إبراهيم سعيدالخوفُ ضبُّ قديمٌ، من عهد الديناصورات، من السحالي المتحرشفة، الباقية من زمن المستحاثات القديمة. الخوف أيضاً حماقةٌ مركبة، وطبيعةٌ بأربعة أبعاد، لكن كأنَّ الخوفُ خدعة تقوم بتضخيم الألم؛ وكأن الألم لعبةٌ يتعلمُ بها الناسُ حدود الأشياء. أحياناً يبدو الألم كما لو أنهُ قطعةُ مشاعر يستثمرها الخوف لصالح أرباح السلطات، كالعقارات!
كان الشتاءُ العربي مليئاً بالنباتات الضارة الجافة الشوكية، كان الزمن العربي مليئاً بالألم، والوجع، والوخز؛ كان الشتاء العربي صقيعاً بارداً وجافاً وخشناً، وعلى امتداد ملايين الأميال لا أثر للحياة، حتى الشجر الميت كان يبدو مخيفاً فيه، تسكنهُ السحالي، وأفلام الرعب. الجثة المتفحمة في النار لا تخاف، لأن من يشعرُ فيها مات، لكن أنت تخاف. مم تخاف؟ من الموت؟ ستموت، ستموت.
القادمون من المجهول، الذاهبون إلى يقين الشك، بدأوا يخافون على أملاكهم، الألمُ مجردُ منطقة، حين تعبرها لا تعودُ تشعرُ بشيء، وعبورها أكثر من مرة يجعلُ عبورها سهلاً، بل أحياناً نادرة يكون ممتعاً ذا لذة مازوشية؛ والمازوشية: لذة الألم.
لكن أنتَ مم تخاف؟!.. .. الشامُ مليئة بالخوف الآن، الشام مليئة بالشجاعة الآن أيضاً، الفصلُ صيفٌ، والشمسُ قريبةٌ وحارة، تضيءُ مكمن الخوف، تحرقُ مَصدَر الخوف، مُصدِّرُ الخوف أشدُّ خوفاً من شدة الخوف: جُنّ جنونه.(جنونكَ مجنونٌ ولستَ بواجدٍ طبيباً يُداوي من جنون جنون) إلا الموت. أو شبه الموت.
في الخوف يُجنُّ الحيوان داخل الإنسان، والخوف ليسَ ألماً، الخوف مجردُ خوفٍ من الألم! الخوف هو الوهمُ العود (العَوْد المسنُّ من الإبل، والعَوْد أخو العودة) مجردُ تكرار، لزيادة الشعور بالخوف.
نخافُ على ذواتنا، قبل الفعل، وبعد الفعل، كالإرهابي قبل وبعدَ افتضاح الجريمة؛ الإرهابي الحقيقي: من يتاجرُ بالخوف.
لكن الإرهابي نفسهُ خائف، من يصنعُ الخوف يخاف أكثر… .. الخوف صنمٌ حانَ أن يسقط، الخوف هو الصنم الذي يريدُ الشعبُ إسقاطه، كي يأتي الربيع، الناسُ لا تهتم للصنم، لأنهُ سيتحطم، ويوطأُ بالأحذية، رمزاً أو فعلاً؛ كانت ردةُ أفعالنا العربية تجاهَ الرؤساء كأنها ردةَ فعلٍ على سقوط الخوف المنبعثِ من الصنم، الصنم لا يبقى، لا يُحنط، يُحطم فقط؛ وإذا لم يتحطم الصنم، فلن يموت الخوفُ منه، بل سيعود ينمو ويبقى. الخوفُ من الصنم هو الذي يُراد لهُ الموت، وإلا فالصنم مجردُ حجارة مبنية، يمكنُ إهمالها تماماً لأنها في عالم الجماد، لكن الذي يتحطم في الصنم رمزيتهُ، عملهُ الفني.
الخوف لعبةُ السلطة، ومع مرور الأزمنة، صارَ الخوفُ لعبة وخدعةً واحتيال سماسرة يجوبون العالم للاستثمار في الخوف، بدعوى مفاهيم مخيفة، باطلة.
الخوفُ حين يقيم في مكان تقيمُ الكراهية، يحتفلُ الشكُّ بانتصاراتهِ علنياً في الإعلام الرسمي، وترقصُ الظنونُ في الشوارع العامة عارية.
الخوفُ لعبةُ مشاعر ضخمة يلعبها كل الموظفين في شركةِ السلطة.
يمثلون بواحدٍ كي يخيفوا الملايين، يقتلون خالد سعيد كي يدين الجميعُ للصنم، لكن الصنم جماد، ومن يشعرُ فيه نفسهُ خائف، مشاعرُ السلطة نفسها خائفة من نفسها، خدمةُ السلطة ليست دائماً مجزية النهايات، بل عادةً مقذعة، يخافُ خدمُ السلطة كثيراً من التقاعد، لأنهُ يتركهم وحيدين مع الخوف.
القاتلُ لا يقتل إلا كي يقتل الخوف من القتل داخلهُ، ونفسهُ ترتعد؛ يهربُ الخائفُ والخوفُ يتسربُ من بدنهِ ويحيط به، يبطشُ المستبدُّ بشعبهِ كي يقتل خوفهُ، وخوفهُ لا يموت بل يكبر، ويكبر الخوفُ في بلاد الخوف، وتغدو البلاد كلها خائفة، ومخيفة، خاصة للرأس في المرآة. الخوفُ وحشٌ عليك أن تقتلهُ بضربةٍ واحدة، فإن لم تنجح أهلكك حتى تقتل نفسك بنفسك. القاتلُ أكثرُ خوفاً من المقتول، المقتولُ خافَ للحظة قبل أن يموت وانتهت اللحظة، تجاوز الألم، أما القاتل فإنهُ يحيا مع الخوف حتى آخر حياته، الفاتك يخافُ من جرائمه، يريد أن يتوب، لكن يمنعهُ الخوف، يريدُ أن يعترف لكنهُ صارَ عبداً للصنم، مسحوراً بالحجر الأصم، والخائف يَعدي من حولهُ بالخوف، فيخافون مثله. ويمتلئ المكان بالوهم المتضخم… .. الإنسان خائف، لكن مم أنت خائفٌ أيها الإنسان؟ من الموت؟ ستموت بالسيوف المتعددة والموت واحد، ستموت، والحياةُ أيضاً واحدة… .. الشامُ الآن ليست سهلاً أخضر في الصيف مليئاً بالأشجار المثمرة دماً، بل الشام مسرح العالم العربي الدموي المعاصر، وأيضاً ليست الشامُ هذا ولا ذاك: الشام ثورة تقتلُ الخوفَ بالحرب.
أهل السلطات في برازخ الوهم الخائفة، أسطلتهم قطعةُ حشيش السلطة، أسكرهم كأسُ القوة، خدّرتهم بودرة البارود، وإبرة الاستعباد، أهلُ السلطات في توابيتهم، موتى مسطولون من الخوف، والزمن يسخر بهم، ليموتوا، ويموتوا فيسخر بهم ميتين.
الخوفُ غباءٌ مزعجٌ لذكاء الروح وبصيرتها، الخوفُ عبثٌ أرضيٌّ شائعٌ ومستمر، كذبةٌ كبيرةٌ تغرسها السلطات الأولى: الآباء والأمهات، في أبنائهم خوفاً عليهم من الموت، فيجمدونهم بثلج الخوف عن الحياة، متجمدون في الحياة وموتى يحسبون الوقت حتى الموت.
حين يجربُ الأبناءُ الخوفَ في المغامرات الخطرة، في قطار الموت، في السيارات السريعة، والألعاب السرية، والثورات، يغدو طعمُ التجربة لذيذاً ممتعاً وجميلاً وحيوياً ومليئاً بالسعادة الخاطفة، يستحق التكرار، لذةُ حياةٍ جميلة كالحلم، كامنةً، قبل أن تتدهور السيارةُ في المنعطف.. هناك يمرُّ كل شيءٍ، كل الألم والضرب والوجع، في ومضة سريعة، مثلما يمرُّ في خيال الشهداء المبتسمين، وينتهي…. .. الخوف خدعةٌ من تسريع الزمن وإبطاءه، من لا يدرك اللعبة، يتجمدُ في الزمن، في الحياة، من شدة الخوف؛ الخوف بارد، يجعلُ الجسد ينتفض، ويقشعر من البرد حتى يسقط الخوف من تلقاء نفسه، وتعود السكينة للجسد.
الخوف صنمٌ يسقط في كل مكان ويكررُ السقوط، لكن هناك من يدافعُ عن الأصنام، من شدة الخوف!
يفرحُ الشهداءُ بانتصارهم على الصنم داخلهم، ويكتفون فيموتون مبتسمين، يودعون الخوف، يودعون للألم. الشهداءُ يغنون في جميع اللوحات الفنية، من الفرح. والخائفون يئنون. ويُجَنُّونَ من ثقل الصنم..