الرئيس اوباما وسياسة القوة الناعمة

حجم الخط
0

د. رياض العيسمي تركزت حملة الرئيس باراك أوباما الإنتخابية في عام (2008) على ثلاثة أمورأساسية دخل على أساسها البيت الأبيض عام (2009) كأول رئيس أسود. نلخصها كما يلي: 1. التركيز على إستخدام التكنولوجيا المتمثلة بالإنترنيت والفيسبوك ومنابر التواصل الإجتماعي الألكترونية الأخرى في جمع التبرعات والتعريف بحملته الإنتخابية. كما واستخدم إسلوبا ‘جديدا’ في جمع التبرعات لم يكن لأي من مرشحي الرئاسة الأخرين أن سبقه إليه. ففي الوقت الذي كان المرشحون الأخرون يسعون للحصول على الحد الأعلى الذي حدده قانون الإنتخابات الرئاسية للتبرعات الفردية بألفي دولار، حرص المرشح أوباما على جمع تبرعات صغيرة وصل بعضها إلى خمسة دولارات. ذلك ما زاد من عدد المتبرعين، وكذلك عدد المرات التي تبرعوا فيها. ولدرجة أن أحد الأطفال الذين أعجبوا به باع دراجته الهوائية ليتبرع بحقها لحملته الإنتخابية. وقد سجلت الكثير من القصص المشابهة في أوساط المتبرعين والداعمين لحملته الإنتخابية. وبنفس الوقت جذب إسلوب أوباما وقدرته على الإقناع شرائح مختلفة من المتبرعين بما في ذلك متبرعي الحد الأعلى. ذلك ما جعله منافسا’ حقيقيا’ لهيلاري كلينتون التي أضطرت إلى التراجع أمامه في النهاية عن تمثيل الحزب الديمقراطي بالرغم من كل إمكانياتها ودعم زوجها الرئيس الأسبق بل كلينتون وقدراتهما الكبيرة على جمع التبرعات، وكذلك دعم مؤسسة الحزب التقليدية الضمني لها ومنذ بداية حملتها الإنتخابية. حيث وصل ما جمعته حملة أوباما الإنتخابية إلى 750 مليون دولار. ضاربا بذلك رقما ‘قياسيا’ لم يسبقه إليه أحد في تاريخ إنتخابات الرئاسة الأمريكية. كما ووصل ما جمعه أوباما من تبرعات لحملته الإنتخابية الرئاسية إلى ضعف ما كان قد جمعه جون ماكين، مرشح الحزب الجمهوري، لحملته. هذا بالرغم من الإمكانيات المالية الكبيرة للحزب الجمهوري ومناصريه من الطبقة الغنية.2. التركيزعلى جيل الشباب بين سن الثامنة عشرة والتاسعة والعشرين ممن لم تكن تتعدى نسبة تصويتهم في الإنتخابات الرئاسية السابقة 18′. وكانت نسبة الشباب المصوتين من هذه الشريحة العمرية في عام 2008 أكثر بأربعة ملايين مصوت ممن صوتوا في إنتخابات الرئاسة في عام 2004. حصل الرئيس أوباما على 66′ من أصوات هذه الشريحة من الشباب في حين حصل منافسه جون ماكين مرشح الحزب الجمهوري على 32′. أي أن أوباما حصل على ضعف ما حصله ماكين من أصوات الشباب. لقد بهر أوباما جيل الشباب بشخصيته الجذابة وسحر عقولهم بفصاحته وقدرته على التعبير عن مشاكلهم وتطلعاتهم. 3. التركيز على شعار ‘التغيير’ ليشد لحملته الإنتخابية أوسع الشرائح من الناخبين وعلى إختلاف إنتماءاتهم وولاءاتهم. من رجال ونساء، شيب وشباب، بيض وسود، بنيون وصفر. ‘اللون البني يستخدم للتدليل على المواطنين من الأصول التي تتكلم اللغة الإسبانية كالمكسيكيين وأهل أمريكا الوسطى والجنوبية. والصفر هم من العرق الأصفر كالصينيين، واليابانيين، والكوريين، والفيتناميين’. كما ركز أيضا’ على العرب الأمريكان، وكذلك على اليهود. والذين كانوا جميعا’ ممن قد ضاقوا ضرعا’ بالوضع الإقتصادي السيء الذي فرضته سياسات الرئيس السابق جورج ديبليو بوش والتي تمثلت بالحرب على العراق وإفغانستان. وكذلك تخفيض معدلات الضريبة الذي إستفادت منه بالدرجة الأولى الطبقة الغنية. ذلك مادفع بالطبقتين الوسطى والفقيرة إلى وضع أصبح معه شعار ‘التغيير’ الذي رفعه أوباما مطلبا أساسيا لهم جميعا. أما اليوم وفي معركة الإنتخابات الرئاسية لهذا العام،2012 فقد تغيرت معظم الظروف وتغيرت معها الأسس التي بنى عليها الرئيس أوباما حملته الإنتخابية ودخل على أساسها البيت الأبيض. هذا ما يفرض عليه التفكير بمعادلة جديدة ومبتكرة إذاما أراد البقاء في البيت الأبيض لدورة رئاسية ثانية. وذلك للأسباب التالية:1. إن التكنولوجيا التي أستخدمها الرئيس أوباما في جمع التبرعات لحملته الإنتخابية في عام 2008 أصبحت اليوم معروفة ومستخدمة من قبل كل المرشحين وبنفس الطريقة التي كان الرئيس أوباما قد بدأها وجمع من خلالها تبرعات جمة كانت الأساس في نجاح حملته الإنتخابية. يضاف إلى ذلك بأن منافسه من الحزب الجمهوري، مت رومني، هو بليونير بالأصل ويمكن له أن يمول حملته الإنتخابية من ثروتــــه الخاصة وعدم الإعتماد الكلي على التبرعات التي من المتوقع أن يحصل على الكثير منها بسبب علاقته المتميزة برجال المال والأعمال. وكذلك إنحياز الحزب الجمهوري إلى الطبقة الغنية والتي ستعمل جاهدة لإخراج الرئيس أوباما من البيت الأبيض بحكم تضرر مصالحها بسياساته الإقتصادية والإجتماعية والمتمثلة بشكل رئيسي في إصلاحه نظام التأمين الصحي وزيادة معدلات الضريبة التي تؤثر عليها بشكل مباشر.2. إن جيل الشباب الذي ركز عليه الرئيس أوباما في عام 2008 وكانت له كلمة الحسم في فوزه بالرئاسة والذي كان أوباما قد وعده بالمستقبل الزاهر عبر شعار ‘التغيير’ يواجه اليوم وبعد اربعة سنوات بطالة تصل إلى 14′. كما وماتزال نسبة البطالة العامة تتراوح حول 9′. هذا والجدير بالذكر بأنه لم يعد إنتخاب أي رئيس في تاريخ الولايات المتحدة إذا كانت نسبة البطالة في عهده تزيد عن 7’، وإن أكثر المحللين الإقتصاديين تفاؤلا لايتوقعون إنخفاض هذه النسبة بأكثر من 0.75′ بين الآن وموعد الإنتخابات في 6 تشرين الثاني.3. بالرغم من كل المحاولات الجادة والهادفة التي بذلها الرئيس أوباما وما يزال لإنعاش الإقتصاد وتحسين فرص العمل، إلا أن إنجازاته في هذا المجال لم ترق بعد إلى مستوى التغيير في حياة المواطنين الذي كان قد وعد به في حملته الإنتخابية الماضية، وخاصة في حياة الشباب منهم والذين كان لهم كلمة الفصل قي إنتخابه. 4. إضافة’ إلى التركيز على الإقتصاد الذي من المتوقع أن يكون القضية الأساسية في معركة إنتخابات الرئاسة المقبلة، يحاول الرئيس أوباما مضاعفة إنجازاته على صعيد الأمن القومي والذي يمكن أن يكون أيضا’ قضية أساسية في الإنتخابات. وتجدرالإشارة هنا أيضا’ بأنه لم يحصل في تاريخ الولايات المتحدة بأن حرم الشعب الأمريكي الرئيس الذي في السلطة من دورة رئاسية ثانية إذا كانت البلد في حالة حرب وأمن الوطن يتعرض للخطر.

كان الرئيس أوباما قد أتخذ موقفا’ مبكرا’ من الحرب على العراق. حيث كان أحد أعضاء مجلس الشيوخ الذين صوتوا ضد الحرب. ووعد في حملته الإنتخابية للرئاسة في عام 2008 بأنه سينهي الحرب هناك في نهاية عام 2011 إذا ما تم إنتخابه رئيسا’. وفعلا’ أوفى بوعده وسحب القوات الأمريكية من العراق في الوقت المحدد. هذا وبالرغم من أن الإنسحاب كان تكتيكيا’ ولأسباب إنتخابية، إلا أنه بنفس الوقت يخدم هدفا’ إستراتيجيا’. وذلك لغرض إخراج القوات الأمريكية من مرمى الإستهداف الأيرانية وحلفائها في العراق إذا ما قررت الولايات المتحدة ضرب إيران مستقبلا’. وبالمقابل تبنى الرئيس أوباما الحرب في إفغانستان منذ بداية رئاسته وتعهد بقيادتها إلى النصر. إلا أنه لم يحدد بشكل واضح ماهية النصر، عدا قتل أسامة بن لادن أو جلبه للعدالة. وكذلك ملاحقة قيادات وأنصار تنظيم القاعدة في كل مكان. وأيضا’ أوفى بوعده في ذلك. حيث أعدت القوات الخاصة للبحرية الأمريكية بأمر من الرئيس أوباما خطة ناجحة لقتل أسامة بن لادن حيث كان يتواجد في آبت آباد في باكستان. ومن قبله تم قتل ولي الله محسود أحد قادة طالبان البارزين في باكستان. ولاحقا’ أنور العولقي قائد تنظيم القاعدة في اليمن، بالاضافة الى آخرين من قيادات الصف الثاني والثالث. ومؤخرا’ أبو يحيى الليبي، الشخص الثاني في التنظيم بعد أيمن الظواهري. وهو ما يزال حتى اللحظة يلاحق قيادة وعناصر تنظيم القاعدة في إفغانستان وباكستان. وكذلك في اليمن. مستخدما’ طائرات بدون طيار. كما وشرع بمحاكمة المتهمين بأحداث 11 أيلول وعلى رأسهم خالد الشيخ محمد الذي تعتبره الولايات المتحدة العقل المدبر لهذه الأحداث. وأيضا’ ذهب الرئيس أوباما مؤخرا’ إلى إفغانستان ليلقي خطابا ‘موجها’ إلى الشعب الآمريكي من كابول ليذكره بأن الحرب في إفغانستان مازالت مستمرة وتحقق نجاحات ملموسة في عهده. كما ووقع إتفاقية مع حكومة الرئيس الأفغاني حامد كرازاي تقضي بإبقاء القوات الأمريكية هناك لغرض التدريب والحماية لغاية عام 2024 . إلا أنه جدد تعهده بسحب معظم القوات المقاتلة في نهاية عام 2014 إذا ما أعيد إنتخابه. إن الرئيس أوباما يحاول بهذا أن يضع نفسه في موقع الرئيس الذي ما زال يقود حربا’ حقيقية تهدف لحماية الأمن القومي. ولديه الخطة لقيادة هذه الحرب إلى النصر. وهو يريد تفويضا’ بدورة رئاسية ثانية حتى يكمل الطريق. لكن السؤال هل يقتنع الناخب الأمريكي بهذه المقاربة ويبقي على الرئيس أوباما في سدة السلطة لدورة رئاسية ثانية من أجل الحرب في إفغانستان؟ لا نعتقد ذالك. إلا أن الجواب الحاسم سيبقى مرهونا’ بالزمن للإجابة عليه. لكن السؤال الأخرالذي يطرح نفسه وبقوة: ماذا لو فعلا’ وقعت الحرب المرتقبة في الشرق الأوسط قبل الإنتخابات الأمريكية ولأي سبب من الأسباب التي تم عرضها سابقا’. وهذه إحتمالية لا يستهان بها في ظل الظروف المتفاقمة في المنطقة، فهل هذا يرجح كفة الرئيس الموجود في السلطة؟ الجواب على الأغلب نعم. وبقيت نقطة أخيرة لايمكن إغفالها عند الحديث عن أية إنتخابات رئاسية أمريكية. وهذه النقطة تتمثل بدور اللوبي اليهودي ومن خلفه إسرائيل في الإنتخابات. إن أية مقاربة سيحاول الرئيس أوباما إتباعها للفوز بدورة رئاسية ثانية لابد وأن تأخذ بعين الإعتبار دوراللوبي اليهودي وإسرائيل. ولقد بات واضحا’ بأن إسرائيل قد شرعت بإبتزاز الرئيس أوباما مطالبة إياه بضرب إيران أو تمكينها بتوجيه الضربة مقابل دعم اللوبي اليهودي له في الإنتخابات. فهل يوافق الرئيس أوباما على تحقيق أي من الطلبين لإسرائيل قبل أن يفوز بالإنتخابات؟ نعتقد بأن الرئيس أوباما أذكى من أن يقع في هذا الفخ. وبالمقابل هل تقبل حكومة نتنياهو بدعم الرئيس أوباما للفوز في دورة رئاسية ثانية قبل أن يحقق لها ما تريد؟ وأيضا ‘نعتقد بأن هذا ليس واردا. فإسرائيل معروفة وعبر تاريخها بأنها تأخذ قبل أن تعطي. بل وفي معظم الأحيان تأخذ دون أن تعطي أبدا’. ولكن قد يلجأ الرئيس أوباما إلي إتباع برغماتيته المعهودة في مواقف مشابهة للقاء الطرف الأخر في الوسط. بحيث يبدأ بالتمهيد إلى الحرب على إيران بإزاحة حليفها، النظام السوري، عن الطريق قبل الإنتخابات. على أن يكمل المهمة بضرب إيران في العام المقبل بعد إعادة إنتخابه. قد تكون هذه فكرة مرضية للطرفين إذا ما أستطاع الرئيس أوباما إقناع إسرائيل بفكرة التخلي عن النظام السوري كجزء من المعركة مع إيران. أعتقد بأن الأيام القليلة المتبقية لخطة السيد كوفي عنان ستقدم الخبر اليقين.’ أستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية