المخرج المصري يوسف مرزوق: انا مع التيارات الاسلامية في تشددها ضد الابتذال وضدها اذا اساءت للفن والمرأة

حجم الخط
0

التقته فاطمة عطفة: المخرج يوسف مرزوق شاب مصري درس الإعلام في الجامعة الأمريكية بالقاهرة اختصاص الإعلان، ثم سافر إلى أمريكا لدراسة الفن السينمائي، انتسب في لوس أنجلوس إلى أكاديمية نيويورك للأفلام وتابع دراسته العليا مدة سنتين حتى حصل على درجة الماجستير بالإخراج السينمائي، بعد تخرجه عمل لمدة سنة ونصف وكتب خلال هذه المدة الفيلم الذي سيقوم بتصويره في مصر. رجع من مصر من عدة شهور فقط. كان لقاؤنا في أبوظبي حيث كان يقوم بإخراج مسلسل رمضاني بعنوان ‘كلمة’ سوف تبثه إذاعة أبوظبي الإمارات. * لتكن البداية مع مسيرتك السينمائية وسبب اختيارك للفن السينمائي، هل هو ناتج عن هواية لك أم عن دراسة أم الاثنان معا؟ * ‘في الواقع بدأ كل شيء مصادفة حتى إنني لم أدرس السينما في مصر، إنما كانت دراستي في الإعلام، لكني كنت أعشق الفن والتصوير والسينما وأحكي القصص منذ الصغر. وفي أيام الجامعة كنت أحضر أصدقائي ونكتب سيناريو وقصصا قصيرة ثم أقوم بتصويرها على أنها أفلام. وقبل ذلك في المدرسة كنا نقوم بمشاريع خاصة بطلاب الصف وكنت أعمل على بتصويرها، بالرغم من أنه في تلك الأيام لم يكن هناك (سوفت وير) مما جعل الأمر معقدا قليلا، وكذلك فعلت في الجامعة حيث صورت المشاريع الخاصة بالطلاب مع القليل من المسرح في المدرسة والجامعة حيث قمت بالتمثيل، مع أني لست بممثل ولكني خضت هذه التجربة وكذلك غنيت في الجامعة. بالنسبة للإخراج كان لي تجربة إخراج ليس في المجال السينمائي بل هو أقرب (للتوك شو) حيث أن الجامعة الأمريكية في مصر تقوم بهذه البرامج كل أسبوع، وكان يحضر بعض الشخصيات المهمة والفنانين القديرين مثل نور الشريف وجورج قرداحي وحكيم وقد عمل هذا البرنامج ضجة كبيرة في الجامعة وكان شيئا مهما بالنسبة لي’.* هل يمكن أن نعتبر أن الهواية الكبيرة لديك وتشجيع من هم حولك بالإضافة لدراسة الإعلام، هذا المزيج هو الدافع للتوجه نحو الإخراج السينمائي؟*’نعم، هذا هو الذي دفعني لاتخاذ هذا القرار الكبير والسير في هذا الاتجاه، لقد كان من حولي من أهل وأصدقاء والناس يشجعونني بشكل كبير وكانوا يقولون لي أنت تتمتع بموهبة عالية، فلماذا لا تدرس السينما؟ لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة بالنسبة لي حيث أني بعد التخرج عملت في الإعلانات وقمت بإخراج بضعة إعلانات، بالإضافة لعملي في الشركة. كنت قد قمت بتشكيل شركة صغيرة مع أصدقائي في ذلك الوقت، وكنت أتولى بها قسم الإبداع والتصوير والإخراج والكتابة، فأنا أحب الكتابة. لذلك عملنا على مشروع وهو أفلام زفاف حيث أن العروسين يأتيان إلينا ويقومان بتمثيل فيلم صغير مدته لا تتجاوز عشر دقائق يعرض أثناء الزفاف. كنت أخرج طاقتي التي كنت أرغب أن أوظفها بالإخراج في هذه الأشياء لأنه لم يكن هناك من يستطيع أن يدخلني في عالم الإخراج، فأنا لم أكن قد درست السينما في تلك الفترة، ولا أعرف أحدا من الوسط الفني أعتمد عليه، فلم يكن هناك لي علاقات مع أي فنان أو أستاذ يضعني على أول السلم في السينما المصرية. وبعد كل ما فعلته وجدت نفسي أريد أن أغير عملي للشيء الذي أحبه فقررت السفر لأمريكا لدراسة السينما.* درست السينما في أمريكا وتعرفت على صناعة السينما في هوليوود، ما هو حجم الصعوبات التي واجهتها في أثناء تواجدك هناك؟ وما الذي أضافته السينما الأمريكية لك؟ *’لقد تعلمت في لوس أنجلوس وهذه الصناعة في هوليود تشعرين أن البلد قائم على السينما حتى إنه عندما ذهبت في 2008 كان هناك إضراب بسبب انهيار في الاقتصاد، بالرغم من ذلك السينما لم تتأثر لأنها تعمل 24 ساعة والعجلة دائرة بالنسبة لهم. فالتراث الفني الخاص في أمريكا هو السينما كما هي الأهرامات والفراعنة بالنسبة لنا، وهم يعتزون بها. لقد تعلمت أشياء لا أظن بأني كنت سأتعلمها هنا، لكن الأمريكان لهم نظام خاص بهم في إدارة الفيلم منذ بدايته حتى عرضه، فهم لهم بصمتهم الخاصة المختلفة عنا. لقد كنت أتساءل لماذا أفلامهم تختلف عن أفلامنا؟ وأنا هنا أتحدث عن أفلامهم البسيطة وليس عن الأفلام الضخمة التي تعادل تكلفتها 200 مليون دولار، فهي تخرج بشكل جميل ورائع. أما بالنسبة لنا بالنسبة للأفلام الصغيرة فوضعها يرثى له، والأفلام التي تكون تكلفتها عالية وتضم ممثلين قديرين على أساس أنها ستكون أفلام مميزة، فهي أيضا لا تخرج بمستوى أفلامهم. هم لديهم جيش يعمل في هذا المجال، بالإضافة لامتلاكهم استديوهات كثيرة، ولديهم إمكانيات كبيرة ويستغلون كل طاقة كي يصلوا لأفضل النتائج. وتراهم أيضا يهتمون بأصغر التفاصيل وهم ملتزمون بالعمل والوقت بشكل رهيب. في مصر الالتزام ضعيف، ويقولون لك إن الفنانين في الماضي كانوا ملتزمين أكثر من الفنانين اليوم، وأيضا يقولون إن ممثلي المسرح ملتزمون أكثر من ممثلي السينما باعتبار أن المسرح له مواعيده. أظن أن ظروف البلد والزحمة وضغوط الحياة والبيروقراطية لها تأثيرها عندنا، لكن في أمريكا هناك تنظيم كبير وبدرجة عالية.* تصوير الأفلام الروائية الطويلة يتجه أحيانا إلى المغرب، على أساس أن لديهم هناك مؤسسات كبيرة بالإضافة للكوادر المتاحة والطبيعة والتضاريس والمعدات، لكن عندما ترى الفيلم تجده أيضا ليس بالحرفية كما الأفلام الأجنبية، ما السبب وراء هذا الاختلاف؟ ما السر الذي يجعل أعمالهم تمتاز بتفوقها عن أعمالنا بالرغم من توفر الأدوات والإمكانات؟ * ‘هناك عدة نقاط تجعلهم متفوقين، المعدات والخامات هي نفسها المستخدمة في كل مكان، لكن المشكلة تبدأ فيما بعد ذلك. أولا، الأمر يتعلق بالسيناريو وبجمال قصة الفيلم فهي يجب أن تكون مميزة كي تشد المشاهد. ثانيا، الممثل والأداء العالي فيجب إحضار ممثلين قادرين على أداء الدور وتقمصه كي يمنح شعورا للمشاهد بأنه هو ذات الشخصية التي في الفيلم فينسى المشاهد أن هذا الشخص هو ممثل. النقطة الثالثة التقنيات التي يستخدموها، فهم لديهم تقنيات لكل شيء كما أن عندهم محترفين في جميع المجالات، وبالنسبة للكادرات هم بارعون فمثلا لو أتوا ليصوروا الأهرامات لخرجت الصور مختلفة عن صورنا لها. وهم دقيقون جدا لذلك يلونون الصورة بشكل رائع. في مصر هناك عدد قليل من الأشخاص الذين يعملون في مجال الأفلام السينمائية الروائية حصرا وهم جيدون في موضوع تلوين الصور، هم يستخدمون الأشخاص البارعة في التلوين في مجال الإعلانات لأن مردود الإعلان ضخم ومدته لا تتجاوز ال45 ثانية، فهم يفضلون أن يأتوا بشخص يعمل الإعلانات. لكن أن يأتوا بشخص يدفعون له الكثير من أجل أن يعمل على تصوير فيلم لمدة ساعة أو ساعتين فلا، ويقولون: فلنوفر هذا. إذاً، هي عملية تجارية فهم يوفرون من هنا وهناك كي يحقق الفيلم ربحا لهم. ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن الأفلام الأميركية أفلام عالمية تعرض في جميع أنحاء العالم والجميع يعرف الثقافة الأمريكية فلو رأوا فيلم لـ (سوبرمان) أو (بات مان) لتقبلوه بشكل طبيعي وأقبلوا عليه، لكن لو قمنا في مصر بعمل فيلم لسوبرمان فسيهزؤون بنا، لأنه غير متعارف عليه في ثقافتنا السينمائية. إذاً، أفلامهم تحقق مردودات ضخمة جدا، أما بالنسبة لنا هنا فالفيلم يوزع محليا ثم عربيا ثم يعرض في القنوات فهو لا يحقق الأرقام الضخمة التي تحققها أفلامهم.* عدت من أميركا حديثا، ومصر اليوم تعيش ثورة شباب وديمقراطية جديدة، هل تعتقد أن السينما في مصر بعد الأحداث ستقدم شيئا جديدا يشكل علامة تاريخية وستكون مختلفة عما سبق؟ *’في البداية كان هناك تخوف كبير من استلام التيارات الإسلامية السلطة والتي من الممكن أن تحجم الفن في البلد، لكن بالنسبة لي أنا لا أعتقد بأن هذه التيارات ستحجم الفن بشكل عام بل ستحجم الفن الرديء المسف، وأنا مع هذا. فمثلا، هناك أمور أنا أعترض عليها مثل الإغراء والأساليب الرخيصة التي يعتمدها الشخص من أجل تحقيق الأرباح، فنحن في النهاية مجتمع شرقي ولا نحب هذا ولن يأخذ أحد زوجته وأبناءه من أجل رؤية هكذا أفلام هابطة بهذا المستوى، وأنا أرحب بإلغاء مثل هذه الأعمال المبتذلة. لكن المشكلة تكمن لو قالوا أنه ممنوع على المرأة أن تمثل، ولا يجوز أن تظهر شعرها وما إلى ذلك، فهذه مشكلة وهذا سيؤثر كثيرا لو حدث. لا أحد يريد التشدد في هذا وذاك، ولكن بالنسبة للأمور الأخرى التي كانت موجودة من قبل قيام الثورة والتي يعترض عليها المجتمع ليس دينيا فقط بل أخلاقيا واجتماعيا، فلا بأس أن يتشددوا بها’.* ماذا عن أعمالك وما هو مشروعك القادم في هذه الفترة؟ *بالنسبة لأعمالي الجديدة، كنت كتبت قبل عودتي من أمريكا سيناريو فيلم روائي طويل وهذا هو مشروعي وأتمنى أن أجد رجل الأعمال الراغب بإنتاج جيد ينتج الفيلم، وحاليا أنا أبحث عن الممثلين الذين سيؤدون الأدوار. الفيلم يتحدث عن جريمة قتل، ولكن ليس بطريقة الدراما الحزينة بل فيه جانب كوميدي وفيه أمل، والشخصيات الموجودة فيه ليست سهلة. هذا هو الذي سأبدأ به، فأنا كمخرج أريد أن أعمل في مجال السينما فقط. هناك مجالات أخرى كالبرامج والإعلانات وحتى تصوير الموسيقى والأغاني.. وكلها جميلة، لكني لا أريد العمل إلا في مجال التصوير والإخراج السينمائي، فأنا سافرت ودرست لأحقق حلمي هذا في بلدي وأطبق هنا ما تعلمته هناك. وربما يكون عملي هذا منارة للجيل الجديد الذي سيدرس الفن السينمائي، سواء في مصر أو في الخارج، بأن يطورا ويقدموا أشياء جديدة ويبتعدوا عن الشيء الموجود بالأصل. أتمنى أن نقوم بتقديم أشياء جديدة متميزة وأن لا يكون هناك فرق بين أفلامنا وأفلامهم بعد اليوم، وأن يكون لنا بصمة خاصة بنا ليس بأفكارهم بل بأفكارنا، لكن بنفس جودتهم وصورتهم والتزامهم، وبمستوى متميز بالشكل والمضمون، وبنفس الجهد المبذول لإخراج الفيلم بالصورة التي تخرج لديهم.* لا بد أنك تابعت الثورة المصرية وأنت هناك في الغربة، كيف كانت متابعتك للأحداث؟ وهل توقعت أن تصل الثورة إلى ما وصلت له من اختيار للرئيس؟ وكيف ترى المكاسب التي حققتها الثورة هل هي كافية بالنسبة لتطلعاتكم كشباب مصري؟ *’المشكلة بالنسبة لي أني لم أكن حاضرا في فترة الثورة، ولكني كنت متابعا للأمر لكن المتابعة تختلف بشكل كامل عن أرض الواقع. وسائل الإعلام في أمريكا مسيطرة بشكل كبير وكانت لا تظهر الوقائع كما هي، وكنا نشعر بأن الدنيا خراب مع أني كنت أحادث أهلي في كل يوم وكنت أطمئن عليهم. كنت أسمع من أهلي أشياء وأشاهد على الشاشات شيئا آخر. نعم كانوا يعرضون أشياء حقيقية مثل موقعة الجمل وميدان التحرير، ولكن ما بعد هذا كانوا يتوهوننا ولم نعد نعلم من مع من، ومن ضد من، فأخذت أدخل النت وأقرأ الصحف وأشاهد ‘السي إن إن’ و’الجزيرة’، أحاول أن أبحث عن الحقيقة فتهت وكل طرف يقول آراءه الشخصية ويحور الأمر حسب إيديولجيته وسياسة الجهة التي يتبع لها. لهذا، قررت أن أقاطع الأخبار فأنا لا أحب أن لا أكون غير فاهم للحقيقة، ولا أحب أن أقف مع طرف ويكون الطرف الآخر هو المظلوم. عندما عدت وجدت الأمور هادئة ولم أشاهد إلا مظاهرات صغيرة، ولكني لم أر مشاهد قتل ودم وما إلى ذلك. بالنسبة لانتخاب الرئيس، أنا أتمنى أن يكون كل شيء بخير وليس أن الإخوان المسلمين تسلموا مقاليد الحكم، فالدنيا ستنهار والسياحة سوف تدمر، وهذا لن يحدث. ربما ستسير الأمور نحو الشيء الجيد، حتى لو كان السيد شفيق هو الذي فاز بالرئاسة فربما قاد البلد للخير أيضا، لا أحد يعلم. سوف نجرب الرئيس محمد مرسي لا مشكلة في ذلك، لقد عشنا مع النظام السابق لمدة ثلاثين سنة ورأينا ما الذي حدث، فلنجرب اليوم الإخوان وما الذي سيفعلونه، إن كانوا يريدون أن يعدلوا فهاهي المياه تكذب الغطاس، فنحن أمامنا أربع سنوات سنرى خلالها كل ما يجري.* في حديثك لمحت للإعلام ومصداقيته في عدم عرض الحقائق، كيف ترى الإعلام العربي وما مقدار القوة التي يتمتع بها هذا الإعلام، وخاصة في متابعة الثورات، وهل ترى أن الإعلام كان منصفا ومتمتعا بمصداقية تتناسب مع هذه اللحظات التاريخية؟ * ‘أنا مشكلتي مع الإعلام هي أنه لا يملك المصداقية ولا يقدم الحقائق، الشيء الوحيد الذي يدفع الناس لمتابعة برنامج سياسي مثلا هو الكاريزما التي يمتلكها المقدم فيدفعهم لسماعه، وفي نفس الوقت يقدم لهم أخبارا كاذبة. وتسأل المشاهدين لماذا يتابعونه، فيقولون هو مثقف و دارس وفاهم. لكن لأنه دارس ومثقف وفاهم فهو يكذب عليك، بالنسبة لي أنا لا أصدق القنوات الأجنبية ولا العربية، فقط أصدق الشيء الذي أراه بعيني.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية