فارنبوره (بريطانيا) – رويترز: اتجهت شركتا ايرباص وبوينغ اللتان تخوضان أشرس معركة بينهما على الحصص السوقية منذ أكثر من عقد إلى معرض فارنبورو للطيران امس الإثنين بتخفيضات في الأسعار تهدف إلى اقتناص طلبيات كبيرة لأحدث طائراتهما نحيفة البدن وهو ما قد يسبب ضررا محتملا لهوامش الربح في المستقبل.
فمن أستراليا إلى إندونيسيا، ومن الولايات المتحدة إلى النرويج، وكذلك في تركيا في الآونة الأخيرة، أمضى عملاقا الطيران بحسب معلومات رويترز شهورا في الاستحواذ أو الدفاع عن الحصص السوقية إذ تسعى ايرباص الأولى عالميا إلى التوغل بعمق داخل مناطق بوينغ بينما تعهدت الأخيرة علنا بالدفاع عن القسمة التقليدية للسوق 50-50 . ومع افتتاح ايرباص مصنعا لتجميع الطائرات في عقر دار بوينغ هذا الأسبوع أصبح لمعركة الشركتين خلف الكواليس تداعيات على الطائرة A320 المقرر بناؤها على الأراضي الأمريكية وربحية طائرة بوينغ المنافسة 737. وقد تؤدي نتائج هذه المعركة إلى صياغة مسار قيادة الرئيسين الجديدين لكلا الشركتين، وهما الفرنسي فابريس بريجييه رئيس ايرباص وراي كونر رئيس بوينغ وكلاهما شديد الحرص والتحفظ في التواصل مع الإعلام.
وقد وصل الرجلان إلى معرض فارنبوره للطيران الذي افتتح امس ويستمر حتى الخامس عشر من الشهر الحالي تحت ضغط لإنهاء فترة من المخاطرة واطلاع المستثمرين على صورة واقعية مع هوامش أرباح يسهل التنبؤ بها.
وشهدت الفترة الأخيرة معركة على صفقة طائرات ضمت ما بين 40 و50 طائرة بقيمة إجمالية تتراوح بين أربعة وخمسة مليارات دولار طلبتها شركة بيغاسوس ايرلاينز التركية للطيران منخفض التكلفة. وقالت عدة مصادر مطلعة على الأمر لرويترز إن بوينغ قاومت سعي ايرباص لاصطياد أحد عملائها.
وتسعى شركة الطيران التركية مثل كثير من الشركات إلى الاستفادة من تعزيز كفاءة استهلاك الوقود بنسبة 15 في المئة وبالتالي تحقيق خفض كبير في التكاليف وهو ما توفره أحدث طرز الطائرات النفاثة المحسنة من ايرباص الأوروبية ومنافستها الأمريكية بوينغ.
وأبلغت عدة مصادر رويترز طالبة عدم الإفصاح عن هويتها أنه كما حدث في سلسلة معارك أخرى في العام الماضي سعت بوينغ إلى اتخاذ إجراء مضاد بعدما شاهدت منافستها تستهدف أحد عملائها. وتقول ايرباص إن هذه منافسة طبيعية. وقال علي صابونجي الرئيس التنفيذي لشركة بيغاسوس لرويترز ‘نحن في مرحلة التفاوض. لم يتم اتخاذ قرار بعد’. وتتنافس ايرباص وبوينغ على نصيب الأسد من سوق الطائرات النفاثة العالمية التي تقدر قيمتها بنحو 100 مليار دولار سنويا.
ورغم أن اقتصادات العالم تتباطأ، إلا أن الطلب على الطائرات مازال قويا نسبيا مع سعي شركات الطيران لتحديث أساطيلها للتصدي لارتفاع تكاليف الوقود ومع ميل ميزان النمو باتجاه آسيا وهو ما دفع بوينج إلى رفع توقعاتها في الآونة الأخيرة.
ووفقا للأسعار المعلنة فإن قيمة الطرز المفضلة من الطائرات نحيفة البدن وهي ايرباص320 وبوينغ737 تتراوح بين 80 مليون دولار و90 مليونا للطائرة الواحدة لكنها تباع بخصم. وقال سكوت هاملتون محلل الطيرن المستقل ‘تشير معلوماتنا إلى أن الطائرات نحيفة البدن تباع بخصم يصل إلى 50 بالمئة’. واذا كان لا يمكن التحقق من ذلك بدقة واذا كان السعر ليس العامل الوحيد في المفاوضات، الا ان هناك أمرا واحدا مؤكدا وهو أنه إذا كانت هناك حرب أسعار فليس ثمة اتفاق على هوية الطرف الذي بدأ الحرب. ويتهم كل طرف الآخر بدفع الأسعار إلى الانخفاض لكن كليهما يقول إنه تضرر من هذه العملية.
وقال راندي تينسيث نائب الرئيس لشؤون التسويق بالقسم التجاري في بوينغ للصحافيين في لندن الأسبوع الماضي ‘إذا نظرنا اليوم إلى سوق الطائرات نحيفة البدن نجد أن التسعير تنافسي للغاية. لقد شعرنا ببعض الضغوط’. وتصر ايرباص على أن بوينغ هي من زعزع استقرار السوق في محاولة منها لتدارك نجاح الطائرة A320 نيو التي قادت ايرباص للتفوق على بوينغ بفارق قياسي في المنافسة على الطلبيات العام الماضي.
وقال جون ليهي رئيس المبيعات بالشركة الأوروبية المولود في نيويورك ‘هم بدأوا حرب أسعار. أعتقد أن هذا يكشف الوضع اليائس الذي وصلوا إليه. الطائرة ماكس لا تضاهي الطائرة نيو. إنهم يكتشفون ذلك ويضطرون لتقديم خصم’. وتأتي هذه المعركة بعد مضي عشرة أعوام على حرب أسعار في عملية بيع طرز مشابهة إلى شركات طيران منخفض التكلفة مثل ايزي جت الأوروبية والتي وردت ضمن وثائق النزاع بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن الدعم الحكومي.
وقال ظفر خان محلل قطاع الطيران لدى بنك سوسيتيه جنرال في لندن ‘تسعير الطائرات نحيفة البدن مهم لأن هذه الطائرات تمثل حوالي 75 في المئة من الإنتاج’. ويضيف خان ‘نظرا لأن معظم تكاليف البحث والتطوير دفعت بالفعل فإن هذه الطائرات تدر مبالغ طائلة وأي مبالغ إضافية تحصل عليها (من السعر) تذهب إلى صافي الربح مباشرة’. وأي ضرر لهوامش ربح الطرز المحسنة لن يظهر إلا بعد تسليمها في عامي 2016 و2017، لكن البعض يخشى أن تتعرض الطرز التي يجري إنتاجها حاليا لضغوط أيضا.
فالسيولة التي تحققها الشركتان من الطائرة بوينغ 737 والطائرة A320 والتي تبدأ بدفع مبالغ مقدما تستخدم لتمويل البرامج الأكبر حجما والأكثر مخاطرة مثل A380 وبوينغ787. وترتبط المعركة بين بوينغ وايرباص بالاستراتيجية بقدر ارتباطها بالانتصارات التكتيكية.
ففي حالة الاحتكار الثنائي يكون من الحكمة إبقاء الخصم على مقربة منك. فلا أحد من الطرفين يتحمل أن ينخفض نصيبه من هذه السوق المقدرة بتريليوني دولار في العشرين سنة القادمة عن نطاق 45-55 في المئة النموذجي الذي يميز الاحتكار الثنائي.
ويقول نيك كنينغهام الشريك المدير في شركة ايجينسي بارتنرز للأبحاث ومقرها لندن ‘بوينغ تصر على أن هناك حرب أسعار مع ايرباص آتية إلى أراضيها وأنها لا تستطيع قبول حصة 58/42 أو 60/40’. ويضيف ‘هذا سيعني أن عدد الطائرات التي ستبيعها بوينغ سيكون ثلثي مبيعات ايرباص وهو ما يعطي ايرباص ميزة استثنائية على مستوى التكلفة ويعني أنك تنزلق إلى الهاوية’. ويتوقف الأثر السلبي لحروب الأسعار على أرباح الشركتين على نطاق هذه الحروب ومداها الزمني وقدرة كل طرف على خفض التكاليف.
وتهون شركة بوينغ من شأن توقعات بالحصول على طلبيات ضخمة في معرض فارنبوره، لكن الأنظار ستتجه إلى تصريحات الإدارة العليا الجديدة للشركتين وإلى أي تهديدات أو عروض لإقامة السلام قد تطلقها الشركتان عبر وسائل الإعلام إلى بعضهما البعض.
يقول كنينغهام ‘ايرباص وبوينغ يشكلان احتكارا ثنائيا ولا يمكنهما التصادم لكن من الممكن أن يرسلا إشارات إلى بعضهما البعض. وبوينغ ترسل إشارة واضحة إلى ايرباص تقول إذا خفضتم الأسعار لكسب حصة سوقية فلن نسمح بذلك ولنتضرر معا’.