رمضان الجزائر.. شهر مواجهة المخاطر

حجم الخط
0

الجزائر ـ من يوسف تازير: تستعد الجزائر لاستقبال شهر رمضان في ظروف قد تختلف ربما عن ظروف باقي الشعوب الإسلامية والعربية، لان رمضان ليس فقط شهرا للرحمة والغفران بل هو مناسبة لكسب مزيد من الربح للبعض وتحين الفرص للبعض الأخر. أصبح شهر رمضان في الأعوام الأخيرة يشكل هاجسا حقيقيا لجانب كبير من الجزائريين وحكومتهم التي يذهب أعضاؤها في إجازة على أن يعودوا لاستئناف العمل في اليوم الأول من رمضان، بهدف التكفل بانشغالات المواطنين التي تزداد تعقيدا في هذه الفترة بالذات من جهة، وتقديم حصيلتهم للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي اعتاد محاسبتهم في هذه المناسبة من جهة أخرى. والحقيقة أن العديد من الوزارات دخلت في حالة استنفار قصوى منذ أسابيع تحسبا لمفاجآت رمضان، فوزارة الزراعة أمرت المؤسسات التابعة لها بتوريد 10 ألاف طن من اللحم المجمد وكمية أخرى من اللحم الطازج (منها لحم الخروف لأول مرة) من الهند والبرازيل وطرحها في الأسواق قبل أيام قليلة عن دخول الشهر الفضيل بأسعار تكون في متناول عامة المواطنين. كما تم تخزين 10 ألاف طن من الدجاج المجمد بما يسمح بتسويق الكيلوجرام الواحد بسعر في حدود 2 يورو. وعادة ما تصل أسعار كل المواد الغذائية واللحوم البيضاء والحمراء إلى مستويات قياسية في شهر رمضان، وهو ما يفسر تخزين أطنان المواد الفلاحية ذات الاستهلاك الواسع، في حين لم تنجح كل الإجراءات الردعية التي اتخذتها الحكومة في ضبط الأسعار وقمع التجار الغشاشين. وتم تنصيب لجنة مختلطة تضم وزارتي التجارة والفلاحة إضافة إلى جهاز الجمارك تعنى بتنظيم تموين السوق خلال هذا الشهر الفضيل. ويتوقع المسؤولون أن تكون جميع الخضر والفواكه متوفرة بأسعار معقولة خلال هذا الشهر باعتباره يتصادف وموسم وفرة المنتجات الطازجة و الأمر ينطبق على القمح بنوعيه الصلب واللين. وقام الديوان الجزائري المهني للحبوب باستيراد تسعة ألاف طن من الحمص منها ثلاثة ألاف طن وصلت ميناء الجزائر. وتعتقد وزارة التجارة إن مخزونات المواد الغذائية كالسكر والزيت ومسحوق الحليب متوفرة بالقدر الكافي، وهناك ما يكفي على مدار السنة أو لشهرين على الأقل. وتسعى وزارة التجارة إلى لعب دور رجال المطافئ، حيث تعتزم نشر 7 ألاف مراقب في الأسواق الكبرى والصغرى لعلها تنجح في كبح جماح الأسعار، وهي المهمة التي فشلت فيها على مدار الأعوام الماضية. وانضمت وزارة الشؤون الدينية إلى حملة ‘التوعية والتحسيس’، وأمرت الأئمة بالتطرق لموضوع الأسعار في مختلف الخطب والدروس بعدما نجحت في ‘تجنيدهم’ خلال هذا الشهر الكريم وإلزامهم المساجد والإشراف على مختلف الصلوات بما فيها التراويح والتهجد، إذ رفضت الترخيص لهم بأداء العمرة، كما أرجأت تنحية العديد من المسؤولين المحليين إلى ما بعد عيد الفطر. إذا كان عامة الناس يتخوفون من ارتفاع بورصة الأسعار، فان السلطات الأمنية تتحسب جيدا لهذا الشهر، خاصة وان الجماعات المسلحة اعتادت القيام بهجمات استعراضية بحثا عن إثبات الوجود بعدما تراجعت قوة تأثيرها بشكل كبير. وفي هذا السياق عمدت الشرطة إلى ضبط مخطط امني يتضمن نصب 86 رادار مراقبة ومئات الكاميرات ونشر أكثر من 40 ألف شرطي لتامين الأسواق التجارية والمساجد والشوارع والساحات العمومية على مدار الساعة. واستأثرت العاصمة الجزائر وحدها -حسب مصادر أمنية- بثماني رادارات وثلاثة أنواع متطورة لمراقبة حركة المرور ورصد التجاوزات. والأكيد أن جهاز الدرك الوطني سيعمد إلى اتخاذ نفس التدابير على أن يكون عمله مكملا لعمل الشرطة، بحيث يتقاسم الجهازين مهام المراقبة حسب الأقاليم والمناطق التي تفرض تواجد هذا الطرف بدلا من الأخر. ويرجح أن تزيد قوات مكافحة الإرهاب من درجة يقظتها حتى تكون بالمرصاد لكل المحاولات ‘اليائسة’ التي قد يقوم بها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، خاصة بعد الرسالة الأخيرة لزعيم التنظيم، عبد المالك دروكدال، المدعو ‘مصعب عبد الودود’، التي طالب فيها أتباعه بنقل العمل المسلح إلى المدن. والظاهر أن شهر رمضان يشكل تحديا حقيقيا للأجهزة الأمنية في الجزائر ومدى نجاعة أساليبها في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة بشكل عام. الاستعداد لرمضان في الجزائر، يبدأ قبل حلوله بأيام، حيث لم تتخل العائلات عن طقوسها في الاحتفال بهذه المناسبة حتى لو كلفها ذلك إنفاق المزيد من الأموال، ويتساوى في هذه الخطوة الغني والفقير. ويتحضر الجميع بشراء لوازم طبخ جديدة وتنظيف المنازل والشقق وكأن حال لسانهم يقول رمضان ‘ضيف عزيز يستحق أن يستقبل بالطريقة التي تليق بمقامه’. يشكل شهر رمضان أيضا فرصا للعديد من الجزائريين والجزائريات المقيمين بالخارج للقاء أهاليهم خاصة وانه يتزامن مع عطلهم الصيفية، وهو ما يعطي لهذا الشهر مذاقا خاصا لهؤلاء الذين اكتووا بنار الغربة.. نار سيعزف لهيبها على وقع المهرجانات الثقافية والفنية التي برمجتها وزارة الثقافة ومختلف هيئاتها، والتي صرفت لأجلها عشرات بل مئات الملايين من اليورو، مبالغ يقول عنها الكثير من الجزائريين أنها تكفي للقضاء على مظاهر الفقر في البلد بدلا من ‘حرقها’ في الرقص والمجون.(د ب ا)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية