بالنسبة لبينالي الشارقة: وهم العالمية الذي جعل الشمس تقيم في غرفة مكيفة

حجم الخط
0

فاروق يوسف

لم يلتق آدم حنين (1929) يوكو هاسيكاوا وقد لا يلتقيها أبدا. النحات المصري الذي كان حاضرا دائما في قلب التحول الفني الحديث في الوطن العربي باعتباره واحدا من أهم صناعه لم يسمع بالخبيرة اليابانية. ومع ذلك فان اختياري وقع عليه، ليكون اللغز والطرف الحائر في لقاء افتراضي كانت هاسيكاوا طرفه الثاني. وهاسيكاوا لمن لا يعرفها (ربما لا أحد يعرفها) هي (قيمة) بينالي الشارقة الدولي للفنون في دورته الحادية عشرة التي ستعقد ربيع العام المقبل. ووظيفة (قيمة) هنا بالرغم من غموضها فإنها تعني الاول والتالي، المبتدأ والخبر، صاحبة القرار بصيغته المطلقة. إذن المرأة اليابانية ستتحمل كل شيء من شؤون الدورة المقبلة من بينالي الشارقة. فشله (مَن يحدد معايير ذلك الفشل وكيف ومن خلال أية وسيلة اعلامية؟) ونجاحه (المضمون انطلاقا من كون البينالي قد تحول إلى ظاهرة استعراضية، تهدف الى تحسين صورة الامارة الصغيرة عالميا وليس إلى تحسين حالة الفنون، ممارسة وتداولا وذائقة وتلق في الامارة أو في المنطقة العربية). في هذا اللقاء الافتراضي سيكون حنين كائنا خياليا شفافا، اما هاسيكاوا فستكون كائنا واقعيا صلدا، تبعا لقوتها المستلهمة من صلاحياتها المطلقة. الرجل لم يفعل في حياته سوى أن يرسم وينحت وكان في بعض المراحل قد أدار ملتقى اسوان للنحت، وقد أكون مخطئا في تحديد طبيعة الدور الذي لعبه الرجل في الملتقى المذكور. كل ما قام به صنع له اسما لامعا لا يمكن للتاريخ سوى أن يقف عنده. غير أنه كما أتخيله يقف الآن بعد أن استطاع أن يتخطى غرفة السكرتيرة أمام الخبيرة اليابانية التي تجهله، تجهل كل شيء عنه. لذلك فإن ذكر اسمه لم يحرك عضلة واحدة من عضلات الوجه المدور، ذي العينين الصغيرتين. بل ازداد الاستفهام وتكلل الصمت بالغموض. ‘هذا رجل مسن طارىء. بالتأكيد ضل طريقه ووصل خطأ إلى هذا المكان. سأنصت له تقديرا لكبر سنه’. حنين يظل صامتا ولا يهبها فرصة للإصغاء. ما من شيء يقوله. يفترض أن اسمه يكفي في هذا المكان على الاقل لإزالة كل سوء فهم متوقع. المرأة تحثه من خلال نظراتها المرتابة على تقديم ما يعينها على فهم حاجته. حنين يرتبك لأنه يظن أنه دخل غرفة لا علاقة لها بهدفه. مكان يقع خارج سيرة حياته. لقد انزلقت خطواته فجأة خارج الطريق التي مشى عليها طوال ستين سنة قضاها وهو يعرض منحوتاته ورسومه. لا بأس. الجغرافيا تخون أحيانا. اليابانية لن تساله ‘مَن أنت؟’ بل ‘ماذا تريد؟’ من الصعب على المعلم أن يجيب على سؤال من هذا النوع حين يدخل إلى قاعة الدرس. يحرك حنين يديه بإهمال والابتسامة الحزينة تقول انه لا يريد شيئا. من خلال الصمت يدرك الطرفان أن ليس هناك من لغة مشتركة تصل ما بين كائن أرضي لا يزال الطين عالقا بقدميه وبين كائن فضائي ضمرت قدماه لعدم حاجته إليهما. ينظر آدم إلى قدميه ويحركهما بفخر. لا يزال في إمكانهما أن تحملاه إلى آخر الأرض. ترى هاسيكاوا الأشياء من فوق بحكم تحليقها المستمر. لذلك فانها دعت مجموعة مختارة من المهندسين المعماريين (لبناني، هندي، بلجيكي، ياباني، اسباني) للمساعدة في تصور بنية عمرانية جديدة تربط المنطقة التاريخية وساحاتها (في الشارقة طبعا) مع المدينة. مهنتها تغلب. فكما تقول سيرتها انها تعمل في العمارة وقد لا تكون كذلك. مَن يدري؟ لنقل انها درست العمارة. العمارة شغفها. حنين هو الآخر مهتم بالعمارة، كونه نحاتا. الكتلة والفراغ وما بينهما المادة. لكنه حين يتذكر حسن فتحي وعمارة الفقراء يدرك أن العمارة هي الاخرى لن تجمعه بهذه المرأة التي تنظر إلى الصحراء من خلال خيال طائر غريب. مخيلة هاسيكاوا غرفة مكيفة. لا يمكن الدخول إليها تلقائيا. ما من عشوائيات هناك. الارتجال بالنسبة لأي ياباني هو واحدة من أهم علامات الجنون. سيكون كل شيء منظما. خارج الفن وداخله. ولكن أي فن؟ من حق هذه المرأة أن تفكر بطريقتها وانطلاقا من موهبتها واعتمادا على خبرتها. وهي خبرة لم تكن المنطقة العربية لتستحق في ماضي هذه المرأة أن تكون ملعبها. اليابانيون لا يهتمون إلا بأمريكا. اما حين تتحدث المرأة عن الفناء فإنها تخلط الواقعي بالتجريدي من الافكار لتصل إلى وصفة تبدو منضبطة نظريا، غير أنها سرعان ما تكشف عن هشاشتها حين تحتك بالواقع. تقول هاسيكاوا: ‘ان (الصحن) (الحوش) في المعمار الاسلامي مع الحوض والنافورة في وسطه، هو مصدر الهامي. أريد أن أبتكر نافورة تتدفق إلى الأعلى على نحو مستمر، مبتدأ فقط مع هذا البينالي، ليصبح في ما بعد مكانا نعود إليه بين حين وآخر، وهذا النبع كريم ومضياف، ولكنه ليس مفتوحا بطريقة غير نقدية. ولكي نستمد المعرفة والمناسبة من هذا النبع لابد للمرء من أن يكون منضبطا. فالضبط يطرح السؤال الحتمي ‘هل نعرف طريقة استعمال هذا؟ هل نعرف السبب؟ وهل نستعمله لإغراض الحياة؟’ هذر نظري وجمل مكررة لا رابط بينها، اضافة الى انها تفتقر إلى المعنى المتماسك، ولكن هناك شيء واضح لا يمكن اغفاله: طريقة متعالية في التثقيف، أو نوع من التثاقف. سبب ذلك التثاقف كما أرى ان القيمة اليابانية لا تعرف شيئا عن الاندلس. أو أن الامر التبس عليها فصارت تبحث في الشارقة عن قصور بني الأحمر. ومع ذلك فلن يدور في خلدها أن الواقف أمامها ربما يكون أحد أحفاد صقر قريش. سنكون منضبطين ونوافق على أن المهندسين الذين استدعتهم القيمة سيبتكرون خلفيات (ديكورا) للعروض. ولكن ماذا عن العروض؟ في بيانها المقتضب لا تظهر هاسيكاوا أي اهتمام بالفن العربي. لا تذكره بكلمة واحدة، حتى ولو على سبيل المجاملة. المرأة لا تنافق. لذلك علينا أن نحترمها. لديها مشروع واضح يتعلق بالحوش، وعليها أن تنفذه باتقان. ماذا عن البينالي؟ هل سيتم اختصار البينالي في هيأة حوش متخيل. لو استبدلنا آدم حنين باللبناني أمين الباشا أو المغربي فريد بلكاهية أو المصري عادل السيوي أو السعودي عبد الرحمن سليمان لما تغير من الأمر شيء. لا تنفع محاولة استحضار أي فنان عربي بديلا لحنين. قلت ان المرأة لم تذكر الفن العربي بكلمة واحدة. لا مدحا ولا ذما. فهي غير معنية به. ولا ألومها في هذا بل ولا أطالبها في أن تجهد نفسها في التعرف على أحوال الفن العربي التي لا تسر. ما جاء آدم حنين يبحث عنه لم يجده. صحيح انه وصل إلى المكان الصحيح، غير أن ذلك المكان صار ينكره. بل قل انه صار لا يتعرف عليه. ولو افترضنا ان فنانا عربيا آخر، قد هانت عليه كرامته وذهب حاملا ما يُعرف به (أوراقا وكتبا واسطوانات مدمجة وأفلاما) إلى تلك القيمة المستورَدة فانه لن يجد الأبواب أمامه مفتوحة. فالخبيرة التي حضرت من أجل أن تلقي درسها وهي في حالة صمم كامل لن تضيع وقتها في الاطلاع على ما لا ينفعها في عالم الاعمال. بيزنس. هناك ماكنة تعمل في مكان مجاور، لا من أجل الفن بل من أجل أن يكون العمل في الفن صفة يستطيع حاملها التقدم في مجال الاعمال الحرة المتعلقة هذه المرة بالفن. الخبيرة اليابانية ترى في الصحراء مجالا طيعا لتنفيذ مشاريع وهمية لن يسألها أحد عن قيمتها المستقبلية. وهي إذ طرحت (ثيمة) الفن الشرقي مقابل الفن الغربي وهو اطار مستهَلك لمفهوم قديم فانها تعرف أن ذلك الاطار يشمل كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه. المشكلة ليست في يوكو وفقها الله في مهمتها. المشكلة فينا. لقد صمتنا جميعا إزاء ما كان يحدث لبينالي الشارقة وهو يفك ارتباطه بفنون المنطقة ويسد أبوابه أمام فنانيها. كان وهم العالمية ولا يزال هو الجسر الذي يعبر عليه قيمو البينالي فوق فنون وفناني الوطن العربي وصولا إلى اقاصي آسيا أو أفريقيا. وما اختيار امرأة يابانية لإدارة البينالي والتخطيط له إلا جزءا من ذلك الوهم. كان من الممكن أن يكون البينالي نافعا للفن في المنطقة، حين يشرق بتجارب فنانينا على العالم، غير أن شمسه ظلت مقيمة في غرفة مكيفة. شاعر وناقد من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية