دمشق ـ من جوني عبو: يستمر الشاب عمر في الابتسامة رغم انه كان يسير في جنازة احد اقرب أصدقائه في حي الميدان الدمشقي الذي انضم مبكرا الى انتفاضة السوريين في وجه سلطة الاحتكار واللون الواحد. هكذا ترى الشابة الدمشقية الجميلة ايناس ‘رمضان السوري’ هذه الأيام حيث يستقبل بعضا من المجتمع شهر ‘الفضيلة والعطاء” بكثير من التفاؤل والتعاضد والتكافل الاجتماعي في مواجهة العنف من جهة، والغلاء الفاحش وزيادة البطالة، من جهة ثانية، ومصرين على ان شلال الدم المتدفق على مختلف الجوانب من التراب السوري، يجب أن لا يستمر، لأنه يسهم بقوة في تمزق وتشتت العائلات بفعل دوامة العنف التي فرضت ايقاعا جديدا على مختلف شرائح التنوع السوري. تقول ايناس وهي مهندسة شابة كانت تخرج في بعض المظاهرات السلمية قبل اشتداد دوامة العنف المرعبة معجبة انا بإرادة أبناء بلدي، لا تقهر ولا تتراجع ولا تلين برغم الضريبة الكبيرة التي يدفعونها في كل يوم، رمضان هذا العام سيكون له حضور مختلف، لن يكون تقليديا بالتأكيد، قد لا يستطيع الكثير من السوريين التمتع بسهراته التي كانت تطول حتى ساعات الصباح، وربما تشكل حالة الفلتان الأمني حاجزا يمنع الناس من زيارة بعضهم أو التنقل بأمان بين الأحياء أو المدن، لكن ذلك كله لا يوهن عزيمة السوريين في الاستمرار من أجل الوصول إلى مستقبل أفضل لكل السوريين، نريد ان نستقبل رمضان المقبل ونحن أكثر توحدا وكرامة وانفتاحا وقبولنا لبعضنا البعض كي نتعلم ان الاحتكار انكسر إلى غير رجعة’. أما أم حسين وهي ربة منزل تسكن حي السيدة زينب جنوبي دمشق، لا تتردد بالقول ‘إن شاء الله سيكون رمضان عامل خير وسلام على كل السوريين يقرب بينهم، نريد للجميع ان يتوحدوا في مواجهة المخاطر، استنزاف الدم السوري من قبل جميع الأطراف خسارة كبيرة على سورية كلها، رمضان يجب أن يجمعنا على الخير نحو حياة أفضل لأجيالنا القادمة’. وتؤكد حنان الشامي، السيدة التي تدير احد صالات المعروضات الشرقية في دمشق العتيقة أن ‘البهجة والفرحة والطقوس ليست على حالها في رمضان هذا العام كأيام الهدوء والطمأنينة، لا احد ينكر ذلك، لكن في نفس الوقت، سنعض على جراحنا ونتجاوز هذه الأزمة المكلفة كثيرا لكن لها العديد من الايجابيات التي تساعدنا على الحصول على طموحاتنا، والتي قد تتأخر بعض الشيء إلا أنها آتية لا محال’. واضافت ‘صيرورة الحياة تفرض التغيير’ هكذا يشاركها زميلها سامر الرويلي المهجر من مدينته دير الزور شمال البلاد وجهة نظرها فيقول’ رمضان السوري هذه الأيام ليس هو شهر الطعام والسهر كالعادة، لأن ذلك هو مجرد طقس اجتماعي مسل لكنه ليس كل الحالة’. بائعو شراب العرق سوس في محيط الجامع الأموي وسوق الحميدية ومدحت باشا لم يختفون في الأيام الأولى التي تسبق رمضان، ليسوا بنفس كثافة الحضور كما في السابق لكنهم متواجدين بأعداد اقل نظرا لتراجع حركة الناس والسياح وبطء حركة الاقتصاد عموما وهو ما ينعكس على الوضع العام في عموم سورية. ولدى ابو مازن التلي/ تاجر في حي الحريقة الدمشقي التجاري الشهير/ وجهة نظر في رمضان العام الجاري قائلا ‘الناس تساند بعضها في الأزمات، لكن هذا لا يعني ان ضعاف النفوس او الناموس يغيبون عن الساحة، في كل الأزمات تظهر طبقة الانتهازيين والطفيليين واللصوص لكن مجتمعنا قادر على مواجهتهم، فالجمعيات الخيرية وشبكات الإغاثة والمساعدات الإنسانية للعائلات المتضررة والمنكوبة لن يدخرون جهدا في تأمين كل الاحتياجات المادية والثياب والطعام والشراب.. واعتقد ان الشيء الأصعب هو التعويض المعنوي للعائلات التي فجعت بأولادها وبناتها وذويها لكن الله مع الصابرين’. وعلى غير العادة الرمضانية، يلاحظ المرء الذي يتجول في دمشق أو باقي المدن السورية تراجعا في مظاهر الزينة والاحتفالات أو حتى زيادة العروض في الأسواق، والأسباب لا تحتاج الى شرح كما يرى محمد المنجد احد أصحاب المطاعم قائلا ‘انا أتفهم ذلك أبناء بلدي لديهم ظروفهم منهم من يتفرغ لمعالجة مشاكله ومنهم من هو حزين على وفاة قريب او صديق ومنهم من هو متفرغ للحراك العام وظروفه لا تساعده على حياة طبيعية.. كل الأمور في سورية حاليا ليست طبيعية لذلك غياب مظاهر الاحتفالات برمضان هذا العام مؤجلة حتى إشعار آخر، إضافة الى ذلك الصعوبات المالية والاقتصادية والميدانية لكن كل ذلك لا يمنع ان الحالة المعنوية عالية لدى غالبية المنخرطين في الانتفاضة لأن إيمانهم بالتغيير وإرادتهم على الاستمرار لن يتراجعا’. حال محمد قد لا يبدو مشابها لغيره احيانا، ابو اياد مثلا وهو بائع اقمشة في احد الاسواق القديمة يرى ان’الناس تعبت وملت ولم يكن احد يتوقع ان تطول الازمة الى هذا الحد ولا نعلم الى متى تستمر اضافة الى انها مكلفة ماليا وبشريا على الجميع نريد الاسراع في الحلول، كنا نمي النفس في رمضان الماضي ان تحسم الامور وننتقل الى طاولات الحوار لكن على ما يبدو ان الازمة مركبة ومعقدة وقد تطول اكثر فأرباب الأسر السورية لم يعودوا قادرين على تحمل المزيد في ظل ارتفاعات متتالية لأسعار السلع والمواد الغذائية والخدمية، والتي تزداد حدتها في الشهر الفضيل، الأمر الذي أفقد معظم الأسر السورية بهجة رمضان، وأثار قلقاً بالغاً لدى محدودي الدخل، والحكومة عاجزة عن تقديم الحلول، لا بل على ما يبدو ان لا حل لديها سوى، ما تقوم به ومن خلاله يظهر الكثير من العجز والتخبط’. وبرغم كل الظروف الراهنة الصعبة، إلا ان الأسواق مليئة بكل أنواع البضائع، وتبقى معضلة القدرة الشرائية والتي تضعف باستمرار، حسب رأي الاختصاصيين، سيما مع تضحم في الليرة السورية و ارتفاع زيادة البطالة، وهو ما يدفع العائلات السورية للقيام بتقنين المشتريات وترتيب سلم الأولويات من الحاجيات. ورمضان هذا العام في سورية يأتي متزامنا مع موجة ارتفاع في درجات الحرارة وتسهم ساعات التقنين الكهربائي في زيادة الطين بلة فضلا عن معاناة تأمين مادة الغاز المنزلي إلا ان ذلك كله لا يلغي التوقعات بارتفاع منسوب الحراك السوري في رمضان هذا العام.