صحف عبريةمنذ ان اغتيل الخلفاء المسلمون الراشدون في نطاق الصراع على السلطة في فجر الاسلام الى مقتل رفيق الحريري رئيس لبنان في ايامنا، كانت اعمال القتل السياسي طريقة حبيبة مقبولة للتعجيل بتبديل ولايات أصحاب المناصب وحل الاختلافات السياسية في المجتمعات حولنا. وقد استُعملت هذه الطريقة وما تزال مستعملة اختصارا لا يحتاج معه الى ائتلافات حرجة وحملات انتخاب باهظة الكلفة وضغوط ومصالحات وتهديدات بالاعتزال. وتعلمون ان هذه المضايقات والتكاليف جزء من الطريقة الديمقراطية غير المهندمة المرفوضة التي تستعملها اسرائيل والتي يحاول شباب العالم العربي ان يقلدوها في المدة الاخيرة بصورة تثير الفضول والأمل.
على خلفية ‘الربيع العربي’، الذي يشتمل في هذه الايام حقا على مذابح وحشية نازفة ينفذها نظام الاسد في شعبه، أعادت قناة ‘الجزيرة’ عرفات مباشرة الى شاشات تلفاز الشعوب العربية. ما هو الشيء الجديد جدا في قصة موت هذا الارهابي الذي أُعيدت قضيته للنقاش العام في صالونات العرب وخيامهم؟ ان ادعاء تسميم اسرائيل له بمادة مشعة قد ابتُذل كثيرا طوال السنين. فما الذي جد؟ ولماذا الآن؟.
ان كل اغتيال سياسي يثير من الفور مسألة الدافع. وحينما يتهم الفلسطينيون اسرائيل باغتيال عرفات يعلمون بيقين انه استحق الموت، وهم على حق في ذلك. فهذا الرجل السفاح الذي أقدمته اسرائيل من تونس الى ارضنا بغير انتخاب مباشر من الشعب الفلسطيني، كان يستحق الموت.
اجل، جيء بعرفات عن اعتقاد مخطىء انه سيؤدي بضعفه الى سلام مأمول معنا. فالرجل الذي فر بحياته من لبنان ملّكته اسرائيل امور الفلسطينيين، بدل التمكين من انتخابات في المناطق تنشيء قيادة أصيلة. وقد حرك عرفات الى ان مات اعمال ارهاب قاتلة موجهة على مواطني اسرائيل ودعا الى اغراقها بملايين ‘الشهداء’ ونظر الى كل اتفاق مع اسرائيل انه حيلة وخداع مثل ‘اتفاق الحديبية’، الذي نقضه النبي محمد بغتة ومن طرف واحد.
لو أرادت اسرائيل موت ذلك الرجل الذي كان في ايامه الاخيرة بين أنقاض مكتبه لفعلت ذلك بطريقة اخرى، فقد استحق الموت وكان لاسرائيل بحسب كل قانون كل تسويغ للقضاء عليه علنا وعلى رؤوس الأشهاد لتكون تلك نهاية مناسبة لافعاله الدموية، لكن اسرائيل كانت معنية في الصعيدين الدولي والمحلي بأن يظل في وضع العذاب هذا الى الأبد.
تحاول ‘الجزيرة’ ان تعيد روح عرفات وان تعيد اسرائيل بذلك الى مركز المسرح. وان شهادة سهى الهاذية في الايام الاخيرة المتعلقة بظروف موته تثير بقوة أكبر ايضا قضية اتهامها بسرقة اموال الشعب الفلسطيني وقضية كون عرفات والد ابنتها، وكذلك تغرق شهادة توفيق الطيراوي، رئيس جهاز الامن الفلسطيني، قيادة الشعب الفلسطيني بوحل الاتهام والتأثيم الذاتيين. بل ان زعمه مدافعا عن نفسه ان قناة ‘الجزيرة’ في قطر تملك وسائل تحقيق أفضل من وسائل حراس عرفات الذين كانوا الى جانبه وأكلوا وشربوا وناموا معه، هو زعم سخيف. فمن المعلوم اليوم أكثر مما كان في الماضي انه كان في وكر الفساد الفلسطيني عدد كاف من الاشخاص ضاقوا ذرعا من ‘الرئيس’ وأرادوا القضاء عليه ومنهم ناس حماس ايضا، وهؤلاء مستعدون لاتهام اسرائيل ووصم كبار مسؤولي السلطة بالمشاركة في ذلك العمل. ومن الجيد دائما اتهام اليهود بكل شيء.
ان تقرير يون ميخاي بتشبيه، رئيس جهاز الاستخبارات القوي للرئيس الروماني تشاوتشيسكو يستطيع ان يلقي الضوء على ظروف موت عرفات، فقد فر الجنرال الى الغرب وتحدث في كتابه ‘آفاق حمراء’ عن ان عرفات اعتاد ان يحل ضيفا على بوخارست ويلقى تشاوتشيسكو. وقد أنزله مضيفوه في دارة متصلة بشبكة من عدسات التصوير ومكبرات الصوت، وهذا ما ورد في الكتاب: ‘في هذه اللحظة حقا يوجد الفدائي في غرفة نومه ويتبادل الحب مع حارسه الشخصي، الذي عرفت انه عشيقه الحالي’. ويبين تقرير يون ان عرفات لم يمارس الجنس المأمون وربما مات بالايدز. وهذا ما زعمه في حينه ايضا طبيب عرفات الدكتور اشرف الكردي. وسيحكم التاريخ هل اليهود مذنبون في هذا ايضا.
رؤوبين باركو اسرائيل اليوم ـ 11/7/2012