محمد العثمانداهمني هذا السؤال وأنا أقرأ الكثير من الملاحظات على مداخلاتي الأخيرة في التويتر والفيس بوك. وما يعنيني في هذا المقال الفئة التي تطرح السؤال وتتبعه بالتحفظ على توقيت الإصلاح وليس رفضه بالمطلق. من يرفض الإصلاح جملة وتفصيلاً ويرى أن البحرين وشعبها لا حاجة لهما في الإصلاح فأنصحه أن لا يتعب نفسه بمواصلة قراءة كلماتي أدناه.’توقيت الإصلاح…’مذ بداية الحراك الاحتجاجي 14 فبراير 2011 إلى اليوم، لم يمر اسبوع إلا وتصدرت أزمة البحرين عناوين ونقاشات وتقارير إعلامية وسياسية تصدر في العالم (المنظمات الدولية والدول المتقدمة) إلا وذكرت البحرين وضرورة السير باتجاه الإصلاح.
ناهيك عن عدم توقف الناس في البحرين عن الحديث حول سبل الخروج من الأزمة سواء بالحل الأمني وهو غير مناسب إطلاقاً ولا ينفع البحرين ولم ينفعها طيلة قرن مضى وليس عقد أو أكثر. أو من خلال البحث عن سبل سياسية لإنهاء النزف السياسي والذي صاحبه تراجع في المؤشرات الاقتصادية لوضع البحرين في الجغرافيا الاقتصادية مقارنة بما قبل الأزمة.’تاريخياً استخدم النظام السياسي طيلة قرن من الزمن الأجهزة الأمنية لقمع أي تحركات إصلاحية. وفي بداية القرن الماضي كانت هناك ثورة الغواصين ضد نظام التسليف والسخرة الذي كان سائداً في تلك الفترة. وانتهى باستشهاد الكثير من البحارة الذين ثاروا على نظام الظلم الجاثم على صدورهم.
بعد تدشين الأندية الوطنية الثقافية والاجتماعية وتنامي الوعي السياسي لدى الطبقات البورجوازية والطبقة التجارية وفي العام 1923 تحديداً، قدم اثنا عشر نقيباً بقيادة المجاهد عبدالوهاب الزياني إلى حاكم البحرين إذاك وثيقة تتضمن مجموعة من المطالبات السياسية في الإصلاح وعلى رأسها انتخاب مجلس شورى يمثل أهل البلاد. وقام النظام بالتعاون مع الإنكليز بنفي قادة الحراك الوطني إلى اصقاع الأرض أحدهم إلى العراق وآخر شرق السعودية والقائد الزياني تم نفيه إلى مومبي.’وفي ثلاثينيات القرن الماضي كانت البحرين على موعد مع أول إضراب عمالي احتجاجاً على تدني المعاشات والظلم الذي كانت تمارسه الإدارة الأجنبية لشركة استخراج النفط. فكان أن نظم العمال انفسهم وانتخبوا قيادة عمالية من ستة أفراد مناصفة بين السنة والشيعة. وما إن استقام الوضع للعمال بشكل منتظم؛ إلا وكان الخيار الأمني سبيلاً للنظام السياسي فقام بتهجير أبرز قادة الحراك النقابي والحقوقي إلى خارج البلاد. وكان يقود الحراك المناضل سعد الشملان. وفي الخمسينيات حدثت فتنة المحرم بين السنة والشيعة وكانت لأخ الحاكم اليد الطولى في اشعالها؛ وكادت أن تتحول الجزيرة الوادعة إلى بركة دماء. فنهضت ثلة مؤمنة بالبحرين والبحرينيين بقيادة الزعيم الوطني الخالد عبدالرحمن الباكر -رحمه الله- فكان الاتفاق على تشكيل هيئة الإتحاد الوطني مناصفة بين السنة والشيعة وتنظيم الحراك السياسي في البلاد. فاعتبرت الهيئة أول تنظيم سياسي في الخليج العربي. وكان جزاء هذا العمل الوطني الرائع في إخماد الفتنة لجوء النظام السياسي للخيار الأمني ومحاكمة قادة الهيئة في محكمة صورية وسجن بعض القادة ونفي البعض الآخر.
في ستينيات القرن الماضي اندلعت شرارة انتفاضة شعبية سقت أرض البحرين بدماء الشهداء (سنة وشيعة) وذلك استمراراً للنضال ضد الاحتلال البريطاني والسلطة المتعاونة معه. ومع انقضاء السنة الخامسة من اطلاق شرارة الانتفاضة واستشهاد الثوار وقع أمير البحرين إذاك وثيقة الاستقلال عن بريطانيا العظمى.
مع ارتقاء المد الناصري تنصرت البحرين (نسبة إلى الزعيم عبدالناصر) ومع حرب الأيام الخمسة نكسة 67 ‘تيسرت البحرين’ على خطى (الإشتراكية الماركسية اللينينية والشعبية الماوية)، وذلك تماشياً مع مخاضات التحولات الفكرية في الوطن العربي بعد النكسة. وفي كل تلك الحالات فإن السلوك الأمني لم يرحم أحداً؛ وكأن الله كتب على شعب تلك الجزيرة الصغيرة الشقاء المقيم.’وبعد انتخاب البرلمان في العام 1973 كانت الكتلة الدينية هي الكتلة الشيعية. وتكتل الشعب تمثله القوى اليسارية والقومية والوطنين المستقلين، كما ان رئيس مجلس النواب الحالي خليفة الظهراني ضمن تيار الحكومة بالمجلس. وكان نظام المجلس شبيه جداً بالنظام البرلماني المعمول به في الكويت حالياً.
لم يمض على المجلس نصف مدته حتى اصدر حاكم البلاد مرسوماً يقضي بحله في العام 1975! لتدخل البلاد دوامة أزمة سياسية عنوانها المقيت قانون أمن الدولة؛ شرعت على إثرها أبواب الزنازين لتستقبل رموز المعارضة من التنظيمات اليسارية والوطنية، ولم يسلم من الاعتقال أعضاء البرلمان انفسهم.’دخلت البلاد حقبة سوداء قاتمة، فمن محاكم أمن الدولة وقانونها إلى القلعة وزنازينها إلى سجن جزيرة جدا وسجن جو. كل هذه المدة الزمنية تعتبر فارقة وبقوة في المخيال الجمعي للسنة والشيعة. إلا أن الحركة الإنقلابية المسلحة في بداية الثمانينات والتي جاءت مع صعود الائمةفي طهران ونجاح استيلاء الإمام الخميني على السلطة وبمباركة من قيادات إيرانية؛ هذه الحركة الإنقلابية المسلحة في البحرين والتي قادها (الشيرازيون) بزعامة هادي المدرسي (مستشار الملك الحالي وولي العهد إذاك) وتعتبر هذه الحركة الحدث الأبرز في المخيال الجمعي السني. وهي من الحوادث التي استفادت السلطة الحاكمة منها أقصى استفادة.
لم يتوقف الحل الأمني عند تلك المرحلة بل استمر في معالجة أحداث التسعينات. ولأن المعالجات الأمنية لم تؤد إلى حل. توجه الملك حمد (حالياً) الأمير في حينه إلى طرح ميثاق العمل الوطني للاستفتاء العام؛ والذي كان من أهم مرتكزاته العبور بالبحرين من إمارة ومشيخة إلى مملكة دستورية على غرار الممالك العريقة كما جاء ذلك نصاً في الميثاق نفسه. ولكن؛ عبر الأمير لوحده وتوّج ملكاً للبلاد وبقي الشعب ينتظر المملكة الدستورية الموعودة إلى السويعة الحاضرة.
تم إلغاء محاكم أمن الدولة التي كان يتلقى فيها القاضي الأحكام من الجهات العليا، وتم استبدال مسمى جهاز أمن الدولة إلى جهاز الأمن الوطني. وبعد عقد من الزمن على كل تلك التغييرات، يتضح من تقرير لجنة بسيوني إنه تم استبدال المسميات فقط سواء في محاكم السلامة الوطنية أو في وظائف جهاز الأمن الوطني. والأخير تحوّل إلى حزب الأمن الوطني في البحرين، ينشط في مخاصمة القوى السياسية في البلاد بكافة تلاوينها. ‘الحل الأمني لن ينفع البحرين في المستقبل البعيد ولا المنظور بالضرورة. وفي ذلك دائماً نردد ان العبر والدروس من التاريخ كثيرة، وقليل من يعتبر وحينما نأتي لحالتنا البحرينية نتوقف عند رأينا ولا نعود إلى التاريخ الحل الأمني لن يفيد كمخرج للأزمة التي يعاني منها الجميع (سنة وشيعة وعائلة حاكمة وإقليم ومحيط دولي نعيش فيه وليس خارجه). وليس فقط لا جدوى منه؛ بل ضرره أكبر ‘وهو تكرار المكرر و’اللي يجرب المجرب عقله مخرب’. وتبعات الحل الأمني أشدها خطورة تكرار انتهاكات حقوق الإنسان.’المخاوف السنيّة المشروعة وتدوير الزواياالمخاوف من سيطرة الشيعة على مقاليد السلطة التنفيذية (الحكومة) في البحرين هي مخاوف مشروعة لدى السنة. ومع ذلك فإنه يجب أن لا يصيبنا الجمود والشلل عند ثنائية إما ديموقراطية تأتي بسيطرة فئة دينية (ولاية الفقيه) وإما لا تطبيق لمبدأ الشعب مصدر السلطات. لذا، على المطالبين بالإصلاح عدم تأخيره تعويلاً على ذلك. وإنما عليهم طرح حلول ورؤى للخروج من حالة عدم الثقة. وذلك بصورة شفافة للوصول إلى توافق شعبي حول أولويات الإصلاح شكلاً ومضموناً.’التحفظات والمخاوف السنية المشروعة تأتي من غياب تقديم رؤية مغايرة لمشاهدة الصورة الواقعية والحقيقية في البحرين. وهي حقيقية أن جميع الأجهزة الحساسة في الدولة تخضع مباشرة للملك وليس لأحد غيره، أي إن تبعية الأجهزة: الأمن الوطني (أمن الدولة)، التحقيقات الجنائية، استخبارات الجيش، الأمن العسكري، استخبارات الحرس الوطني، أمن الحرس الوطني… إلخ من أجهزة أمنية… وجهاز الإعلام الرسمي (التلفزيون والإذاعة) والصحف البحرينية التي في أفضل حالاتها ممنوع عليها الكتابة بأن الدستور البحريني هو دستور منحة وليس عقد تبعية كل هذه الأجهزة للملك وليس لأحد غيره. فما هي أسس المخاوف من الإصلاح السياسي المتوافق عليه اليوم، والمتعلق بشق إدارة الحكم والثروة؟! أي ان التيارات المعارضة في طرف الشيعة أو السنة والفاعلة في الساحة البحرينية لا تتحدث عن تغيير في تبعية الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. هي تتحدث عما دون ذلك. ومع ذلك تقمع ويتم محاربتها لرفضها احتكار حكم وإدارة البلاد وهذا الاستبداد عينه!
المخاوف في إطارها التقليدي محكومة بظروف موضوعية أو بما يروّج له النظام السياسي من تحت الطاولة وهو سيطرة المعارضة الشيعية على الدولة. وهذا صحيح في شكل النظام ومضمونه الاستبدادي الحالي الذي يجمع كل السلطات في قبضة واحدة. لكن إذا انتجنا رؤية توافقية تتحدث عن توزيع السلطات بطريقة تمنع سيطرة فئوية فإنه لا سبيل ليد طولى في هذه الأجهزة مستقبلاً. وإنها جميعها تخضع للقوانين العصرية. واعتقد ان ما طرحه ‘تجمّع الوحدة الوطنية’ في ذلك محاولة جديرة بالحوار والمناقشة.
المطلوب إنتاج رؤية مبتكرة تنهي اسباب المخاوف السنيّة، وتسير بالبحرين ناحية تطبيق مبدأ الشعب مصدر السلطات بجدول زمني صارم لا يتراجع عنه تحت أي ظرف. أما التقوقع على رفض الإصلاحات فإن ذلك يؤدي إلى تضييق خناق الأزمة وتمطيطها لأقصى حد ممكن، والخوف ‘كل الخوف من تفجرها مجدداً بصورة لا يعلم مدى خطورتها إلا الله وحينها لن ينفع الندم.’ كاتب من البحرين