رأي القدس ما زالت عملية بلغاريا التي قتل فيها عشرة اشخاص، من بينهم ستة اسرائيليين الى جانب اصابة ثلاثين شخصا آخرين، تتسم بالكثير من الغموض ليس لان استهداف سياح اسرائيليين بهجمات انتحارية اختفى من اجندات الجماعات العربية والاسلامية المسلحة منذ عقود، وانما لان الجهة التي نفذت هذه العملية ما زالت مجهولة ايضا.وزارة الداخلية البلغارية كانت مصيبة تماما عندما’استهجنت تصريحات لبنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل اتهم فيها ايران بالوقوف خلف هذا الهجوم وبعد اقل من ساعة من وقوعه، وقبل ان تبدأ التحقيقات الرسمية.المنطق يقتضي ان يحترم رئيس الوزراء الاسرائيلي سيادة الدولة المضيفة، واجراءاتها القانونية المتبعة، وحصولها على ادلة دامغة تدين الجهة التي تقف خلف هذا الهجوم، وهوية الانتحاري المنفذ، ثم بعد ذلك يطلق اتهاماته وتهديداته بالانتقام مثلما فعل، ولكن متى احترمت اسرائيل سيادة الدول والتزمت باصول المنطق؟الاسرائيليون يتصرفون دائما وكأنهم فوق كل القوانين الدولية وفوق كل سيادات الدول، صغيرة كانت ام كبيرة، في حال تعرض اي من مواطنيهم لاي هجوم، وساعدهم على ذلك الدعم الامريكي المطلق لهم، وتضحية بعض الدول بسيادتها تجنبا لاي صدام معهم؟ والدولة العظمى التي تدعمهم بلا حدود.ولذلك لم يكن مفاجئا ان تبادر معظم الدول بما في ذلك اللجنة الرباعية الدولية الى ادانة هذا الهجوم باقوى العبارات، وهذا امر لا غبار عليه، فقد ادانته ايران نفسها باعتباره عملا ارهابيا، ولكن السؤال هو عن غياب مثل هذه الادانات عندما يكون الضحايا من العرب والمسلمين، والقاتل هو الطائرات الاسرائيلية. مثلما هو الحال في قطاع غزة، وقبل ذلك في جنوب لبنان؟المسؤولون الاسرائيليون يتخبطون في مواقفهم، فبعد ان وجهوا اصابع الاتهام الى ايران، ها هم يتراجعون ويؤكدون ان حزب الله اللبناني هو المسؤول، ودون ان يملكوا اي ادلة تدعم اقوالهم هذه، الامر الذي يثير المخاوف من كون هذه الاتهامات تأتي تمهيدا لهجوم اسرائيلي على لبنان، على غرار’ما’حدث في تموز (يوليو) عام 2006 اي قبل ست سنوات بالتمام والكمال.الاسرائيليون ربما يستخدمون الهجوم على حافلة السياح في بلغاريا هذه كذريعة لغزو جديد للبنان، تماما مثلما استخدموا محاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن موشيه ارغوف لاجتياح لبنان في حزيران (يونيو) عام 1982 لاقتلاع المقاومة الفلسطينية من ارضه، وهو الاجتياح الذي انتهى بهزيمة اسرائيلية مهينة عام 2000 عندما اضطرت الحكومة الاسرائيلية الى سحب قواتها من لبنان من طرف واحد.من الصعب التكهن بالجهة التي نفذت الهجوم على حافلة السياح الاسرائيليين، مثلما من الصعب شراء النظريات الاسرائيلية الرائجة هذه الايام التي تقول بان حزب الله وايران بصدد شن هجمات على اهداف اسرائيلية لتحويل الانظار وتخفيف الضغط الراهن على النظام السوري الحليف. ولكن ما يمكن الجزم فيه ان اسرائيل التي لم تتوقف عن التهديد بهجوم على ايران لتدمير برامجها ومنشآتها النووية التي تعتبرها خطرا عليها، قد تشعل فتيل حرب اقليمية وربما عالمية في المنطقة باسرها.الاسرائيليون قلقون من الطموحات النووية الايرانية ويدعون انها تشكل خطرا وجوديا عليهم، مثلما هم قلقون ايضا من حزب الله وترسانته الصاروخية الهائلة، ويعتقدون ان الهجوم العسكري وتدمير الجانبين هو الخلاص لهم، ولكن النتائج قد تكون مغايرة لذلك تماما، لانه من الصعب الجزم بان اسرائيل ستنتصر في اي حرب قادمة، وان انتصرت فان خسائرها ستكون اكبر من كل التوقعات.Twitter: @abdelbariatwan