خليفة قعيد العسكر الذي يستغل قوة الجيش للسيطرة على الحكم أكثر ما يتجلى في جنرالات المجلس العسكري المصري الذين انحسرت عنهم الغرف المظلمة فخرجوا للعلن بأزيائهم الرسمية الخضراء وشاراتهم العسكرية لكي يكشفوا للشعب بأنه لا مجال لحكم مدني حقيقي وبأنهم الذين يقررون مصير مصر ومآل الرئيس المنتخب بعد ان سحبوا من تحت أقدامه صلاحياته الرئاسية الأساسية.
لكن حكم العسكر اليوم يحتضر في العالم العربي والإسلامي، ويعيش مأساة حقيقية غير مسبوقة في التاريخ العسكري لأنظمة الحكم. مأساة بدأت منذ اختفاء الاتحاد السوفييتي الذي كان يقف وراء العديد من الانقلابات العسكرية في العالم الثالث لتغيير أنظــــمة الحكم فيها إلى أنظمة شمولية، دكتاتورية، اشتراكية وشيوعيـــة، ومازالت هـــذه الأنظمة التي عمرت في عهده سنوات طويلة تعيش العزلة دون أن تجد الأوكسجين الكافي لأن روسيا التي ورثت نوويا قوة الاتحاد السوفييتي غير قادرة اليوم على مدهم بهذا الأوكسجين. كما أن أمريكا والغرب بما فيه البلدان الاستعمارية السابقة لم تعد بحاجة إلى حكم العسكر لضمان مصالحها الإستراتيجية مادامت تستطيع إيجاد أنظمة مدنية تحفظ مصالحها.
وحكم العسكر في مصر، الممثل في المجلس العسكري غير مستثنى من هذه الورطة المأساوية التي لم يعرفها طوال سنوات توارث العسكر للحكم منذ الانقلاب الذي نفذه الضباط العسكريون الأحرار ضد حكم الملك فاروق في سنة 1952 عندما كانوا يتوفرون وقتها على ظهير قوي هو الاتحاد السوفييتي. ويبدو الآن أنه لا حل أمام المجلس العسكري، بعد زوال الظهير، إلا تضخيم خطر الإسلاميين على مصالح أمريكا وعلى إسرائيل والغرب مع احتمال تحالفهم مع إيران وأيضا تغيير المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بما لا يخدم مصالح الغرب. يفعل كل ذلك من اجل أن ترضى عليه سيدة العالم أمريكا، وتسمح له بالالتفاف على الرئيس المنتخب وتحويله إلى رئيس عنين يتزوج شكليا الشرعية الشعبية ولكنه على المستوى العملي لا ينجب منها لصالح مصر لا ديمقراطية حقيقية، ولا دستورا يتماشى وطموحات الشعب، ولا فصلا للسلطات عن بعضها، ولا شيئا آخر ذي قيمة سياسية.
العسكر في مصر يحاول الآن، وفقا لسيناريو جديد، وهو في أوج أزمته أن يهب نفسه مرة أخرى لأمريكا كما فعل من قبل العسكر في مصر تحت حكم ضابط سلاح الإشارة الرئيس أنور الســــــادات، ولكن أمريكا مترددة في الموافقة لأنها تريد أن تكون ثورات الربيع العربي حاملة لتغيــــيرات حقيقية نحو الديمقراطية وحكم المدنيين على نحو يحافظ على مصالحها ومصالح الغرب ويخلص الشعوب العربية والإسلامية من حكم الكسكيطة.
أما الإسلاميون بزعامة الإخوان المسلمين تحديدا فلا خوف لأمريكا والغرب منهم حيث أن التاريخ السياسي وحتى الجهادي لحركة الإخوان في العالم يثبت أن بين الاثنين علاقات واتصالات عميقة استفاد منها كل طرف سواء داخل بلدانهم أو خارجها. وأوضح ما تكون صور هذا التعاون خلال ما سمي بالجهاد الأفغاني وظاهرة ما عرف بالأفغان العرب حيث قام الإخوان المسلمون بضمان تجنيد العرب في البلدان التي يتواجدون فيها وتحت أعين أنظمة الحكم العسكرية باتفاق أمريكي. فقد كانت أمريكا في صراعها مع الاتحاد السوفييتي بحاجة ماسة إلى تصفية الحكم الشيوعي في أفغانستان المدعوم من الاتحاد السوفييتي. فلم تجد المخابرات الأمريكية إلا مطالبة البلدان الضعيفة والأنظمة العسكرية والملكية الموالية لها في الخليج بتجنيد شعوبها ليكونوا وقودا تستخدمه أمريكا لإشعال الحرب في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي. حتى وإن كان الكثير من الأفغان العرب قد استشهدوا في ساحة الوغى تبعا لنواياهم الجهادية وحسب ما تأدلجوا به من أفكار بإعلان الجهاد ضد الكفار والمشركين والملاحدة ممن عقيدتهم ‘لا اله والحياة مادة’ حيث استشهد الآلاف منهم، إلى غاية سقوط النظام الشيوعي هناك وإخراج العساكر السوفييت. ثم تفرق الأفغان العرب في الأمصار وأسس بعضهم حركات جهادية من أهمها تنظيم القاعدة لبن لادن انتقاما من أمريكا التي خدعتهم ولم ينتبهوا إلى حيلتها إلا في الوقت الضائع وهي أنهم كانوا وقودا في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وربما كان الأمر مختلفا بالنسبة لبعض فصائل الإخوان المسلمين المعتدلين حيث عادوا للنشاط في بلدانهم كأشد ما يكون النشاط وكأن لسان حالهم يقول’ يا أمريكا ساعدناك في أفغانستان فساعدينا في بلداننا بكف أذى حكم العسكر عنا’. وهكذا تمكنوا من استثمار استغلال أمريكا لهم، فعوض أن يناصبوها العداء والتمرد والانتقام منها كما فعلت الحركات الجهادية التي توالدت في أفغانستان ولاحقا في بعض البلدان العربية والإسلامية، نجد الإخوان بالمقابل في انسجام وتوافق تام مع أمريكا والغرب حيث استطاعوا أن يحصلوا من أمريكا مقابل خدماتهم المذكورة على ضمانات أكيدة منها بعدم التعرض لمحوهم سياسيا ووجودا من طرف الأنظمة العسكرية والملكية والمدنية الضعيفة خاصة بعد زوال اكبر ظهير للأنظمة العسكرية وهو الاتحاد السوفييتي.
لذلك فأمريكا اليوم ومعها جزئيا بعض البلدان الغربية هي وحدها من يقرر استمرار أو توقف حكم العسكر في مصر المطعون في شرعيته شعبيا والمتناقض ومبادئ الديمقراطية التي تسعى أمريكا إلى تمكين الشعوب العربية والإسلامية منها على طريقتها طبعا، أو تقرر أيضا أن يؤول الحكم إلى المدنيين بزعامة الإخوان المسلمين الذين بينهم وبينها مصالح سياسية مشتركة أكثر ما برزت في تجنيد آلاف الأفراد من مجتمعاتهم نحو الجهاد الأفغاني وكذا مساعدتهم لها من قبل في الحيلولة دون تغلغل الشيوعية والاشتراكية في بلدانهم، إضافة إلى كون أمريكا لا يمكنها السير ضد تيار الربيع العربي وهي ترى حكم الإخوان في تونس والمغرب يبعث على الاطمئنان. إن الصراع الآن في مصر يتمثل في أيهما الأذكى في إقناع أمريكا بالسيطرة على الحكم هل المجلس العسكري الذي يقترح نفسه آن يكون شرطي أمريكا في أرض الكنانة أم الإسلاميون بزعامة الإخوان الذين يسعون لتبديد المخاوف والشكوك معها انطلاقا من استثمار العلاقة التاريخية معها؟ ولكن بالنسبة لأمريكا فإن السؤال هو أيهما الأصلح منهما لحكم مصر جديدة تستطيع ان تكون نموذج تغيير لكل البلدان العربية والإسلامية نظرا لمكانة مصر وتأثيرها القوي في المنطقة؟ أعتقد بأن أمريكا ترى بأن الأصلح لها هم الإخوان المسلمون الذين كانوا حليفا ناعما لها تاريخيا وما يزالون على ذات النهج. ويصب في هذا الاتجاه تعهد الرئيس الجديد الإخواني محمد مرسي بالمحافظة على الاتفاقيات والمعاهدات والتزامات مصر الدولية ومنها طبعا معاهدة ‘كامب دافيد’ المبرمة بين مصر وإسرائيل. هذا دون أن يغيب عن الذهن بان أمريكا تبحث منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عن بديل يعوض بقايا الأنظمة العسكرية الحاكمة الموروثة عن الاتحاد السوفييتي أو المدعومة من طرفه، ورضيت أمريكا ببقائها مؤقتا لأنها أنظمة سمحت بتغلغل نفوذها فيها و تعهدت بالمحافظة على مصالحها. لذلك فان أمريكا من مصلحتها دعم حكم المدنيين بقيادة الإخوان وليس حكم العسكر. وأزعم أن أمريكا لن تقول للمجلس العسكري في مصر هكذا ‘تنحى عن الحكم’ ولكنها ستوعز إلى الإسلاميين بزعامة الإخوان بتحريك الشارع المصري لإسقاط حكم العسكر بينما تقوم هي بالضغط عليه للتنحي وترك الحكم للمدنيين.’ صحافي جزائري