محاولة للفهم .. الظاهرة ‘العكاشية’ في الغرب

حجم الخط
0

د. كمال الهلباوي بعيداً عن الانجاز العظيم للثورة السورية واختراقهم حتى مجلس الأمن القومي وقتل وزير الدفاع السوري وبعض أهم الشخصيات في النظام الساقط، مما يبشر بقرب زوال النظام الحاكم في سوريا ووصول الثورة إلى قصر أو قصور الحكم. وبعيداً عن الإعلان عن وفاة عمر سليمان رئيس المخابرات العامة ونائب رئيس الجمهورية السابق في مصر أثناء تلقيه العلاج في أمريكا، آمل أن يكون ذلك الموت قضاءً وقدراً وليس مقدمة للتخلص من بعض الشخصيات التي لديها الكثير من الأسرار وخصوصاً في مجالات العلاقات مع أمريكا والحركة الصهيونية وربيبتها إسرائيل.

قضيت أسبوعاً في بريطانيا لإنهاء بعض الأعمال واللقاءات الثقافية، وهو مجتمع مستقر ديموقراطياً يشعر فيه المواطن بالإطمئنان والعدالة والحرية رغم الروح الاستعمارية والعنصرية البارزة في بعض مناحي الحياة، وألقيت ضمن برنامجي الثقافي محاضرة في مؤسسة الأبرار يوم الخميس 12/7/2012، وبعد عودتي إلى القاهرة جاءتني رسالة إلكترونية(إيميل) بعنوان: الهلباوي يهاجم الحركة الإسلامية ويُعرّض بالشيخ القرضاوي، ويمتدح الخامنائي’ وفيها أيضاً ‘وينتقد حركة الإخوان المسلمين ويشكيهم لمؤسسة الأبرار، وفيها أيضاً’ والغريب أنه يهاجم الدكتاتورية والظلم في البحرين وينسى سوريا بالكامل’ وفيها أيضا’يهاجم الحركة الإسلامية السنية ويعرض بها ويتهمها بالدكتاتورية’. الرسالة صادرة باللغة العربية عن جماعة أو مجموعة أو فرد أو أكثر يزعمون انهم ‘جماعة الإخوان المسلمين في بريطانيا’. وهذه المجموعة أصحاب تاريخ غير مشرف في الوقوف ضد الوحدة العربية والإسلامية ومشاريعها. وهم ظاهرة عكاشية انتحلوا اسم الإخوان المسلمين.

أما عن حزب الله فلقد رفع حزب الله راية الجهاد والمقاومة الإسلامية في لبنان وهزم الجيش الإسرائيلي الذي إعتقدت حكومات وأحزاب و فصائل في الأمة أنه جيش لا يهزم. وموقف حزب الله من أمريكا ومن إسرائيل معروف وواضح ليس فيه أدنى إنبطاح. أنا مع حزب الله في جهاده ومقاومته ضد إسرائيل، وأتمنى ان تتحول الأمة كلها لتكون حزباً لله، وخصوصاً بعد الثورات الشعبية في تونس ومصر وليبيا واليمن، مع إحتفاظ الجميع بتوجهاتهم الفقهية ومرجعياتهم المذهبية، ولكنني لست مع حزب الله وموقفه بشأن سوريا رغم أن الحزب بني موقفه المعروف على رؤية إستراتيجية وخوف كبير عندهم له تبرير، خوف من أن تملأ أمريكا أو إسرائيل أو الغرب الفراغ الناجم عن إسقاط النظام في سوريا. النظام في سوريا وقف من قبل مع الممانعة ضد الهيمنة الأمريكية وضد إسرائيل سابقاً. وهذا موقف عظيم ولكن هذا الموقف لا يمكن أن يكون مبرراً للنظام لكي يقتل بريئاً واحداً. وليس هناك عاقل واحد يقف مع هذا النظام المجرم أو غيره من النظم في قتله لشعبه. كما انني والحمد لله تعالى على صلة ببعض أخلص كبار المجاهدين والمعارضة السورية الشريفة، وحاولت جهدي أن أسهم في حل المشكلة قبل أن تتفاقم. وأنا مع الثورات الشعبية السلمية جميعاً في سوريا والبحرين، وإن شاء الله تعالى في غيرهما حتى يتم القضاء على الديكتاتوريات جميعاً. تناولت الموضوع المطروح للمحاضرة وللحوار بعيداً عن التعريض بأحد أو الهجوم على أحد. وكان اللقاء بعنوان التحديات التي تواجه الحركة الإسلامية من داخلها. ركزت في الحديث على بعض النقاط في نقدي للسلبيات الداخلية للحركات الإسلامية جميعاً دون أن أحدد فصيلاً بعينه، وضربت أمثلة من بلاد شتى، ولعل الحركات الإسلامية جميعاً تستفيد من هذا النقد الموضوعي في نظري، إن كان فيه فائدة لهم وخصوصاً في مرحلة الوصول إلى الحكم، وإن لم يكن فليضربوا به عرض الحائط. أنا لم ولن أهاجم الإخوان المسلمين في حياتي فكراً ومنهجاً ومشروعاً وسطياً واضحاً، ولكن هناك سلبيات يرتكبها بعض الأعضاء في الإخوان كباراً وصغاراً وقيادات، وهذه السلبيات ينبغي أن تكون محل نقد وتقويم حتى يتم التطوير والتحسين، أما المشروع الإخواني فهو من أعظم المشاريع الإسلامية الوسطية المطروحة، ولذلك بقيت في داخل الحركة أكثر من ستين سنة، ولم ولن أترك هذا المشروع، ولكنني استقلت من عضوية الجماعة حيث لا يستطيع مسلم أن يستقيل من الدعوة، ورغم ذلك التميز قد يحتاج المشروع إلى تطوير أكبر وهو ما يحدث على استحياء من حين إلى آخر.

لم أذكر فضيلة الشيخ القرضاوي في المحاضرة على الإطلاق تصريحاً أو تلميحاً، والعلامة القرضاوي لا ينكر فضله وعلمه إلا جاهل أوحاقد، وكم تتلمذت على يديه ولا أزال، كما تتلمذ ولا يزال على يديه الملايين من أبناء وبنات الأمة. قد يكون لي رؤية مختلفة نوعا ما مع فضيلة الشيخ القرضاوي بشأن التقارب والعلاقة مع الشيعة والموقف من إيران، ولكن فضل الشيخ وعلمه وجهاده لا ينكر ومواقفه الاجتهادية العديدة القديمة والجديدة لا ينكرها منصف، ورأيه مع المخالفة في بعض القضايا السياسية أو الفقهية محل تقدير وتعظيم، والشيخ نفسه يشجع ذلك ويدعو إليه.

ولقد ركزت في محاضرتي على مجموعة من النقاط التي أراها سلبية في الحركات الإسلامية عموماً، لأن هذا هو موضوع المحاضرة، ومنها ضعف الشفافية أو الغموض أحياناً، ولعل هذا يكون أثراً من تاريخ الاضطهاد والديكتاتورية والعمل في السر فترات طويلة. ومن النقاط التي ركزت عليها في محاضرتي الميل في الحركات الإسلامية الوسطية إلى الإصلاح وليس التغيير، وإعتبار النقد أحيانا من الهجوم، وأحياناً تسود مفاهيم خاطئة منها الطاعة العمياء والإتباع غير المستبصر، والتركيز على التنظيم العضوي أكثر من الفكر والمشروع والتربية والتنشئة، ومقاطعة المخالفين في الرأي أو الاجتهاد وتهمشيهم، وتركز معظم مفاتيح القوة في أيدي قلة متنفذة، مما يدل على تأخر الشورى الواسعة، والموقف الضعيف المتناقض أحياناً من المرأة والشيعة والأقباط أو المسيحيين، وضعف الانفتاح على المجتمع ككل والتركيز على السياسة أكثر من الدعوة، ومن هنا كان إختلاط الدعوي بالسياسي محل نقد وتقويم في مرحلة الإنتقال القائمة في الأمة وليس في بلد بعينه.

هذه هى معظم النقاط التي طرحتها في المحاضرة، وهى لا تزال بحاجة إلى تمحيص أكثر وبناء أكبر، مما يتطلب ندوات ومؤتمرات تدرس الأمر دراسة كاملة من شتى نواحيه دراسة موضوعية ثم تقترح العلاج اللازم بعيداً عن النمطية. والعقلاء في الحركات الإسلامية لا يغضبون من النقد وخصوصاً أن الامام البنا رحمه الله تعالى قال في صدر رسالة المؤتمر الخامس ما نصه”كنت أود أن نظل دائماً نعمل ولا نتكلم، وأن نكل للأعمال وحدها الحديث عن الإخوان وخطوات الإخوان، وكنت أحب أن تتصل خطوتكم اللاحقة بخطوتكم السابقة في هدوء وسكون ومن غير هذا الفاصل الذي نحدد به جهاد عشر سنوات مضت لنستأنف مرحلة أخرى من مراحل الجهاد الدائب في سبيل تحقيق فكرتنا السامية’. ثم يقول: ‘ولا بأس أن ننتهز هذه الفرصة الكريمة فنستعرض برنامجنا، ونراجع فهرس أعمالنا، ونستوثق من مراحل طريقنا ونحدد الغاية والوسيلة فتتضح الفكرة المبهمة، وتصحح النظرة الخاطئة، وتعلم الخطوة المجهولة، وتتم الحلقة المفقودة، ويعرف الناس الإخوان المسلمين على حقيقة دعوتهم، من غير لبس ولا غموض.

ثم يقول: لا بأس بهذا، ولا بأس بأن يتقدم ألبنا من وصلته هذه الدعوة ومن سمع أو قرأ هذا البيان، برأيه في غايتنا ووسيلتنا فنأخذ الصالح من رأيه، وننزل على الحق من مشورته فإن الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم’. وقال رحمه الله تعالى يحث الإخوان على الأخذ بالتعاليم الواردة في رسالة التعاليم ما نصه’ افخذ نفسك بشدة بهذه التعاليم، وإلا ففي صفوف القاعدين متسع للكسالى والعابثين. وأعتقد أنك إن عملت بها وجعلتها أمل حياتك وغاية غاياتك، كان جزاؤك العزة في الدنيا والخير والرضوان في الآخرة، وأنت منا ونحن منك، وإن انصرفت عنها وقعدت عن العمل لها فلا صلة بيننا وبينك، وإن تصدرت فينا المجالس وحملت أفخم الألقاب وظهرت بيننا بأكبر المظاهر، وسيحاسبك الله على قعودك أشد الحساب، فأختر لنفسك ونسأل الله لنا ولك الهداية والتوفيقب.

لقد إفترى علينا هؤلاء كثيراً وفي عدة مناسبات سابقة حتى قبل الثورة الشعبية السورية. على أية حال هؤلاء الذين يسمون انفسهم الإخوان المسلمون في بريطانيا ليسوا من الإخوان المسلمين ولا يعرفون هذا المشروع النبيل، ولا القيم التي يتضمنها مشروع الإخوان. وعلى عكس هذه المجموعة، الإخوان المسلمون يدعون إلى وحدة الأمة، وليسوا طائفيين. أهل السنة يحبون الجميع، وهؤلاء يكرهون المخالف في الرأي والمذهب. يذكرني هؤلاء بشيخ عراقي إسلامي، جاءني في وقت الجهاد الأفغاني، وكان همه الكبير أن يوزع كتباً ضد الشيعة في أفغانستان، حتى يحكم أهل السنة بعد نهاية الجهاد وتحريراً للعقيدة لأن الشيعة في رأيه أخطر من اليهود والنصارى. ونحن نرى النتيجة اليوم: كرزاي في الحكم، ولا علاقة للحكم في أفغانستان بالسنة أو الشيعة بل حكم تحت الاحتلال الأمريكي والتغلغل الصهيوني.

أما حديثي الإيجابي عن الامام القائد الخامنائي فهو حديث المنصف. أروني أيها الغاضبون الحاقدون حاكماً أو قائداً أو رئيساً يتحدث بوضوح عن أمريكا والهيمنة والاستكبار وعن إسرائيل وضرورة زوالها كما يتحدث القائد الخامنائي، وأروني حاكماً واحداً في الأمة في بساطة القائد الخامنائي وعمقه فكراً وثقافة وقيماً، نستثنى من ذلك الرؤساء الجدد في تونس ومصر، لبساطتهم الواضحة ووصولهم إلى رأس السلطة بإرادة الشعب ووفق إنتخابات حرة نزيهة بعد ثورات شعبية سلمية ونتمنى ذلك لكل الحكام في بلاد الأمة.

عندما أسست في أوائل التسعينات مع بعض الأخوة المركز الإعلامي للإخوان المسلمين في بريطانيا، بهذا الإسم والوضوح، لم يكن هناك أي مؤسسة باسم الإخوان المسلمين من قبل في الغرب كله، وعندما تأسست الرابطة الإسلامية في بريطانيا سنة1997، لتهتم بفكر الامام البنا ومشروعه الوسطي في الدعوة والتربية، واختارني الإخوة الأعضاء أول رئيس لها، كان هناك من تردد للانضمام إليها من أبناء الحركة الإسلامية خشية أن يوصف أو يعرف عنه أنه من الإخوان المسلمين. وعندما كتب هؤلاء الخاطفون السارقون للاسم الكريم، بياناً آخر من قبل ضد المنتدى، وكتبوا عنوانهم على دار الرعاية الإسلامية، نفت دار الرعاية صلتها بهم. يا من زعمتم أنكم الإخوان المسلمون في بريطانيا. الإخوان المسلمون في بريطانيا أو الغرب معروفون ومنهم من يشارك في مشروع الوحدة الإسلامية ونشاطات منتدى الوحدة الإسلامية وهم مع الوحدة ضد الطائفية فمن أنتم يا عكاشيون؟ ‘والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون’.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية