آفاق السينما الأفريقية: التجربة السينمائية المغربية تستحق التعميم

حجم الخط
0

خريبكةـ من حسن وهبي: أكد السيد نور الدين الصايل في بداية حديثه في ندوة آفاق السينما الأفريقية على أهمية الإنتاج السينمائي مذكرا بأن البلد الذي لا ينتج إلا فيلما واحدا يصعب أن نجد ضمن خريطة أفلامه واحدا جيدا في حين يمكن أن نجده في ذلك الذي ينتج 200 فيلم. إنها دروس من الولايات المتحدة الأمريكية والسويد وغيرهما. وما على القارة الأفريقية إلا أن تتخد مسارها وتتحد لتواجه العالم في إطار سياسة ثقافية. علما أن التطور لا يمكن أن يكون بالتجارب الفردية لمخرج بل بالاتحاد والسياسة الثقافية. ولعل تجربة عصمان صمبين ابرز مثال على تغذية السينما السنغالية. إلا أن هذه الأخيرة ماتت بموت المخرج الكبير. من هنا يؤكد نور الدين الصايل على الإيمان بالشعوب لنبلور إستراتيجية سينمائية واضحة، كما هو الحال في فرنسا (CNC ) والتي تنتج 240 فيلما وتشغل عشرات المهن السينمائية وملايين الدخلات إلى القاعة السينمائية. فتكون السينما ممولة من طرف الدولة ومؤسساتها. إلا أن إفريقيا لا تتوفر على مؤسسات سينمائية تحميها.

ودعا السيد مدير المركز السينمائي المغربي إلى الاشتغال على الكم السينمائي مما يساعد على توفير القاعات السينمائية عوض بناء هذه القاعات قبل الإنتاج الغزير. هكذا يعود نور الدين إلى النموذج المغربي والذي يحصد اكبر مدخول بالقاعات السينمائية المغربية وأعطى المثال بفيلم ‘الطريق إلى كابول’ الذي تجاوز الأفلام الأمريكية وغيرها من حيث المدخول. وفي نفس السياق ذكر منشط الندوة بتجارب أخرى لا تقل أهمية من الكوت ايفوار وغيرها. مشيرا في الأخير إلى عدم ترك قاعاتنا السينمائية للاخر.

تلك هي الكلمة الافتتاحية التي قدمها السيد نور الدين الصايل في مستهل الندوة التي نظمتها الدورة الخامسة عشرة لمهرجان السينما الأفريقية بمدينة خريبكة بالمغرب. وانتقلت الكلمة إلى السيد بابا ضيوب الناقد السينمائي السنغالي والذي ذكرنا برهان التحكم في الصورة في القرن 21 لكون استعمالها قد توسع بشكل كبير سواء أكانت ثابتة أو متحركة. كما أن مضمونها يخدم أهدافا معلنة أم مضمرة مدافعة عن مصلحة معينة. وقد تكون كوسيلة للسيطرة الثقافية وتغيير السلوكيات والأحاسيس. ونحن نعلم أن السينما هي الأكثر تأثيرا لأنها تتلاعب بالوعي وتزوير التاريخ. لكنها في نفس الوقت تعكس كمرات واقع المجتمع وقد تكون وسيلة للمقاومة ضد ‘العولمة’. وفي هذا السياق طرح بابا ضيوب السؤال الحرج في نظره حول مدى إمكانية الصورة الأفريقية بالانخراط في هذه الدينامية من اجل إيجاد صورة افريقية تتحدى العولمة؟ وما هو اثر صورتنا ومفهومنا للعالم ولمستقبلنا ما دام الفيلم يكشف عن نظرتنا للمستقبل حيث أن المبدعين والسينمائيين لهم تلك القدرة والإحساس بالمستقبل والإعلان عنه. وانتقل بعد ذلك بعض المحطات التاريخية التي اشتغل فيها السينمائيون مجتمعين في سبيل خطة لمستقبل هذه السينما. وأشار في هذا الصدد إلى ميثاق الجزائر الذي ابرز مشاكل التي يعيشها السينمائيون من اجل الوعي بالحضارة السوداء وإشاعة السينما الشعبية في خدمة الشعوب الأفريقية في سبيل الحرية والإبداع مستوحاة من تجارب الحياة لذي هذه الشعوب من حيث التاريخ والمصير دون فقدان الهوية. ونحن نعلم أن السينما تعمل على تربية الشعب وإبراز ثقافته عكس ما تفعله السينما الكولونيالية. تربية تزيل غشاوة ما تبثه الثقافة الغربية واقتراح صورة خاصة بالقارة. ونحن نقبل نظرة سينمائيينا وبحثهم في الشكل السردي. وانتقل الناقد السنغالي إلى ميثاق الجزائر وأشار في البداية إلى أن المشكل ليس هو الوصول إلى ما حققته المجتمعات الرأسمالية المتطورة. بل كي تتحكم الجماهير في أداتها الخاصة من اجل التطور خصوصا في المجال الثقافي من خلال استغلال مواردها في الإبداع في سياق الحرية.

من هنا تبدو السينما كأداة للتربية للمعرفة للوعي وكفضاء إبداعي وبالتالي كأداة نضالية. لهذا فعلى السينمائي الوعي بأهمية الصورة في خدمة المجتمع بعيدا عن الصورة التي يبثها الغرب وفق إطاره الإيديولوجي الامبريالي. وهكذا فعلى السينمائي أن يخلق التضامن مع السينمائيين التقدميين في العالم اجمع وضد الامبريالية. وهكذا أصبح على السينمائي الإفريقي أن يهتم بكل المشاكل المطروحة سينمائيا داخل سياق حرية التعبير رفضا لكل سينما دعائية.

بعد ميثاق الجزائر الثوري جاء بيان نيامي سنة 1982 الذي تزامن مع ظهور الجيل الثاني من السينمائيين والذين يرفضون الاستمرار إلا فيما هو جمالي. انعقدت المناظرة لتجمع كل من السينمائيين والنقاد ومسؤولي المؤسسات السينمائية الدولية. وهو الذي افرز البيان. لقد اهتم هذا الأخير بموضوع السوق السينمائية (الاستغلال والعرض) على مستوى كل دولة. أي تطوير القاعات السينمائية وتنظيم الحقل السينمائي ليتوسع الحقل الثقافي وتطوير الإنتاج السينمائي بصفة عامة بحثا عن سوق سينمائية مشتركة. إنها السينما الوطنية.

كما فكر البيان كذلك في موضوع الإنتاج المشترك انطلاقا من الدولة وغيرها من القطاعات. وحت على ضرورة الاهتمام بالبنية التحتية التقنية للسينما بالرغم من الصعوبات المادية المعيقة. ومن جهة أخرى انتبه البيان إلى مسألة التكوين سواء داخل الوطن أو بالقارة الأفريقية عوض الاعتماد على الأجانب.

وتساءل عن آفاق السينما قائلا إننا اليوم قادرون على فرض وجهة نظرنا بعيدا عن السينما الكولونيالية أو السينما الفقيرة. إنها سينما تعطي الوسائل من اجل البقاء لذاتها وليس بعيون الآخر. يتحقق ذلك بإرادة الدولة على اعتبار أن السينما ليست وسيلة للترفيه بل كصناعة وفي هذا الباب يمكن الاستئناس بتجربة المغرب التي أعطت نتائج طيبة كما اشار إلى التجربة السنغالية التي انتقت إلى مرحلة جديدة من اجل سينما بالبلاد ودعم السينما الأفريقية. لكن تطور السينما الأفريقية يرجع بالأساس إلى رغبة الدول في ذلك وتجميع خبرات السينماءات الأفريقية.

ومن جهته أشار السينمائي الكونغولي انه يعيش لحظات جميلة بمناسبة الذكرى 52 لاستقلال البلد راغبا تحرير الإنسان ومخيلته. وبعد التذكير بهيمنة السينما الأمريكية على مخيال الإنسان. وعرض بالمقابل تجربته في الإنتاج السينمائي وخاصة الرقمي منه. ثم تفاعله مع عدد من السينمائيين الأفارقة متابعا خلاله تجارب سينمائيين آخرين حول التخيل مما ولد لديه عدة تساؤلات أبرزها التحكم في اللغة السينمائية عوض ما كانت تقدمه للغرب كديكورات وكومبارس… معززة بهيمنة الصورة الغربية بالقارة. علينا إنهاء دورها بالإنتاج الوطني رغم المشاكل المطروحة في الساحة السينمائية. والسينما في الكونغو لا زالت فقيرة مما دفع بالسينمائيين الكونغوليين الى توجيه اقتراحات وتوصيات إلى وزير الثقافة والفنون. وقد ركزت على التربية والتكوين والإبداع والتقنيات المساعدة. وخلق فرص الشغل. إن بلدنا يضيف السينمائي الكونغولي في حاجة إلى التنظيم والسياسة المبادرة في مجال البرامج التلفزية وترسيخ ثقافة استهلاك الفيلم.

ولعل مشكلتنا كذلك هي عدم الثقة في النفس بخصوص مستقبل السينما ونقص صورة وطننا. فعلينا إنتاج هذه الصورة لنكشف جمال الكونغو كما نحن في حاجة إلى الديمقراطية وإلى مشروع وطني عام للبناء الثقافي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

ومن شمال إفريقيا تدخل السينمائي نجيب عياد التونسي ابن الأندية السينمائية الذي تحول إلى منتج سينمائي وهو وراء مجموعة من الأفلام التونسية. والذي ميز في تدخله بين السياسي والإيديولوجي في السينما حيث يصعب وضع إستراتيجية في مجال الصورة، خاصة وأن هناك سياسة السينما وسياسة التلفزيون. هذا التناقض واضح مما يدفعنا إلى تناول المشاكل في سياق واحد وليس بشكل منفرد. نحن كذلك نعتز بالمدخول الأعلى ببلادنا للفيلم التونسي عوض غيره. ولهذا يطالب المنتجون بالدعم ليس كصدقة بل كدعم للإنتاج السينمائي وعرض مشاكل أخرى تواجهها السينما الأفريقية مما دفعه إلى الانتقال إلى مجموعة من المقترحات بداية من فكرة أن كل من يشتغل على الصورة عليه ن ينتج في هذا المجال (السينما الانترنيت الهاتف النقال….) ومن جهة أخرى طالب بتأسيس المركز السينمائي بكل دولة وبالتالي تفعيل المراكز الموجودة سابقا وبتونس ما زال الرئيس لم يوقع على قرار تأسيس المركز بالرغم من كونه من عشاق السينما. ولهذا يضيف نجيب عياد استلهمنا التجربة من المغرب كما كان يستلهم هو منا. كما اقترح التعامل الثنائي بين البلدين تونس والمغرب باعتبارهما رائدين بإنتاجهما اكبر عدد من الأفلام.

وتناول النقاش تجربة المغرب وكيف يمكن توسيعها وتعميمها على باقي الدول الأفريقية لكن نور الدين الصايل أكد من جهته على ضرورة تمويل الدولة للمشروع السينمائي. وهذا دور كل السينمائي ببلدانهم أولا ثم بين البلدان الأفريقية حتى نتمكن من تطوير المشروع السينمائي الإفريقي. تحديا للنموذج الأمريكي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية