عبد الحميد صيام زيارة الوطن المحتل وبشروط الاحتلال تفتح في قلبك ألف جرح دفين وتعزز من قناعاتك بزوال الاحتلال إن عاجلا أو آجلا وهشاشة هذه الدولة المفبركة بطريقة إستثانئية لا مثيل لها في التاريخ، وتزيدك قناعة بصوابية موقفك عندما عارضت اتفاقية أوسلو الكارثية بكل ما استطعت إليه سبيلا. فهناك كارثتان تعملان يدا بيد: تجذير الاحتلال من جهة وغياب السلطة الفلسطينية من دائرة الفعل والتأثير على تطورات الأحداث على الأرض. لقد إستطاعت هذه السلطة بعد سنوات وجودها الثمانية عشرة أن تروض الشعب العنيد ولو مؤقتا بمساعدة الجنرال دايتون والدول المانحة والوكالة الأمركية للتنمية الدولية (يو أس أيدز) وأجهزة التنسيق الأمني أن تفرغ المجتمع من أي نوع من المقاومة الجمعية مما سهل على المحتل إبتلاع المزيد من الأرض وإقامة شبكة معقدة من المستوطنات والطرق الالتفافية بحيث تلغي تماما إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي التي احتلت عام 1967. ومع وعيك بهذه الصورة القاتمة تجد نفسك أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما أن تكفر بكل شيء وتلغي زيارات الوطن وتدفن رأسك في الرمال وتقول هذا لا يعنيني أو أن تتحمل المشقة والإهانة والمعاناة وتعود أنت والأولاد لوطنك ولو لزيارة سريعة كي يتواصل الحب والحنين والانتماء ‘لأول منزل’ من الأجداد إلى الآباء إلى الأولاد والمساهمة بتسليط الأضواء على ممارسات الاحتلال من جهة وفاعلية ودور السلطة الفلسطينية من جهة أخرى. عبور الجسر- رحلة القهر تسع ساعات بالتمام والكمال إستغرقت رحلة الأربعين ميلا من عمان إلى القدس. تسع ساعات من المرارة والعذاب والقهر والإذلال المبرمج بعناية. تجربة لا يستوعبها إلا من يخوضها. بعد إجتياز آخر نقطة على الحدود الأردنية والتي لم تستغرق وقتا أطول من مدة التلوي البطيء والممل في طابورطويل يتقلى تحت شمس الأغوار الحارقة فأنت الآن قرب البحر الميت حيث توجد أخفض نقطة عن سطح البحر في العالم. ، تتهادى حافلة كبيرة تحمل العابرين إلى وطنهم. تصدمك يافطة ترحب بك في ‘إسرائيل’. يصعد جندي يحمل بندقية أطول منه تتدلى من كتفه اليسرى على بطنه. يتأمل الوثائق واحدة بعد أخرى. ينزل الركاب وينتظمون في طوابير طويلة. مرة لتفحص الوثائق ومرة لتفتيش الأمتعة ومرات للتحقيق والاستجوابات الأمنية المعقدة. يقسم العابرون إلى ثلاث فئات: حملة الهوية الفلسطينية، وسكان القدس والسياح. إذن هذا هو أول درس في نظام الفصل العنصري. نقف أنا وزوجتي في طابور السياح بسبب جوازات سفرنا الأمريكية. بعد ساعتين على الأقل يبدأ سيل التحقيق. الهدف من الزيارة، كم يوما ستقضون في إسرائيل، هل لكم أقارب هنا. أريد أسماءهم وهواتفهم. هل ستبقون في مناطق الحكم الذاتي أم ستدخلون إلى إسرائيل؟ ماذا تعمل في الولايات المتحدة؟ وعندما قلت له إنني أستاذ علوم سياسية ودراسات الشرق الأوسط سأل إذا كانت الكورسات تشمل إسرائيل فقلت له أدرس موضوع الصراع العربي الإسرائيلي. هل هناك أساتذة إسرائيليون في الجامعة؟ قلت له نعم الأستاذ ‘بيلغ’ يدرس نفس مادة الصراع العربي الإسرائيلي. هل هناك طلبة إسرائيليون؟ نعم ولكن قليلون؟ لماذا؟ هذا ليس من اختصاصي؟ يخرج من مقصورته ويطلب منا أن نلحق به. ‘يجب عليكم الانتظار في هذا المكان حتى ننادي أسماءكم’، قال ذلك وغادرنا بسرعة. كل من في قاعة الانتظار عرب. فتاتان فرنسيتان لم تستغرق معاملتهما أكثر من دقيقتين. إقتربتا مني قبل أن تخرجا من القاعة واعتذرتا وكأن قبولهما للمعاملة التمييزية جاء أضطرارا. بعد ساعة أو أكثر يأتي شاب صغير ينادي علي. يعيد نفس الأسئلة وهو واقف. أكرر نفس الإجابات ويضيف: بما أنكم تحملون جوازات سفر أمريكية، لماذا إخترتم عبور الجسر؟ لماذا لم تدخلوا عن طريق المطار؟ لماذا لم تدخلوا عن طريق جسر الشيخ حسين المخصص للأجانب؟ لأننا لسنا أجانب ولأنني أريد أن أخوض تجربة الجسر كالآلاف من الفلسطينيين. يغيب ويعود يدعو زوجتي ويكرر نفس الأسئلة. إنه امتحان لمدى قدرة الإنسان على الصبر وضبط الأعصاب. الصبر الزائد عن الحد يتحول إلى خنوع واستسلام وهذا ما يريدونه بالضبط. إن كل حركة هنا مقصودة ومدروسة سلفا وبطريقة تؤدي إلى نتائج ملموسة. صاحت بهم زوجتي: أنتم تعاملوننا هكذا حتى لا نعود: أؤكد لكم أننا سنعود كل صيف إلى أن نستقر هنا في دولتنا. تبسم الولد الذي لا يتجاوز الثانية والعشرين وقال: ‘عربي بحب يحلم’.تهويد القدس يكاد يكتملالمشهد هنا في غاية السريالية وكأنك تشاهد فصول مسرحية من مسرح اللامعقول والعبث والخيال العلمي مجتمعة. غريب أمر هذا الشعب العنيد يتصرف أحيانا وكأن الاحتلال غير موجود فيبني ويزرع ويغني ويستثمر، بينما تقوم قوات الاحتلال بكافة الممارسات التي تعزز القناعة بأنها باقية إلى الأبد. تفتتح المشاريع الكبرى على الأراضي الفلسطينية، وتشق الجبال لربط الطرق الالتفافية وتسمن المستوطنات لخنق القرى والبلدات الفلسطينية حولها. لا تكاد تجد بلدة واحدة دون أن تكون محاطة بسلسلة من المستوطنات الصغيرة والكبيرة الشرعية بقانون الاحتلال وغير الشرعية بقانون الاحتلال أيضا فلا دور للسلطة الفلسطينية فيما يشرعنه الاحتلال. السلطة تؤمن الغطاء فقط حيث لا وزن ولا حضور ولا فعل. تمارس دور رئاسة البلديات وكأن الاحتلال غير موجود. قد تصدر بيانا من حين إلى حين لتذكر الناس بأنها ما زالت موجودة. مستوطنة كوكب يعقوب القريبة من رام الله بدأت بعدة بيوت من ألواح الألمنيوم، تحولت في عشر سنين إلى بلدة متوسطة الحجم أقيم فيها مبان لسكن طلاب الجامعة العبرية، ومستوطنة معالي مخماس التي التهمت أراضي البلدة الشرقية تحولت إلى مركز صناعي مهم. أما سلسلة المستوطنات التي تحيط بالقدس فقد تشابكت أياديها واتصلت مبانيها كحبل مشنقة يلتف حول رقاب الأحياء العربية التي تحولت إلى معازل وكانتونات صغيرة ترتفع عموديا فقط لا أفقيا. وفي كل معزل فلسطيني قام المستوطنون الأكثر بشاعة وهمجية بزرع خازوق إستيطاني داخل الحي العربي. تداخلت الأمور في بعضها البعض فلا تكاد تخطو خطوتين دون الاصطدام ببؤرة إستيطانية. علم إسرائيلي كبير يتدلى من عمارة في أحد ‘شوارع القدس العتيقة’ الذي يلي باب العامود باتجاه المسجد الأقصى. قيل إن هذا المبنى يعود لشارون الذي إشتراه من عميل وجد مقتولا فيما بعد. بيوت تهدم ومحلات تجارية يعجز أصحابها عن دفع الضرائب فتصادر أو يحجز عليها. هناك عملية نشر للمخدرات بين أبناء العرب في القدس. وهذا الموضوع أصبح من الجدية التي تثير قلق الأهالي والمؤسسة الدينية في القدس حيث كان موضوع خطبة إمام المسجد الأقصى يوم الجمعة 6 تموز (يوليو). حفريات حول المسجد من جهة حارة المغاربة وساحة البراق تكاد تطيح بمبنى المسجد إن لم يكن اليوم فسيكون غدا. القدس إختفت من رادارات السلطة والجامعة العربية والمجموعة الدولية. قيل لنا هنا إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منع أثناء زيارته لفلسطين وإسرائيل من زيارة القدس الشرقية واستبدلها بزيارة لبيت لحم. المقرات التاريخية للفلسطينيين تم الاستيلاء عليها أو إغلاقها كبيت الشرق ومقر الهيئة الإسلامية العليا ومبنى المسكوبية الشهير. لا أحد يهتم، لا أحد يسأل، لا أحد يغضب، ضاعت القدس عينك عينك. أصبحت خارج إطار المفاوضات المؤجلة إلى الأبد، كما شرح ذلك شاؤول موفاز في زيارته الأخيرة لواشنطن (21-23 حزيران /يونيو) والذي كان سيحل ضيفا على المقاطعة ‘مقر الحكومة الفلسطينية’ في رام الله يوم الأحد الأول من تموز (يوليو) لولا المظاهرات الصغيرة والصاخبة التي انطلقت من ‘دوار المنارة’ وبدأت تتجه نحو المقاطعة فتصدى لها رجال الأمن الأشاوس بالعصي والاعتقال، فاضطرت السلطة إلى إلغاء زيارة بطل مذبحة مخيم جنين عام 2002. إسرائيل تبني مئات الوحدات الاستيطانية، تجرف المقابر، تقيم المتاحف، تبني المنتزهات، تقيم الدوائر الحكومية الكبرى، تزوّر التاريخ وتدعيه لنفسها، كل هذا والسلطة مشغولة في فسافس الأمور، والعرب غائبون عن دائرة الفعل، والمسلمون يتجادلون حول قضايا هامشية ويصدرون الفتاوى حول المرأة وأنواع الزواج والتداوي بالأعشاب وحل مشكلة الفقر بالأدعية. إضافة كنيسة المهد لقائمة مواقع التراث العالمي إحتفلت السلطة الفلسطينية بقرار منظمة اليونسكو يوم 29 حزيران (يونيو) إدراج كنيسة المهد وطريق الحجاج بمدينة بيت لحم ضمن قائمة مواقع التراث الإنساني المهددة والتي يتعين حمايتها لما تمثله من قيمة كبرى للإنسانية جمعاء. لقد تم الترحيب بالقرار على المستويين الشعبي والرسمي لما يتضمن الاعتراف من إشارة واضحة إلى أن اليونسكو بدأت بالفعل تتعامل مع فلسطين كدولة مستقلة بعد أن تم التصويت على قبولها كعضو كامل العضوية في تشرين الأول (أكتوبر) 2011. لقد صوت لصالح القرار 13 دولة من بينها أربع دول عربية هي العراق وقطر والإمارات والجزائر بالإضافة إلى الهند وفرنسا وصربيا ومالي والمكسيك وماليزيا وجنوب أفريقيا وروسيا والسنغال بينما صوتت ضده ست دول هي إثيوبيا واليابان وكولمبيا وإستونيا وسويسرا وألمانيا وامتنعت دولتان عن التصويت هما كمبوديا وتايلاند. الشيء العظيم في هذا القرار بأنه لأول مرة يدرج الموقع تحت اسم فلسطين. وقد يلحقه مواقع أخرى في القريب العاجل، كما أكد أحد وزراء السلطة الفلسطينية. الشيء المحير أن رئيس الوزراء إعتبر هذه الخطوة من أعظم الإنجازات التي حقتتها السلطة الفلسطينية منذ قيامها عام 1994. وقد تسابق المسؤولون الصغار والكبار على إلقاء البيانات والتصريحات وإجراء المقابلات المرئية والمكتوبة والمسموعة ابتهاجا بهذا الانتصار. نحن لا نقلل من القيمة المعنوية لهذا الاعتراف لكننا بالتأكيد نضعه في موقعه الحقيقي وحجمه الطبيعي كي لا نغرق في التفاؤل على حساب حشد الجهود في هذا الصراع الذي لم يحسم بعد ولم يقترب الشعب الفلسطيني بعد من تحقيق الحد الأدنى من حقوقه المشروعة الممثلة في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة فعلية متواصلة جغرافيا وعاصمتها القدس وضمان حق اللاجئين في العودة والتعويض كما نص قرار الجمعية العامة 194 (1948).الشيء الذي تغافل عنه الإعلام المحلي هو التصويت في نفس دورة لجنة التراث العالمي في بطرسبيرغ على إدراج مواقع كهوف أربعة في وادي المغارة على سفوح جبل الكرمل على قائمة مواقع التراث العالمي تحت إسم إسرائيل بعد أن كانت قد أدرجت مسجد الجزار في عكا القديمة عام 2001 وبهذا تكون اليونسكو قد منحت أجزاء من التراث الإسلامي الحديث والكنعاني القديم لإسرائيل وهو اعتراف ضمني لوراثة إسرائيل للحضارات والسلاسلات المتعاقبة على أرض فلسطين والتي ليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالتاريخ اليهودي على هذه الأرض ‘سيدة الأرض’ كما سماها محمود درويش. وللحديث بقية.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك