تونس إحياء الوهم البورقيبي ونداء الانقلاب على ‘الثورة’

حجم الخط
0

د. محمد هنيد يتميز المشهد العام في تونس اليوم باحتدام الصراع المعلن والخفيّ بين الأطراف المكوِّنة للطيف السياسي الحاكم و’المعارض’ بأشكاله المختلفة. لقد نجحت الأحزاب الثلاثة التي تتقاسم السلطة السياسية الشرعية في كسب ثقة شرائحَ واسعةٍ من أهل تونسَ وخاصة الطبقات المتوسطة والفقيرة منه وهو ما يبرز جليا في النِّسَب المتحصَّل عليها خلال الانتخابات الأخيرة. كما نجحت في امتصاص مجموع الرجّات الارتدادية الصادمة التي أعقبت الإنجاز الانتخابي داخليا وخارجيا. هذا رغم بعض الأخطاء والتخبط هنا وهناك داخل الطيف الحاكم مما يعتبر ملازما لكل تجربة ديمقراطية وليدة. يدخل هذا الصراع مرحلته الثانية إذن بعد تلك التي سبقت الانتخابات الأولى وواكبتها والتي كان النصر فيها للهوّية ضد الاستئصال وللكرامة ضد الاستبداد قبل أن يكون هذا النصر للمحافظين – الإسلاميين بتعبير غيرِنا – ومن تحالف معهم. إنه انتصار للفكرة والمبدأ لا للأشخاص فكرة المحافظة على الثوابت الأصول ومبدأ التركيز على أركان الهويّة. إذا كان هذا الصراع منطقيا بل ضروريا في المرحلة الراهنة بإعتباره عنوانا لمناخ ديمقراطي تعددي يسعى ‘الحدث التونسي’ مهدُ ‘ربيع الكرامة العربي’ إلى إرسائه على أنقاض منظومة الاستبداد فإنه من الغريب بل من المفاجئ والمفجِع أن يبلغ إفلاس النخب السياسية المحلية حدّا يكون فيه القفز إلى الوراء طرحا ثوريا. المشكل اليوم ليس التنافس نفسه بل مضمون المتنافَس عليه فالخاسرون الأبرز يتسوّلون بدائلَ ترتسم حدودها بين ‘الحداثة’ و’العلمانية’ و’مدنية الدولة’ وآخرها ‘البورقيبية’ تجسيدا لأعمدة الخطاب السياسي البديل. إن البورقيبيّة – نسبة إلى الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة أولِ رئيس للجمهورية التونسية بعد ‘الاستقلال’ عن فرنسا- لا تعود اليوم حنينا ثوريا إلى ماض تليد وإنما تسوّق بضاعة سياسية فاسدة لمن يسمَّون في تونس بالدستوريين أو الدساترة. هم – في نسختهم النيوnewتجمُّعية- اليوم شيوخٌ بلغوا من العمر أقصاه ومن الفقر السياسي مداه واشتعلت رؤوسهم شيبًا كما اشتعلت دسائسَ ومكائد هدفها اسقاط خيار الشعب بإسقاط الشرعية ونصر الثورة المضادة. هم أساسا الجيل الأول من السياسيين الذين أمسكوا بمفاصل الدولة بعد خروج المستعمر المباشِر ومُكِّن لهم لتحقيق نموذج سياسي وثقافي بعينه امتد على المساحات الزمنية التي تفصل ‘الاستقلالَ’ عن الانقلاب الطبي ليلة السابع من نوفمبر1987 الانقلاب الذي قاده ‘الشرطيّ بن علي’ من داخل جماعة الدستور على الدستور نفسِه. كان ذلك تدشينا لمرحلة الوصاية الثانية التي ستمتد زمنا يفوق العقدين فتنتهيَ بثورة الكرامة ثورة 17 ديسمبرايلول2010 في سيدي بوزيد (لا ثورة 14 جانفي كانون الثاني في العاصمة كما يراد لها سطوًا على التاريخ وتزييفًا للوقائع وإمعاناً في إهانة بوزيد التي صرخت بدءا أنها ‘لا تهان’). حكم بن علي جزء لا ينفصل عن البورقيبية بل تستحيل قراءته خارج سياقها لأنه جاء من رحِمِها تتويجا لها وإصلاحا لمسارها عندما اتخذ من شعار ‘التغيير’ و’التحول المبارك’ الكلمات المفاتيح لبرنامجه السياسي بعد أن هدّت الشيخوخة كيان بورقيبة ودكَّ العجز حصن البورقيبيّة. حافظ بن علي على العناصر البشرية المكوِّنة للنسيج السياسي الحاكم في المرحلة ألاولى التي أعقبت الانقلاب وحتى بعدها ثم تطورت العملية السياسية إلى ما يشبه نظام العصابات بعد دخول عناصر جديدة إلى المشهد السياسي تميزت بشراستها المفرطة وبنهمها الذي لا حد له. هو تطور طبيعي لمن يدرك ‘طبائع الاستبداد’ على قول الكواكبي فما بدأه بورقيبة أنهاه بن علي وذلك على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي حصارا للهوية وإمعانا في الاستئصال. استئصال الخلايا الحية في جسد الأمة أو تعديلها جِينيا حتى تعودَ طيِّعةً تقبل بصيغ زائفة ومزيِّفَة للحداثة ولحقوق الإنسان والحيوان على حدّ سواء. فتصفية رفاق النضال عند الأول وازتها تصفية القواعد الوظيفيّة في المجتمع عند الثاني فبن علي كان قاعديا في استبداده أما بورقيبة فكان نخبويا في استبداده لكن الفرق الأبرز بين المستبِدَّيْن ليس مبدئيا حول طبيعة الحكم – المُصادَر خارجيا – بل كان أساسا في آليات تطبيقه وتوزيع تطبيق هذه الآليات وتحديدِ العناصر المستهدفة من عملية التصفية. نجح بورقيبة إذن أو نجح من مكّن لبورقيبة ‘المجاهد الأكبر’ عندما اختاره وكيلا على الجمهورية الفتيّة في تسويقه نصيرا للحداثة على التقليد وهو الشعار نفسه الذي مكّن له خلال صراع الأجنحة داخل جماعة الدستور قبل انقلاب قصر هلال 1934 وتصفية العناصر العصيّة على التطويع. دامت هذه التصفية حتى الفترة التي تلت معركة بنزرت والتي أبلى فيها الجيش التونسي أشرف البلاء أمام فرق المظليين المستقدمة من الجزائر مدعومة بعناصر اللفيف الأجنبي المتوحشة. ثم تلتها بعد ذلك التصفية الفعلية بُعيد الاستقلال لأركان الهويّة عبر اختراق النخب واشترائها وتوريطها في صراعات ايديولوجية لا طائل من ورائها إلا التمكين لشروط الاستبداد. وهو ما سيتجلى في أشرس مظاهره أيام بن علي الوريث الأوحد لجماعة الدستور حتى ثورة 17 ديسمبر كانون الاول الشعبية – ثورة القاع لا ثورة النخب (من ألطاف اللّه)- التي ستطيح بالدستور أركانا وأعوانا وبالنخب يمينا ويسارا حيث كان شعارها الأبرز ‘يسقط حزب الدستور يسقط جلاد الشعب’ فشلت الأحزاب الخارجة من عباءة التجمع والمتدثرة بالخطاب الشعبوي القادم من عاصمة الضباب أو المنسلخة علنا من قوائم التجمع والمتمركزة في حواضر بعينها كانت إلى وقت قريب جدا حصنا منيعا لعنوان الاستبداد. فشلت كذلك تلك الأحزاب التي قررت يساريا الاتجاه يمينا عقب إفلاس خطابها السياسي واضطراب بوصلتها الإيديولوجية رغم شعار التجديد البرّاق الذي تطرحه والذي لا يشمل زعاماتها التي لا تقبل التجديد. بعد كل هذا يتجدد المشهد اليوم لكن بآليات جديدة وبألوان زاهية تبشّر التونسيين بتغيير جديد عبر ‘نداء تونس’ عباءةً جديدةً للتجمعيين وعُتاد الاستئصاليين ممّن وُرِّثوا تونس مرّتين وأفسدوها ألف مرة. لا يكاد يخفى على التونسي العادي – من غير المثقفين والنخب الانتهازية – رجل الشارع كما يقال هناك لا ساكن أبراج العاج أنّ بقايا الاستبداد لن تنفكَّ تدافع بكل شراسة عن مكاسبها ومكتسباتها غير المشروعة وعمّا نهبت إبّان الوكالتين الأولى بزعامة ‘المجاهد الأكبر’ والثانية بقيادة ‘رجل التغيير’. لن تنفكّ عن ذلك ما لم تنجح تونس الجديدة – وريثة ‘تونس الشهيدة’ على تعبير الشيخ الثعالبي- في استئصال شروط إمكان الاستبداد وعودته وأن تطهّر ثقافيا الوحدات السرطانية الثاوية التي نجحت في الاندساس خاصة داخل الجزء اللاّمرئي وظيفيا -المجال الفني والثقافي والجامعي خاصة- من جسد الأمة. كما يُدرَك يقينا أن الاعتصاماتِ والحرائقَ الحقيقيةَ منها والرمزيةَ – الأكثر خطراً والأبعد أثرا- واستفزازَ الأطراف الرخوة في المشهد السياسي – السلفيين مثلا- والاستفرادَ بما يسمى في تونس استحقاقا ‘بإعلام العار الوطني والخاص’ ليست إلاّ الشكلَ التعبيريَّ الأجلى عن حشرجة الثورة المضادة وأعوانها في الداخل والخارج وما بينهما.

الجميع يعلم كذلك أنّ الفضل الأكبر لهروب بن علي المفاجئ هو كشفه عن حجم الدمار الذي لحق بالمجتمع والدولة، بالبلاد والعباد حتّى عادت الخضراءُ صحراءَ لا تعيش فيها غير الأفاعي والصبّار ولا تثمر ككل قفرٍ غير السراب والإحباط وتجارة الوهم. ‘صحراء بن علي’ هذه أجلى اليوم ممّا كانت عليه بالأمس حيث أزاح ‘الحدث التونسي’ غطاء سميكا كان يدثّر المعارضة الرسمية -صنيعة بن علي- قبل أن يُسربِل فلول التجمّع وكتائب الدساترة فارتدّ الجميع ثوريا بعد ‘الثورة’. حتى عتاد التجمعيين ممّن تلطخت أكفّهم بدماء التونسيين صاروا الأحرص على احترام حق الاختلاف وتدريس أدوات تفعيل الشعور الوطني مجانا. إنّ الحدث كان جلَلا لكنه على ضخامته كان – من فضل الله علينا- يتيمًا صنعَه مجهولون ومهمّشون معطّلون وناقمون من أحرار تونس وحرائِرها اتفق وعيُهم ولا وعيُهم في لحظة فارقة وفي غفلة من مراكز البحوث ووحدات الاستشعار – عن بُعد وعن قُرب- على أنّ ‘الشعب يريد إسقاط النظام’ وانّ اللحظة قد حانت. ‘استجاب القدر لإرادة الحياة’ إذن وانهار جدارُ الخوف السميكُ الذي يحصِّن الاستبدادَ وكان الذي نعلَم. لكنّ النظام -بمعنى مجموع الشبكات الوظيفيّة العامِلة – لم يسقط بعدُ بل سقطت واجهتُه المرئية ممثَّلة بالنظام السياسي لتبقى باقي الأنظمة الإعلامية والثقافية والاجتماعية والمالية بنفسجيةً فاقعٌ لونهُا عاملةً فعّالةً تسعى إلى هدفين إما استعادة النظام السياسي بواجهات جديد -نداء تونس وبقية أحزاب التجمع مع كتائب اليسار واتحادات العمال- أو التلوّن مع الراهن السياسي بالتحلّل داخلَ مراكز القوى الحاكمة واختراقها لإعاقة عملية الانتقال نحو مجتمع العدالة الاجتماعية مثَلُها في ذلك مثل الخلايا النائمة محكومة بسلوكها الجرثومي غريزيا. لكن الدرس الأعمق ممّا لم تدرك النخبُ إلى اليوم كنهَه هو أنها جزء من هذا النظام وأنها حجر الزاوية في جدار الخوف والصمت الذي أرسى دعائمَه الإستبدادُ. لقد نظّرت النخب التونسية خاصة والعربية عامة للتغيير والوحدة والديمقراطية والحداثة ومحاربة الرجعية والإقليمية ونادت بالاشتراكية والعدالة لكنها عملت -باستثناءات نادرة جدا- عن وعي وعن غير وعي على وأد هذه الشعارات وعلى التمكين لنفسها فبل التمكين لشعاراتها. إنها شعارات تفضح على ألَقِها فقرا معرفيا مدقعا لنخب تجاوزتها الشعوب بحسم المعركة نزولا إلى الشوارع والميادين لتترك لها المنابر والإعلام والإيديولوجيا لتترك لها أبراج العاج والخطب الرنانة وتجارة الوهم مهما كان لونه. والله أعلمُ.’ استاذ محاضر في السوربون ـ باريس –

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية