مرسي… رجل المصادفة والجماعة الذي يريد أن يصبح رئيساً والصدام الوشيك في مصر

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل بعد طول هجرٍ ونسيان هُرع أغلب المحللين والمراقبين والكتاب إلى خزاناتهم العتيقة ينبشون ويسترجعون ملكات تحليلٍ ونقدٍ قد تراكم عليها التراب طيلة ما يقارب الثلاثين عاماً حتى هزلت وضمرت ليطبقوها على د محمد مرسي في محاولةٍ لتحليل خطابه ليستشرفوا رؤاه ويقرأوا أفكاره وتوجهاته وما يبدو من نواياه… ولم يتوقفوا عند هذا الحد إذ جعل البعض يعايره ويزايد عليه لكسره ما قد أخذه على نفسه من وعودٍ فيما يتعلق بالإعلان الدستوري المكمل والمجلس المحلول والقسم أمام المحكمة الدستورية العليا لينبري لهم من يدافع عنه متذرعاً بقصر الوقت والظروف والمواءمات منادين بأن ‘أمهلوا الرجل قليلاً حتى يستقر ويلتقط أنفاسه’، ولست مبالغاً إذ أزعم أن تلك المزايدات وذلك النقد المستمر لعبا دوراً مساعداً في دفعه الى خطوة الصدام تلك التي كنت أتوقعها وإن كنت أراها أتت متعجلة، إذ لم يلبث الرجل حتى فاجأ الجميع (وربما نفسه) بإبطال قرار حل مجلس الشعب (صدر أثناء كتابة هذا المقال) متحدياً الجميع و’ملاكماً فوق وزنه’ كما يقول الإنجليز… و كل محاولات تحليل الخطاب التي أشرت إليها جمـــيلة ورائعة، بل ومبررة، فقد مرت مصر بمخاضٍ عظيمٍ مزلزل انكسرت على إثره ثوابت عديدة وأساطير شتى لعل أهمها في نظري هو ذلك الذي يتعلق بآلية إعادة إنتاج النظام لكوادره الإدارية وملء مناصبه ومراكز النفوذ والسلطة فيه، ومن هذا المنطـــلق فلا جدال في أن انتخاب د مرسي، بغض النظــر عن تحفظاتنا عليه وآرائنا فيه، ليعدُ علامةً فارقة لما يدل عليه من اضطرار النظام لتقــــديم تنازلاتٍ، ولو شكلية، تطال تلك المناصب العـــليا ويؤكد على ما تستشعره أركان الدولة العميقة من ضغطٍ شعبي وتوتــــر في زمنٍ مغايرٍ معادي يرصد تحركــــات قادة الأجهزة الأمنية وتعيــيناتهم وترقياتهم بتدقيقٍ حثيث مسترجعين في ذلك أداء هؤلاء المسؤولين إبان أحداث الثورة الدامية ومدى تلطخ أيديهم بدماء الشهداء. إن كل ما سبق يرسخ القناعة بأننا أمام واقعٍ جديد يستلزم ويستدعي نظرةً مختلفة وتحليلاً للخطاب؛ لكن الإشكالية الكبرى في نظري تكمن في عدم تقدير مدى سيولة الوضع وغموضه وحدود ذلك التغيير (الذي نعترف به..) بدقة مما يقود إلى تصوراتٍ غير واقعية عما حل بالنظام وعن دور د مرسي ومقدار سلطته، فنرى الكثيرين خلال العشرة أيامٍ الماضية، بعد أن يستهلوا حديثهم بالتنبؤ بصراعٍ بين الجماعة والدولة (وهو ما أتفق على حتميته)، ينساقون وراء ما ألفوا فيسقطون على الرجل تصوراتهم ويسبغون عليه من القوة ما لا يملك ويحاسبونه على ما قال وفعل (وهو الأقل بطبيعة الحال) وعلى ما وعد ولم يفعل (وهو الأغلب)… وهم في ذلك يغفلون الآليات الأساسية التي وصل عبرها الرجل إلى الرئاسة، وكأن صفقةً لم تحدث للقبول بانتخابه، وكأن ضغوطاً لم تبذل من قبل أمريكا، وكأن النظام قد تغير فعلاً، وكأن مرسي كان معداً لهذا الدور أو المفضل من الجماعة أو مرشحها الأول، وكأنه ذو صلاحياتٍ حقيقية كالتي كانت لسابقيه ‘يملك ويحكم’…. وكأن وكأن وكأن… لا يا سادة، إن النظام لم يسقط…. وإنما هي الجماعة سقطت في فخ النظام فخسرت الكثير… وهي تحاول الآن استعادة رصيدها الشعبي ومن ثمة الاستحواذ على نصيبٍ من السلطة الحقيقية وإحلال كوادرها في نسيج الدولة والنظام…. ود. مرسي ليس رئيساً بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هو منزوع الصلاحيات لا مُعطلها فقط، وما خطوته تلك إلا محاولةٌ يائسة لاستعادة ما حُرم منه وممارسة تلك السلطات والتأكيد على وجوده لإثبات وتحقيق واقعية التغيير والمروق به من الحيز الشكلي إلى المضمون. وإذ نقترب من هذا المنعطف الخطـــير الذي يؤذن بتطـــوراتٍ درامية قد لا تخلو من العـــنف يتعيــن علينا تحليل وجه الخطأ والتجاوز في التعــــاطي مع ظـــاهرة د مرسي، الرئيس المنتـــخب الأول، عن طريق تنـــاول المحطات الرئيســية التي طرأت منذ الثورة على العلاقة القديمة والمعقدة بين الجماعة والنظام.

أحسب أن الكثيرين باتوا يتفقون معي الآن فيما أكدته دائماً وذكرته مرةً أخرى في بداية المقال من كون المجلس العسكري تحرك مضطراً تحت ضغط الثورة الشعبية ليتخلص من مبارك ورموز نظامه من ذوي الأسماء والوجوه المعروفة للجمهور، وقد أتبعوا ذلك بعقد تحالفاتهم مع فصائل القوى الإسلامية والجماعة تحديداً لتفتيت الكتلة الثورية فيما بات الآن سراً معلناً… يجوز أنه يبدو أن النظام استفاد أكثر من الجماعة إذ أتاح له ذلك التحالف فسحةً من الوقت مكنته من التقاط أنفاسه ومحاولة ترميم كيانه المهان والجريح، ويجوز أنه في نهاية المطاف التف حول الجماعة (وسائر الفصائل الإسلامية) ليحرمهم من مكاسبهم ويحد من احتمالات حصولهم على سلطات حقيقية عبر حل مجلس الشعب والإعلان الدستوري المكمل، إلا أن ذلك لا ينفي كون الطرفان قدما العديد من التنازلات: تنازل النظام (والمجلس العسكري) عن أن يأتي الرئيس من قلبه، من مؤسسته العسكرية التي عودتنا على تزويد النظام بكوادره في المواقع الأكثر حساسيةً ومفصليةً وفي المقابل وفرت الجماعة غطاءً شرعياً لكل جرائم النظام مما جعله ينفرد ببقية فصائل العمل العام، وخاصةً اليسارية منها، مما تسبب في فقدان الجماعة قسطاً ضخماً ومهماً من رصيدها الشعبي.

لكن تبقى حقيقة أن الإخوان ضحوا أكثر من النظام وارتكبوا نفس الخطأ القاتل الذي يشبه مرضاً مزمناً فيهم: راهنوا على العسكر، ولما قبلوا بالصفقة بمحض إرادتهم فقد رضوا بأن يلعبوا على أرضية النظام ووفق شروطه حتى وصل د مرسي إلى المنصب مقلم الأظافر منزوع الصلاحيات… تحت الضغط قرر النظام والدولة العميقة القبول بمرسي رئيساً شكلياً ولجأوا إلى تجميد مؤسسة الرئاسة، تلك التي عرفناها كلية القدرات والجبروت ممسكةً بكل الأطراف حتى إشعارٍ آخر وحصرها في الشكليات من نوعية جمع القمامة (التي يبدو أنها تشغل الدكتور مرسي كثيراً)… قرر النظام تجميد رأسه والعمل بقلبه الأمني-الاستخباراتي ريثما تحين اللحظة المواتية وتصل تجربة ذلك الرئيس والجماعة من ورائه إلى الفشل التام فيتمكن من كنسه إما إزاحةً أو عن طريق صناديق الاقتراع، وإني لأجزم بأن ذلك يفسر ما بدا من توجس د مرسي في خطاباته وخوفه العميقين من المؤسسة العسكرية وحرصه على ممالأتها وتملقها وتهدئة خواطرها بالإضافة إلى حرصه في نفس الوقت على أن يبدو بسيطاً وشعبوياً على سجيته ليكتسب تعاطف الجمهور الأعرض ويعيد استمالة الشارع الذي نفر من الجماعة ويحشد الشعب وراءه ليستقوي به أمام نظامٍ متنمرٍ له لا يغفر لهذه الثورة إهاناته وما أجبرته عليه من تنازلات ويتحين الفرصة للانقضاض عليها بعد تفريغها من محتواها.

أعود فأكرر أن د مرسي فاجأنا جميعاً بهذه الخطوة، فهي ليست متعجلة فحسب وإنما تتميز بالصدام مع كل الأطراف ومعاداتها (فيما عدا الجماعة وسائر الأحزاب الإسلامية الممثلة في المجلس بالطبع) فقد عادى المجلس العسكري وأعلى سلطة قضائية في البلاد والكثير من القوى والمفكرين في بلدٍ منقسمٍ على نفسه… وكأني به أدرك الكمين الذي أوقع هو وجماعة الإخوان المسلمين فيه أنفسهم حيث حُرموا من المجلس وأي سلطةٍ فعلية وتسلموا منصباً شرفياً فارغاً ليساقوا ويُسار بهم إلى فشلٍ ذريع يلامون عليه ويُلصق بهم وتكتمل صورة الإخفاق بحملةٍ شعواء من قبل إعلامٍ غير نزيه ليس أحب إلى قلبه من التشنيع والتقبيح لكل ما تقوم به الجماعة.

في يقيني أن د مرسي (والجماعة خلفه) قرر القفز إلى الأمام… قرر أن يقامر ليستعجل الصدام الحتمي الآن قبل أن يحدث وقد لحق بتجربته الفشل وفقد رصيده تماماً في الشارع… قرر أن يحرج المجلس العسكري ويضعه في مأزق الخيار بين الكشف عن رفضه لرئاسته ونواياه الانقلابية وبين ابتلاع هذه الإهانة مما سيكرس من وضعه كرئيسٍ فعلي ووضع الجماعة معه.

لا أستبعد أن تكون الحال قد تغيرت حين يمثل هذا المقال للنشر، وربما يخرج الصدام من حيز الاحتمال إلى نطاق الواقع الذي قد يكون دموياً… لا أستطيع أن أجزم بشيء، إلا أنني أراقب وأتخوف… أتخوف لعلمي بأن ما يقارب التسعة وأربعين بالمائة كانت قد أدلت بأصواتها للفريق شفيق… تسعةٌ وأربعون بالمائة فضلت نظام مباركٍ كأغبى وأقبح ما يكون قمعاً وفساداً، وعليه فإني أدرك أن الانقلاب لو حدث فإنه سيجد للأسف الشديد من سيدعمه إما صراحةً أو بالصمت الموافِق المرحِب… استعصاءٌ بشع ذلك الذي وصلــــنا إليه حيث تتمــــزق مصر بين فصيلين رجعيين، لكن طريق العودة للوراء بات مسدوداً… علينا أن نتعلم من أخطائنا آملين وعاملين صوب أن يصبح هذا الاستعصاء رافعةً لتخطي هذه الثنائية المقيتة وعنواناً لانتصاراتٍ مقبلة.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية