مرّت شهور تلتها أشهر أخرى ولم يتغيّر شيء على أرض الواقع.. ماذا جرى؟ لماذا لم تُشرق الشمس بعد؟ فأنا أريد أن أنهض! سألت جثّتي النائمة ضميري الواقف بين يديها يحرسها. هل هذا يوم القيامة الذي تتأخر فيه الشمس عن موعد شروقها ثم تباغتنا من مغربها؟ أم أنّها ليلة صيف تحوّلت إلى ليلة شتاء طويلة؟
فلنعد لأصل الحكاية وبدايتها! خاطبني هاتف مجهول.
اعذروني.. فلم أجد مقدّمة أقرب للتعبير عن شعورنا نحن التونسيين وخيبة أملنا من أداء أول سلطة شرعية منتخبة في البلاد، شعور النائم اليقظان شعور الحيرة والبهتة.
عند تولّي حكومة ‘الباجي قائد السبسي’ كانت البلاد في حالة اعتصام مستمرّ قضى على عجلة الإنتاج والاقتصاد وتعطّلت دواليب الدولة في عدة مناحٍ ولم يخرج صوت واحد ممن استلموا بعده السلطة ينادي بترك الشوارع والانصراف للعمل الجاد في انتظار الاستحقاق الانتخابي المقبل، أقول كلامي هذا ليس دفاعاً عن ‘السبسي’ وأنا المُقرّ بأنه أحد أسباب ما آلت إليه تونس اليوم من حالة ركود واضطراب، قلت لم يدعو أحد للتهدئة بل بالعكس تعالت أصوات هنا وهناك ناقدة ساخطة من أداء الحكومة وتحمّلها سبب الاخفاقات ونذكر منها ذكراً لا حصراً ما صاحب تأخر المحاكمات وبعض الأحكام المخفّفة المضحكة من مظاهرات قادها حكّام اليوم متّهمين الحكومة وقتها بالتراخي وعدم جدّيتها في إصلاح منظومة القضاء واعدين في نفس الوقت بقضاء حر ونزيه وبإعادة هيكلته من جديد حال وصولهم للسلطة.
وعدونا نحن التونسيين أنه إذا تم انتخابهم سيكون هناك ‘حسم ثوري’ وستُعالج كل القضايا العالقة جميعا بطريقة سريعة تُرضي الثوّار.
وتمّ انتخابهم وشكّلوا حكومتهم وقالوا من جملة ما قالوا أن عهد الدولة البوليسية قد ولّى بدون رجعة لكن رأينا نحن التونسيين وجه نظام بن علي البوليسي الشرس يعود من جديد يوم 9 أفريل الشهير، فتعالت نفس تلك الأصوات تبرّر القمع الوحشي وتطالب بإعطاء السلطة الشرعية فرصتها بعد أن ضيّعت لحد ذلك الوقت 4 أشهر في لا شيء!
وفي خضمّ ذلك كلّه سارت نفس تلك المحاكمات، التي كانوا ينتقدون بطأها، سارت سير السلحفاة السكرانة والأغرب من ذلك كلّه هو تعالي نفس الأصوات مجدّدا بوجوب احترام القضاء وقراراته مع العلم أنه بقي على حاله ولم تتمّ إعادة هيكلته كما وعدوا ناخبيهم.
لم تتغيّر الإدارة الفاسدة ولم يستطيعوا عزل مسؤول بارز كبير واحد وكأن ذلك الموظّف صار أقوى من الدولة! لم يوضع حجر أساس واحد لأي من آلاف المشاريع الصغرى والمتوسطة والكبرى وحتى العملاقة منها! بل بقيت فقط حبرا في المطويّات والبرامج الانتخابية.
صبراً! صاحت نفس الأصوات المؤيّدة دائما. عانينا من التطبيل عدّة سنين وعقود ومع قيام ‘ثورتنا’ ظننّا أننا تخلّصنا من تلك العادة الدنيئة للأبد لكنّنا اكتشفنا أن الحياة لا تستقيم عند ‘فئة’ إلا بتسبيح حمد الخليفة ليل نهار واعتبار سياساته كلّها ‘راشدة’ بل وتجتهد (تلك الفئة) أيّما اجتهاد في إيجاد تبريرات مضحكة محزنة وأحيانا غبيّة لتلك السياسات ‘الراشدة’ الغير رشيدة. إن الملاحظ لعمل حكومة النهضة (هذا إن وَجد فعلا عملا يلاحظه) يرى تخبّطا وارتجالا محيّريْن فكل وزير هو في واديه هائم. ليس هكذا تُدار البلدان يا سادة! تعالى صوت التونسيين هذه المرّة.. فأداروا لنا ظهورهم وصمّوا أذانهم مستندين لشرعية الصناديق التي أتت بهم!
أنا لم أُرِدْ ولن أُريد أهدافا وإنجازات آنية من الأكيد أنها ستزول سريعا فيما بعد. بل أريد أن أرى أسس الدولة التي ننشدها، وحتى إن لم ننعم بفرحة اكتمالها من المؤكّد أن أجيالا بعدنا سترى ثمرات أيدينا وتنعم بها، أُريد أن أرى أول حجر يوضع في صرح دولتنا وجمهوريتنا الثانية دولة الرخاء والنّماء والحب والعدل والمواطنة والمعرفة والعلم والحرية والديمقراطية.. لكن للأسف لم أرى ذلك الحجر بعد ولم يره التونسيون أيضا ورغما من ذلك بأسف اكبر فقد رأته فئة المطبّلين وكأننا صرنا (نحن التونسيين) لا نرى بل ويتعجّبون (المطبّلين) من قِصَر نظرنا!! أختم بتساؤل رئيس حكومة النهضة عندما زار حيّا من الأحياء تكدّست فيه الفضلات: ‘أين البلدية؟.. أين الحكومة من هذا؟!’ فعلا أين الحكومة؟ أين هم من يحكموننا؟ هل نسيت ‘سيدي الوزير الأول’ أنّك رئيس للحكومة التي لم ترها ‘حضرتكم’ عندما نزلت إلى الشارع وصُدمت بالواقع؟ أرأيت أنت ما رأيناه نحن أبناء الشعب من تردّ وعدم وجود أيّ تغيير فعلي؟ ‘سيدي الوزير’ رجائي أن تنقل لجموع المؤيّدين ما رأيتَ أنت وأخبرهم بالنزول من عليائهم إلى شوارع تونس.. تونس الحبيبة كي يروا ما رأيتَ وما رأينا قبلكم وما تغاضوا عنه هم!
نهايةً.. التفت ضميري لجثّتي النائمة وقال: لا تستيقظي الآن فالفجر مازال بعيداً!
عاطف دلاليقفصة – تونس