتطهر وتنطلق الى العصر، التربية، فقد جاء إعراض الجماهير عن التصويت والمشاركة باللعبة الانتخابية لكي يبين تهافت هذه الفكرة ذلك ان الناس بوعيها العفوي لم تشعر او لم تدرك ان الطرح الاسلاموي يستطيع ان يشكل بديلا فعليا يفي بالحاجة التي يعرفها الناس تماماً. وعليه فإن الجماهير المتدينة المؤمنة في مصر لم تجذبها الطروحات السياسية الدينية لانها ربما كانت تنتظر من الثورة برامج واضحة لمشاكلها الارضية والحياتية لا السماوية لكي تنخرط في المعركة. المتفائلون باستئناف التاريخ وعودته الى ‘مجراه’ بعد الفشل المحتم للحقبة الاسلاموية قد يكونون على موعد مع صحوات موجعة. فمن يضمن للناس ان يقود الفشل الاسلاميين الى احترام تداول السلطة والانتخابات النزيهة مستقبلا؟ من يضمن تماسك المجتمع نفسه اذا لم يتم احترام الدولة العلمانية التي يحلو للاسلاميين ان يسموها مدنية؟ من نكد الدهر عليهم وعلينا انهم يستعملون مصطلح الدولة المدنية في وقت تشاء اقدارهم ان يقبلوا بمساكنة العسكر الذي يمسك بمفاصل الدولة العميقة بإسم المصالح العليا للدولة. الثورة المصرية علمتنا الى الان ان المرحلة ‘الاسلاموية’ السياسية لم تكن فعلا ضرورة او الامكان الوحيد من وجهة تقدم التاريخ في بلادنا لولا وقوعنا تحت منظومة التبعية للخارج الذي يقرر الكثير من الاشياء عندنا بدون اية ديمقراطية ولا عفوية الثوار وقلة دربتهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية