داخل كل إنسان إنسان آخرالقاهرة “القدس العربي” من كمال القاضي: على طريقة المسرح التجريبي، حيث الاعتماد الرئيسي على الرمزية في الحركة والجملة الحوارية والطقوس والإشارات والتحولات الحوارية والطقوس والإشارات والتحولات كتب المؤلف أحمد حجازي فيلمه الكوميدي النفسي يا أنا يا هو’ مركزاً على شخصية البطل ‘نضال الشافعي’ الذي يعاني من إزدواج في الشخصية نتيجة المسافة الشاسعة التي تفصله عن الحياة الواقعية المليئة بالقسوة والشراسة وهو المسالم الهاديء الوديع، الأمر الذي اضطره لا شعورياً إلى تقمص شخصية أخرى غير شخصيته الحقيقية تتسم بالقوة والعدوانية والشر، عاش فيها ليحتمي بها من ضعفه وجبنه.
لقد رسم لنا المؤلف شخصيتين لإنسان واحد، الأولى تمثلت في ‘سعيد’ الطيب الخجول والثانية شخصية ‘حازم’ الشرير العنيف، وبشكل يقترب من الفانتازيا وضع أمامنا النموذجين لنعيش حالة من الصراع الوهمي بينهما وهو صراع تأسس على حب التملك والسيطرة من جانب الشخص الأقوى، بينما لم يكن كذلك من جانب الآخر الضعيف فطوال الوقت نرى سعيد يجنح للخير والسلام، فيما يزداد حازم صلفاً وعناداً! ولكي يكون الإحساس بالفارق الجوهري بين الاثنين واضحاً جعل الكاتب أحمد حجازي همزة الوصل بينهما فتاة هي ريم البارودي أو ‘جميلة’، حيث يتسابق الرجلين ويتقاتلا عليها في محاولات مستميتة لكل منهما للاستحواذ عليها، وأمام التفاصيل الصغيرة في هذا الصدد تتكشف لنا مكونات كل شخصية وكالعادة يأتي الطبيب النفسي ‘لطفي لبيب’ مراقباً ومفسراً لردود الأفعال من كل طرف، فما يتبدى لنا في الصورة الدرامية هو محاكاة لحالة مرضية قد يشهد الواقع المئات منها.
لذا فإن ما دعا المخرج تامر بسيوني لرصد الصراع النفسي المترتب على حالة الفصام الموجودة لدى البطل كان منطقياً لولا الجنوح الى الاسلوب المسرحي أحيانا واكتناف الأحداث لكثير من الغموض مما أفقد الفيلم طابعه العلمي وباعد بين النقطة المحورية فيه وإدراك الجمهور، حيث التداخل بين حياة البطلين الافتراضيين سعيد وحازم والتشعب إلى خيوط دقيقة قد ذهب بالفكرة بعيدا وجعلها أقرب الى الهستيريا منها الى الحالة الفصامية، بيد أن الشخصيات الثانوية في الفيلم لم تكن مؤثرة إيجابيا، ولكنها على العكس أدت إلى مزيد من التشويش فشخصية عبدالله مشرف لم تزد عن كونها جرس إنذار يلفت النظر إلى وجود البطل داخل شقته من عدمه واستشعاره بأن خاص هناك شيء غريب يحدث خلف الجدران والأبواب المغلقة، إذ أن مشرف وهو شخص بسيط من سكان العمارة لم يذهب ظنه إلى أكثر من الاعتقاد في علاقة شبه مرضية بين ‘سعيد’ والقطط فطوال الوقت يردد بينه وبين نفسه ما يشي بدهشته واستغرابه الشديدين من انزعاج صاحبه وجاره من القطط الأليفة، وعليه لم يكن دور مشرف كاشفاً لشيء غير عادي ولا حتى إضافة كوميدية.
كذلك جاء دور الفنانة القديرة رجاء الجداوي هامشياً للغاية فهي أم ‘جميلة’ حبيبة نضال الشافعي المرتابة فيه والمتصورة أنه شخص معتوه يطارد ابنتها والمنوط بها حمايتها منه، وربما لم تظهر كثيرا في الأحداث اللهم مشهد أو مشهدين أو ثلاثة يبرز منهم مشهد المواجهة التي ضربت فيه الشافعي ‘علقة’ ساخنة، وهذا يدلنا على ضعف في السيناريو لم يمكن المخرج من تفعيل دور هذه الفنانة القديرة فيكسب الفيلم قدرا من الأهمية ويخلق حيزا أوسع تتحرك فيه الشخصية على راحتها بما يفيد الحدوتة ويفضي إلى نتيجة في نهاية المطاف.
نذهب أيضاً إلى نيرمين ماهر وهي وجه جديد لعبت دور الحبيبة الأخرى للبطل ذو الشخصيتين فظهرت في مشهد النهاية ترتدي فستان الزفاف وتجلس على يسار الزوج في الكوشة التي اتسعت لأول مرة لعروستين باعتبار أن ما يتمتع بشخصيتين لا تكفيه عروسة واحدة، وهذا بالطبع على سبيل السخرية من معاناة المريض الذي صار أسيراً لوجهين وروحين وإنسانين مختلفين في كل شيء وأيضا تأكيدا على المعنى المجازي المتخيل لهذه المأساة وهو الأزمة التي يمكن أن يعيشها من يقع فريسة للمرض النفسي الفصال، حيث كل شيء في حياته يصبح ثنائيا، فما هو كامن في العقل الباطن يخرج الى حيز الوجود فيتحول الى منافس قوي يقف بالمرصاد لصاحبه الذي هو هو لا أحد غيره فيدخل في تحدي لمواجهته كي تكون الحياة لشخص واحد فقط فيصبح القرار الذي لا مفر منه ‘يا أنا يا هو’ وهو المعنى ذاته لعنوان الفيلم الذي يهدف الى إقصاء الشخص الآخر داخل كل إنسان فيظل طل منا نفسه فقط.
لقد طرح لمخرج تامر بسيوني الفكرة مجسدة دون محاولة لايجاد حل تاركاً الفرصة أمام المشاهد للاجتهاد والتخيل لأن الحل الدرامي المتصور يحد من القيمة الإبداعية ويحول الفيلم الى مجرد حدوتة كلاسيكية تبدأ أحداثها مع بداية الحالة المرضية وتنتهي بنهايتها، وهنا يتخلى الكاتب والمخرج كلاهما عن فلسفتهما الخاصة فيما يطرحون، وبما أنهما لم يفعلا ذلك فقد نجحا في إثارة الذهن الإبداعي وابتعدا به عن النمطية الفكرية وحدود الاستيعاب التقليدي، وربما يكمن المعنى الحقيقي في تلك الدهشة والنظرة البعيدة لعملية الفصام.
ولا شك في أن الأداء الجيد لنضال الشافعي قد أسهم بشكل كبير في التفاعل والتلقي والإقناع ولعب دوراً رئيسياً في اقتراب المشاهد من دائرة البطل الإنسانية والوعي بالتفاوت اللا إرادي في تصرفات وسلوك الشخص المريض ويعد هذا نوع من الثقافة العلمية تضيقها السينما الى رصيد جمهورها إذا ما انتبه الى أهمية ما يراه ويسمعه على الشاشة.
الفيلم في مجمله حالة فنية جديدة بالتقييم وإن كان يعيبه ما شبه من ابتسار ظن أصحابه أنه التكثيف الدال على الحالة دون زيادة أو نقصان، غير أن واقع الحال هو الاجتزاء وليس التكثيف وهذا عوار فني لا يليق بسينما من هذا النوع.