فادي داوود وخطوط الطرب

حجم الخط
0

د. عائشة البصري

كان جورج سورا رائد المدرسة التنقيطية يرسم نقاطا متراصة تختلط تلقائيا في عين المشاهد ليظهراللون بكل ظلاله. أما الفنان الأردني الشاب فادي داوود فإنه استغنى عن النقاط وتبنى الخطوط كتقنية أعادت صياغة موضوع الموسيقى والطرب حسب رؤيا متميزة تؤكد مقولة الرسام الفرنسي هنري ماتيس أنه بإمكان الفنان أن يكشف عن السماء والبحر حين يرسم خطا أفقيا واحدا. فادي داوود يكشف عن أكثر من سماء وأثير عبر اشتعالات آلاف الخطوط الأفقية، العمودية، المائلة، المتصلة أو المنكسرة.

خطوط متحركة، مهرولة وأخرى متوترة تكاد تكسر وتر العود وأعصاب حنجرة أم كلثوم الذهبية. إنها خطوط الطرب التي يقترن فيها الفرح بالحزن ويزاوج الشعر آهات ومواويل تشّبع بها الفنان منذ طفولته التي زامنت انطلاقة رواق البلقاء للفنون في الفحيص، مسقط رأسه، تلك البلدة الجميلة الضاربة في القدم والمحاذية لمدينة عمان. فادي داوود، فنان شاب لايتجاوز عمره الـ28 سنة عزف عن ميولات جيله إلى الكليبات والهيب هوب ليحتفي برواد الطرب العربي الأصيل وعلى رأسهم أم كلثوم، فيروزو فريد الأطرش والموسيقى العالمية التي تمثلها لوحة بافاروتي. إنه حفل موسيقي تعزف فيه ريشته على العود والمزمارو القانون والدف، بل تتجاوزهم إلى الأكورديون والكمان لتتحول اللوحة الى فضاء حفل موسيقي بهيج.

هكذا يعالج الفنان موضوع الموسيقى والطرب معالجة تشكيلية ترقى عن التدوين ومحاكاة الواقع ليتعدى ظواهر الأشياء، يغوص في عمق الموسيقى ثم يرفع الستار عن عالم الفنان الذي تتجلى فيه الإنفعالات الخفية للمطربين. إذ يتمدد عنق أم كلثوم إلى لانهاية وتتعدد أياديها وهي تتغنى بالأطلال بكل كيانها. لاشك أن لوحات فادي داوود تشكل وصفة خاصة إختلط فيها البعد الرابع لدى التكعيبيين وما إنتهى إليه تيار الأورفية في تصوير الأشياء كأنما ينظر إليها من زوايا مختلفة، مع ميولات نحو التحرر من ثقل الشكل وسطوته عبر إستحضار وصفة الفنان جورج بهجوري الإنسيابية. ومن الواضح أيضا أن الفنان الشاب نجح في إعادة صياغة هذه التأثيرات في عالم نفخ فيه روحاً جديدة. فادي داوود لا يقف عند المتعة الدنيوية بل يرقى بالطرب الى أسمى تجلياته الروحية، إذ تتمايل ريشة الفنان إحتفاءا برقصة الدراويش التي تبعث بنشوة صوفية ترقى بالنفس إلى صفاء روحي وتسعى للإقتراب من الذات الإلهية. تتقاطع الخطوط لتتواصل من الطربوش الى التنورة ثم تلتف لتشكل دوران الدراويش حول أنفسهم. شطحات صوفية تبحث عن الإشراق والتجلي وتنقل حالة وجد لايعرفها الا العابد الزاهد.

فادي داوود فنان شرقي بإمتياز، تنصهرمرجعيته المسيحية مع ثقافته العربية في غمار الموسيقى والطرب. يظهر هذا جليا في إحدى لوحاته بعنوان ‘عشاء ما بعد العشاء الأخير’ إشارة الى اللقاء الأخير للسيد المسيح مع تلاميذه. مخيلة الفنان تجاوزت هذا الحدث لتسرد قصة في قمة الإثارة والإبداع يعزف فيها عدد من الرسل الإحدى عشر على آلات شرقية بينما يقوم السيد المسيح بتعميد شهيد سكب على مائدة روحانية. مما يجعل المشاهد يتساءل عما إذا كانت عين داوود تكشف هي الأخرى عن نفس الترتيلة الروحية التي كان قد إكتشفها الموسيقار الإيطالي جيوفاني ماريا بالا في لوحة ‘العشاء الأخير’ ليوناردو دافنشي.

يحتفي عالم داوود بالموسيقى والطرب، بالدنيوي والروحاني، بالسماء والأرض في آن واحد، فتتداخل زرقة السماء في خامات ألوان ترابية هادئة تميل الى النبطية، ثم تشتعل لوحاته بالأحمر وهو لون الحب والنار والورد والطرب.* كاتبة من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية