سعيد السوقايلي
الشعر هو فن العيش والحياة بامتياز، هو أسلوب أكثر من كونه ممارسة لغوية، أسلوب التأمل والخيال والابتكار، فن التذوق والتأنق وتمثل الجمال ودرء القبح، إرث جمالي لكل أمة، هو روح الجمال المنفوخة في الحياة، والحمية الجميلة للتخلص من أنواء المادة… إنه في كل هذا عقيدة جمالية يعتنقها الإنسان الذي يترصد المخزون الجمالي في الطبيعة والعالم، ذلك المخزون الذي يكاد ينفد أمام حياة صنعت على أنقاض الشعر نفسه، حياة جعلت من الإنسان هدفا وليس معبرا على حد تعبير نيتشه، الهدف الذي رسمت دريئتَه عولمةً السوق، فحولت الكائن إلى آلة نهمة، متحجرة الخيال، متبلدة الحواس، طاحونة لبلع أخر صيحات الإنتاج؛ وبالمقابل من يصنع هذا الإنتاج، ومن يسوق له؟ طبعا، نخبة ماهرة، تبتكر جمالا اصطناعيا، وتتوخى ترويجه بأساليب غاية في الذكاء والجمال أيضا، هذا إن تساءلنا عن الوظيفة الروحية والقيمية لكذا منتوج! لقد حولت الميديا والتقنية الذكية الإنسان عنصرا مسلوب الإرادة، بارد التفكير، فاتر الخيال، بضربة زر وهاهو العالم أمامه، مزيفا وافتراضيا، يبتلعه ابتلاعا، فأفقده علاقته بوجوده وطبيعته، وحرمه لذة الاكتشاف والتفكيك لإشكالات يعيشها، فأنكر، بذلك، الإنسان على نفسه قيما روحية هي قوام وجوده، وتخدر وعيه بحقيقة الموت والحياة ولغزهما، ولذة الحب وصنوفه، وفقد الإحساس بالزمن والمكان الفيزيائيين اللذين وهبتهما إياه الطبيعة على حساب نظيريهما الافتراضيين، لقد كان الإنسان قديما قريبا من الطبيعة، متلمسا إياها، عارفا بخباياها، متلذذا بأسرارها وهباتها، لذلك وجدناه آنذاك قد عاش الحقيقة في شكلها المباشر، خلافا لإنسان اليوم، الذي زادته الآلة رهقا، ما فتئت تقدم له عالما مزيفا وحياة مستسهلة إلى حد الملل، بمبتكراتها وخدماتها العجيبة، حياة تتبطن البؤس أكثر، وتتقنع بجمالية مادية قابلة للاجترار ومنذورة للقمامة، فعرضت روحه وجسده لأكثر من مرض عضال، سرعان ما شرع في هروبه من مدنيتها إلى أدغال افريقيا وشطآن وخلجان آسيا وأمريكا الجنوبية حيث الحياة البكر واللحظة المسكونة بجمال المكان وسحره.
في كل هذا، أين الحاجة إلى الشعر والشعراء؟ وهل ما زالت وظيفته سارية المفعول كما السابق؟ إلى حد بعيد تصدق مقولة هولدرين القائلة بأن ما يبقى يؤسسه الشعراء. وأي شعراء؟ هل أولئك السكارى الذي يتعاقرون كؤوس الخيبة والتهميش خارج الحياة الحقيقية؟ أم أولئك الأبواق المتشاعرة التي تستسهل الخيال الشعري وعدته الفنية؟ أم المتوحدون ثقافيا، الزاعمون بالحقيقة الوحيدة، الماسكون تحت قبضاتهم زمام الحداثة، المعلنون، سفاحا، عن أبوة هجينة؟ أقصد، من دون أولئك، الشعراء الواثقين بصنعتهم الشعرية، الواعين بالإشكالات اللغوية والتواصلية الراهنة، المحاذين للذائقة المعاصرة لهم، المبتكرين للغة معاصرة ترفد صورا واستعارات وموسيقى وخيالا تليق بحاجيات الجمهور التي يطلبها في نواح أخرى أكثر حداثة وتماشيا مع روح الحياة العامة، الشاعر الحقيقي هو ذلك الذي ينهض بالهامشي، ويمسح الغبار عن المنسي، الملمع لما لطخته الآلة البشرية ودمرته، الباعث للحياة في حياة شحبت وهي تلهت وراء إفرازات الحضارة الصناعية، حضارة الإسمنت والحديد، إنه ذلك الشاعر الذي يمنحنا منظاره الروحي لنبصر به ما عمي عنا، نصوبه نحو دواخلنا متى تحجرت حواسنا، أو نحو أمنا الطبيعة التي تنوء بشغبنا الذي من فرط جشعنا لم نعد أولئك الأطفال الراكضين في دهشتها، حالمين بالعالم البريء الذي صورته قبل وفادتنا عليها؛ كل منا يسكنه شاعر شبح، يوقظه متى توافرت الظرفية، كل منا تربى على قصائد الشاعر وكلماته وموسيقاه وعالمه العجيب، كل منا نال نصيبه من ذلك الذوق المهذب الذي ساهم فيه الشاعر إلى جانب كل ممارس لفن جميل، فحين تحين لحظة الإبداع تجد المهندس والمصمم وتقني الميديا والخطيب السياسي وغيرهم ممن يتغيى صنع شيء جميل، أو يرمي إلى التأثير في جمهور ما، يستحضر روح ذلك الشاعر الفنان، فيحول كل خام تحفة تنم عن ذوق شاعري، فلماذا، نحن- الأفلاطونيين الجدد نتناسى الشعر وأهله؟ تماما كما فعل أفلاطون الذي أخطأ وطرد الشعراء من مدينته، لكونهم ليسوا بصناع أوحرفيين أو جنود، ولم يع، آنذاك، بأنهم أيضا صناع جمال، ومستشارون له، كيف إذن؟
ألا تسكن روح الشعر كل من يصنع السينما والميديا والإشهار ومصممي السيارات والملابس والمعمار والتقنية الذكية الباهرة المصممة وفق قالب أنيق لا تضاهيه سوى قصيدة عصماء؟ أليست السينما هي حرفة شعرية بشكل مرئي؟ وهي التي تتكئ على الرواية التي تستلهم روح الشعر ولغته أيضا، أو ليس كل هذا هو البحث عن الخارق الجميل، المكتشف لخبايا الكون وآفاقه العجيبة كتلك التي يسافر إليها الشاعر بلغته وخياله وصوره التي لا تسعفه في التجسيد والتجسيم؟ ألا يستطيع الشاعر، بين هذا الزخم من الابتكار الخلاق، أن يثبت قدمه ويقول كلمته، ويدلي بقدراته ومواهبه؟ وهل في الأمر عيب أن نجد شاعرا رفقة كاتب السيناريو والمخرج، كمستشار جمالي، يعينهما في مراجعة حوار ذي لغة شاعرية متكلفة جدا، أو في مشاهد ذات أبعاد خيالية خارقة، أو رفقة صانع الإشهار ومصمم أي منتوج تسويقي؟ يحتاج إلى بلاغة واستعارة عميقتين تشد انتباه المتلقي وذوقه… ولكم أستغرب اليوم كون أباطرة التصنيع والتسويق يستلهمون الشق المادي الجميل للشعر ويتعامون عن نظيره المعنوي المفعم بروح القيم الانسانية التي تضمن التوازن الروحي والنفسي للمتلقي والمستهلك؟ أعتقد أن ذلك سيكون من المفيد، مادام عصرنا عصر شاعري بامتياز ينقل الإنسان إلى عوالم لا يجيد فتحها سوى من تسكنه روح الشعر الحقيقية.
إن أهمية الشعر وضرورته، باعتباره فنا جميلا، كأهمية الفنون الأخرى التي تنهل منه دون امتنان، من الغناء والموسيقى والنحت والتشكيل وحتى التي يمكن أن نسميها فن الميديا المعتمدة على الصورة إلى أبعد حدودها الاستعارية؛ المشكل ليس في الشعر ولا في الشاعر، بل في العدة اللغوية وطريقة التواصل، بعد أن حلت الصورة مكان الكلمة واستقطبت عيون وآذان الجماهير، فعلى الشاعر أن يعيد النظر في أدواته الفنية كاملة وفي وظيفته التي تقادمت، وأن يكف من غلوائه بكونه مالك الحقيقية وسادنها، وأن يتخلى عن وظيفة البؤس والتهميش التي أصبحت اليوم مهنة بائسة لشعراء لا يعون دورهم الجمالي، أولئك الذين لم يغادروا بعد كل مُتَـرَدَّم، ولم يعودوا يعرفون، واهمين، كل دار من ديار الحداثة، كما تفعل باقي الفعاليات الفنية والثقافية راهنا، لينزل من برجه الخرب إلى الحياة العامة حاملا حقيبة خياله، ويتوجه إلى أقرب محل يصنع فيه فن الجمال من أجل عيش وحياة جديدين. *كاتب من المغرب [email protected]