العرب بين حلاوة الديمقراطية ومخططات التقسيم

حجم الخط
0

عاشت الشعوب العربية على مدى عقود انحرافا عن خطّ الحضارة والنّماء نتيجة الاستعمار ومن بعده حقبات طويلة من الديكتاتورية استُنزف خلالها المواطن العربي فكرًا وقِيماً. لكن مع قيام ‘الثورات العربية’ بدأت ملامح مرحلة جديدة بالظهور بما في طيّاتها من متغيّرات عدّة وبما تحمله من رهانات مستقبليّة ولعلّ أبرزها الرهان الديمقراطي الذي تتوق الشعوب العربية لتذوّقه واقعاً وليس تنظيراً، لكن في المقابل يجب أن نكون على تمام الوعي بالتحديات التي يطرحها هذا الرهان أمام المشروع الاستعماري المستمر ذي الوجه الرأسمالي المتوحّش حيث تبقى معادلته ثابتة لا تتغيّر فهو ينظر إلى الشعوب على أساس مصْلَحيّ يقوم على أنّها (أي الشعوب والدول الأخرى) ماهي إلا مناجم للمواد الخام وأسواق كبرى وجب استغلالها.

هذا المشروع الديمقراطي الوليد يجب أن يكون على دراية بكل هذه المعادلات وبالتالي لابدّ من العمل على تنشئة جيل جديد متشبّع بقيم الحرية والديمقراطية والاستقلالية (غذائية، اقتصادية، سياسية،…) بمنأى عن القوى الرأسمالية مما يفتح الطريق نحو بروز رأي عام جديد يؤثّر في القرار السياسي عبر آلية الانتخاب لاختيار نخبة سياسية تكون قادرة على حماية مصالحه وتحقيق استقلاليته، هذا الرهان الديمقراطي إذن مرتبط برهان استقلالية القرار السياسي الوطني بدرجة أولى.

لا بدّ من التنبه للرهان الاستعماري المقابل وكنتيجة حتمية لذلك سنشهد صراعا بين هذين المشروعين المتناقضين. لا يمكن أن ننتظر دعما من الغرب ‘للربيع العربي’ نظرا لمنطق تبادل / صراع المصالح الذي يحكم كل العلاقات الكونية، إذ تميّزت الرأسمالية الغربية منذ ظهورها بنزعة استعمارية تبحث عن مواد خام وأسواق كبرى لتسويق منتجاتها لكن أيضا نعتقد أنه لن يكون هناك تدخّل استعماري مباشر مثلما حدث خلال القرن التاسع عشر أو كما حدث في العراق حتّى، فالعالم بدأ بإعادة التشكّل من جديد وهذا التشكّل يهددّ ما ساد خلال العقدين الماضيين باحتكار قطب واحد بقيادة أمريكا مع أوروبا للقرار السياسي العالمي عبر فرض عقوبات اقتصادية أو ضربات عسكرية استباقية لشل أي حركة مقاومة محتملة، كل هذا سينتهي ويتشكل عالم جديد متوازن لكن له نفس منطق: تبادل / صراع المصالح.. بقدر إدراكنا لحقيقة الأنظمة الرأسمالية المتوحشة والمتغوّلة فإننا نعي أيضا مدى ‘تفاني’ تلك الأنظمة في صياغة سياسات تتماهى ومشاريعها مهما كانت العقبات ومهما كان الطريق متعرّجا وطويلا إذ الهدف هو الوصول للغاية مهما كانت الوسيلة بتبنّي ‘الميكافيلية’ كمنهج حياة لا حياد عنه.

نعلم أيضا ان الغرب الرأسمالي يحاول جاهدا تطويق وتطويع ما يحصل في العالم العربي لمصلحته من خلال وسائل إعلامه العملاقة ومؤامراته وسياسة الابتزاز التي يمارسها سرا أو علنا بكل صفاقة (قضية تمويل المنظمات الأهلية المصرية، فرض كل أنواع الوصاية لمنح القروض للدول العربية التي شهدت ثورات المنكوبة اقتصاديا). لكن تبقى أخطر تلك السياسات سياسة بث الفتنة والفرقة بين أبناء الشعب الواحد سواء على أساس طائفي إثني أو عرقي أو قبلي… ، وهذه السياسة لم تكن وليدة اللحظة لأنه كما سبق وأشرت فإن الوجه الإيجابي الوحيد لهذه الأنظمة هو مدى دقّتها وصرامتها في التخطيط على المدى البعيد حيث لا مجال لترك الأمور للصدفة ودراسة جميع التفاصيل أمر مقدّس، قلت هذه السياسات ليست وليدة اللحظة بل نتيجة عقود طويلة من الاستعمار عَمِل خلالها المستعمِر جاهدا من أجل بذر اسباب الفرقة وعدم الوحدة بين أبناء الشعب المستعمَر الواحد وذلك لهدف قريب وهو إجهاض كل محاولة للمقاومة ممّا يمكنّه من خيرات البلد المحتل وحُكمه وإذلاله دون عناء، وهدف بعيد المدى يتمثل في القضاء تدريجيا على أي أمل وحدة مستقبلية لأنه يدرك جيدا أنه سيُدحر لا محالة من الأراضي التي اغتصبها (باستثناء الحالة الفرنسية الجزائرية حيث كانت فرنسا تعتبر الجزائر جزءا لا يتجزأ منها وخرجت منها فقط تحت ضربات المقاومة الباسلة) وبالتالي ما قام به من بذر للفرقة وأسباب الانقسام يُعدّ من باب الحملات الاستباقية، فقد عمل على تمزيق الوحدة الحضارية التي جمعت ووحّدت شعوبا بتشتيت ذلك التراث الحضاري المشترك دينا ولغة وثقافة.

كان من أولويات الأنظمة الغربية تقسيم جسد الأمة عبر حدود سطّروها هم وزوّقوها لا ناقة لنا فيها ولا جمل هدفها جعل الأمة جسدا بلا روح فأقاموا تحت ما يسمّى ‘بالثورة العربية الكبرى’ أواخر العشرينات من القرن الماضي أقاموا إمارة فوق كل بئر بترول اكتشفوه وقاموا بدعم العرب عندما انتفضوا ضد الدولة العثمانية بكل ما أوتوا من وسائل وخبرات وأوهموهم بمستقبل زاهر حر ومستقل وكان ذلك المسمار الأخير في نعش الإمبراطورية العثمانية وأول مسمار في النعش المصنوع حديثا آنذاك للعرب ومن قبلها اتفاقية سايكس بيكو وما تلاها من تقسيم وهجرات يهودية لجعل العرب دائمي الانشغال بالورم السرطاني الآخذ في الانتشار في جسدهم. كان ذلك حال المشرق، أما حال المغرب العربي فلم يكن أفضل حالا إذ تعرضت شعوبه لحملات إبادة جماعية (ليبيا) وفسخ وتجريدٍ من هويته (تونس، الجزائر، المغرب الأقصى) وزد على ذلك الحملات المنظمة والممنهجة لتقسيمه واقعا ملموسا من خلال ممارسة الميز على أساس العرق والدين بين أبناء الشعب الواحد مما يولّد على المدى القريب تصدّعا في جسد المجتمع ليلهيه عن معركته التحررية الآنية وعلى المدى البعيد تشققا وانهيارا وما قضية الصحراء المغربية إلا تجسيدا ونتيجة مباشرة لكل تلك السياسات فقد عمل المستعمِر على بث النزعة العرقية الأمازيغوفونية لفك الارتباط بين الغرب العربي وشرقه باعتبارهما امتدادين جغرافيين نجحا لقرون في تشكيل امتداد حضاري موحّد.

نستخلص إذن أن عودة النزعات العرقية والطائفية والمذهبية ليست مصادفة إنما تعبر عن مشهد قديم أين تداخلت الأجندة الاستعمارية مع تلك النزعات لتحطيم الأساس الحضاري لصرفه عن مقاومة المدّ الاستعماري، هذه النزعات يمكنها في أي وقت أن تتحول إلى مشاريع انفصالية ستلاقي دعما كاملا من طرف القوى الرأسمالية الكبرى لأنها تخدم مصالهحا.

عاطف دلاليقفصة تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية