لغز العميد ‘المنسل’ مناف طلاسم ومرسوم عقابي متأخر ‘للذات الإلهية’ !

حجم الخط
0

أحمد عمريوما فيوما تتآخى الثورة السورية مع قضية فلسطين المحتلة المزمنة والتي ناهز عمرها 64 سنة وتتشابه بأمرين: عطف العالم عليها، و الفيتو الأمريكي الذي صار روسيا ضدها. وقد برز فابيوس في مؤتمر أصدقاء سوريا الثالث كمراسل زف إلينا خبر انشقاق خيال ‘الزرقاء’ العميد مناف ‘طلاسم’ الذي سيأتي ‘بالذيب’ من ذيله، لكن طلاسم لا يزال لغزا مثل لغز الصحون الطائرة، ومثلث برمودا المختلف الأضلاع، فلا نعرف حتى الآن هل هو سائح سياسي، أو انه مناف طروادة أو هو منسل، أم منشق فعلا وحقا، فالمنشق بالتعريف الإعلامي الثوري ضابط يظهر ويبرز هويته بالطريقة الطقوسية إياها أمام عين كاميرا رمداء مغبشة.. لكن من أهم إنجازات مؤتمرات أصدقاء سوريا: انه أصبح مسلسلا بأجزاء، والثاني؛ انه يوفر حفلات تعارف وتضامن دولي، وشجب وتنديد بالمجازر اليومية، والثالث انه يؤمن وسائل اتصال للسوريين الممنوعين من الاتصال ببعضهم منذ أربعين سنة وبالعالم، ومادة مصورة للفضائيات الجائعة. أبو غريب في سورياقال حكيم مجهول: ‘الإنسان حيوان يعذب أو يتعذب’ فالحيوانات لا تعذب وهي تفترس، وهي حالما تشبع تنام على الضيم أو على التراب أو في اقرب كهف، وليس كالرئيس المنتخب بنسبة 99 بالمائة والذي يشتهي افتراس الشعب ‘إلى الأبد’. تابعت معظم الصور المسربة عبر الجوالات المتلصصة أو الجولات المستكبرة المتشفية، والتي تجتمع فيها بهارات الإذلال بملح التعذيب، فأوجعتني صورة الفتى الذي يضرب ويجلد ويداس عاريا لأنه يريد الحرية (الفلم يقول أن احد أسباب التعذيب طائفية، والذي حذفت الجزيرة بعضا منه لأسباب مهنية). العربية لله درها – تساند الثورة السورية لنفس أسباب تعذيب الشبيح للفتى، وقد صدرت هيومن رايس ووتش تقريرا مدعما بالصور والشهادات والوثائق عن عشرين طريقة تعذيب أغفلت منها التشبيح التلفزيوني، فهو تعذيب مباح تحت اسم المقاومة والممانعة أو الحقيقة أو الصمود والتصدي والذي عبر عنه الكاتب ياسين الحاج صالح – عندما كان مسجونا وسمح له بالتلفزيون السوري بوصف؛ رهين الصندوقين أو ‘الحبس في صندوقين’؛ صندوق السجن وصندوق التلفزيون، فمذيعو التلفزيون الزوري جميعا: تماثيل متكلمة ناطقة، شبيحة، جنرالات حتى لو لم يكونوا دخلوا السلك العسكري، فهم صارمون، يتلون الأخبار كأحكام إعدام غير قابلة للنقض.

التعذيب بالتلفزيون مستمر، فالضيوف ثابتون، والإرهابيون يتوبون فورا عند حائطها المقدس، ويدلون باعترافات ‘عشاق’ ويندمون فورا ويقرّون بأنهم خانوا الوطن من اجل الملذات الشخصية! وقد عبر احد الرسامين الثوار برسم كاريكاتوري يطلب فيه من الجلاد إعادته إلى المسلخ بدلا من متابعة برامج قناة الدنيا التي لا تزال تناضل ضد قنوات العالم، وفضح أضاليلها بالعاب الخفة والقص واللصق والتمائم والتعاويذ السحرية: فالدخان المتعالي من مزارع ادلب وحلب ليس نتيجة قنابل وهاونات وإنما – الترجمة بتصرف- هو طرد للغربان وحرق لبقايا المزروعات، وأفلام التعذيب المسربة هي أفلام مقتبسة من أفلام هتشكوك أو هي أفلام مفبركة في الدوحة و القصف على حمص هي مشاهد من قصف إسرائيل على غزة في عام 2006 وقابيل قتل هابيل لأن هابيل كان مقاوما وممانعا.. بطولات فضائية فضائية الميادين التي بدأت بواكيرها بخريف إعلامي تحاول في زمن الربيع العربي وسعها صرف النظر إلى القضية الفلسطينية وكأننا كنا غائبين عنها لحظة – لإلهاء الشعب العربي عن الثورات والربيع العربي، ذهبت باستطلاع صحفي إلى الحدود التركية لتواكب ‘الثوار’. توهمت أنها قد تذهب إلى اللاجئين وتستطلع آراءهم وآلامهم وأحلامهم لكنها فضلت الثوار لتثبت لنا أنهم قتلة سفاحون وقناصون… تهرب الميادين من الخبر الأول في معظم فضائيات العالم فتعمل مقابلات مع أردنيين حول الإصلاح في الأردن وتغطي المظاهرات ‘المليونية’ في البحرين التي لا يتجاوز عدد سكانها النصف مليون!

عزف منفرد على اوتار الحجراستقبلت إحدى فضائيات التبن الثلاث وزير شؤون المصالحة الوطنية الذي مضى له على رأس عمله عشرين يوما عجاف من غير مصالحة واحدة، فبشر المشاهدين بانقضاء عصر ‘الخطب العصماء’ وحلول عصر الأفعال. كنت أفكر كيف تعجز الدول العظمى والأمم المتحدة ودول الجوار الأطلسي عن مصالحة الشعب السوري، وأتساءل عن المعجزة التي يدخرها الوزير تحت الطاولة.. كان وحيدا في قطار البرنامج الخالي من الركاب – كان يمكن أن يقل راكبا معارضا وديعا مثل فايز سارة مثلا، فتصالح مع المذيعة ‘ بخطبة عصماء’ عن التاريخ السوري الذي يمتد إلى سبعة آلاف عام!- نكتشف أول مرة أن الدستور مقدس في مصر وانه أكثر قدسية من الشعب نفسه، وان المستشارين لهم أنياب وزمجرات وبراثن.. خذوا مثال المستشار احمد الزند الذي يهدد الرئيس مرسي وكأنه خصم شخصي وأن بينهما ثأر صعيدي! في الوقت نفسه كانت الإخبارية السورية تتهكم على صراع السلطات في مصر وكأنه حرب اهلية؟- سأل الكاتب محمد الحاج صالح مضيفه في قناة الغد عن سقف الحرية فحسبنا انه سيكشف سرا نوويا فقال: أن الإخوان يسيطرون على المجلس الوطني.. بأموالهم! فذكرني بجواب مفحم للمناضل اليساري السابق والديمقراطي اللاحق عبد الرزاق عيد على احتجاج يساري: إذا كنتم تحتجون على أسماء الجمع والكتائب السلفية فتفضلوا جاهدوا وسموا الجمع والكتائب بأسماء يسارية مثل تشي غيفارا وهوتشي مينه و ماو تشي تونغ و ‘تشي حا’ كينغ كونغ..!! شريط الأخبار في فضائية التبن حذرت المواطنين من عبارات تسيء إلى الذات الإلهية على حيطان الوطن وبشرتنا بأنّ الجيش مع الأهالي يقومون بطمسها. بعد يومين في خطبة الجمعة، بادرنا ‘رئيس اتحاد علماء المسلمين في الشام’ وهو لقب مستحدث لا نعرف حتى الآن موعد ومكان إنشائه وأسماء العلماء المنضوييين تحته بأن مرسوما رئاسيا قد صدر بمعاقبة كل من يسيء إلى الذات الإلهية.. عجبا.. هل كان مسموحا قبلها الإساءة إليها!! عودا على بدء: كنت شاهدا مرة على حالة تعذيب نادرة يعذب فيها حيوان حيوانا، عندما كنت ضيفا في مزرعة احد الأصدقاء، ففوجئت بديك رومي يهجم على ديك غير رومي ثم يوقعه أرضا ويدوس عليه بطريقة الشبيحة اياها ويصيح فوق جثته: ها هي الحرية التي بدكن ياها. ثم يتركه.. ويذهب إلى طرف السياج ويعود إلى الدوس الحاقد عليه مرة تلو المرة. اكتشف صديقي المضيف المذبحة فعاتبني واتهمني بأني بلا رحمة، ولعلي اضمر نزعات سادية خفية، لكني كنت اريد ترك الطبيعة على سجيتها، ومراقبة الصراع غير المتكافئ الغريب إلى نهايته.. قفز صديقي من فوق السياج ليغيث الديك الملهوف، وأسعفه إلى مشفى المطبخ فاستأصل له رأسه وأراحه من آلامه وجروحه نهائيا. بعد ساعة كان جسد الديك يتلو ابخرة ساخنة، فتصالحنا انا و صديقي مصالحة وطنية على هضبة الرز الأبيض بلا رحمة و تحاورنا بمودة مع الديك الضحية.. تحت سقف الوطن.

كاتب من كوكب الأرض

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية