مالك التريكي
نختم سلسلة المقالات عن المفكر الراحل البروفسور أنور عبد الملك بالتطرق إلى ملامح من سيرته الفكرية التي هيمن عليها هاجس البناء القومي والانبعاث الحضاري. كان في عداد أول دفعة تتخرج في الفلسفة من جامعة عين شمس عام 1954. فقد التحق بقسم الفلسفة عام إنشائه، وكان ذلك بتوصية من طه حسين الذي عرفه فآنس فيه نباهة واعدة. حظي بمحبة الأستاذ المجلّي عبد الرحمن بدوي رغم أن راهب الفلسفة هذا قد اشتهر بالشدة والحدة الباعثتين على الرهبة، فضلا عن اعتداد بالغ بالنفس عطل لديه القدرة على تقدير أي من المعاصرين (باستثناء طه حسين). بل إنه كان يقول عن سارتر إنه ‘مجرد أديب’!! يصف أنور عبد الملك عبد الرحمن بدوي بأنه ‘معلم وأستاذ فلسفة فريد… تبنّاني رغم الخلاف الإيديولوجي الكبير بيننا’، وفتح له آفاق الفكر الأوروبي، ولا سيما الفلسفة الألمانية التي كان بدوي أكبر العارفين العرب بها. ثم أتيح له الاحتكاك بالفكر الأوروبي منذ إقامته عام 1959 في باريس، حيث حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع من السوربون، وكان من أوائل الأكاديميين العرب الذين انضموا إلى المركز القومي للبحث العلمي في باريس. تأثر في نشأته بماركس وماكس فيبر وإيميل دوركهايم، أي بالمنظرين الاجتماعيين الثلاثة الذين عدّهم المفكر الفرنسي المعروف ريمون آرون رواد علم الاجتماع (مع مونتسكيو، وتوكفيل وباريتو) في كتابه المرجعي ‘مراحل الفكر الاجتماعي’. ويقول أنور عبد الملك إنه مدين بالفضل للمؤرخ لوسيان فيفر -أحد أبرز أعلام مدرسة ‘الحوليات’- الذي كان يمارس ‘الفكر التساؤلي’ الساعي إلى التغلغل في جميع مناشط المجتمع وفي ‘دهاليز الحياة اليومية’. لاحظت أثناء مجلسين مطولين مع أنور عبد الملك، مرة في بيته القاهري وأخرى في بيته الباريسي، أن سيرته محصلة تناظر محزن بين إيجابية الذات الفكرية وانفتاحها وبين وحدة الحياة الشخصية وانكسارها. كان في حياته انتباه إلى ‘رقة الأشياء’ اليومية. بلغ من محبته للصين أنه كان يطبخ على طريقة أهلها: سلقا وبالبخار، مع تركيز على الخضر والسمك وفواكه البحر. نصحني بأن أقتدي به في الالتزام بالنصيحة التي أسداها له طبيب برازيلي في مطلع الستينيات: أكل بلا ملح. استعض عن الملح بالليمون (الحامض). لا تقرب الحلويات. استعض عنها بالفواكه. وعندما علم أني أشرب القهوة بالسكر، استنكر وقال: تلك عادة سيئة جلبها لنا الأتراك. سألت: إذن أشرب القهوة مرة؟ أجاب: هو ذاك. ‘ساده… زي الحياة’! قال لي إنه يعتزم زيارة لندن في صيف 2006 وإنه يريد مني أن أعرفه بالصديق الأستاذ عبد الباري عطوان. لكن ظروفا حالت دون الزيارة. كان معجبا ب“القدس العربي”. وقال لي أكثر من مرة إنها جريدة أغنى في محتواها من لوموند! كان متابعا للإعلام الدولي. هاتفني يوما معبّرا عن استنكاره لبرنامج على تلفزيون بي بي سي الإنكليزي أفرطت مذيعته في الغفلة والجبن أثناء محاورتها لسياسي إسرائيلي. كان يتسم، رغم صرامته، بروح السخرية المصرية، فتراه يوشّي جاد القول بلذيذ الدعابة. يتطرق الحديث إلى فوكوياما، مثلا، فيأخذك في زخم من الملاحظات الثاقبة ثم إذا به يفاجئك وهو يعاتب الكاتب الغائب: ‘التاريخ انتهى؟ انتهى مين يا أبو علي؟ لا مؤاخذة يعني انتهى ازاي؟ انت اللي انتهيت!’. كان عميق الإيمان بالله سبحانه. نبيل السمت لكن صادق التواضع. تنطبق عليه القولة المأثورة بأنه ‘لا يعترف بالفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل’. من ذلك أني ذكرت له المفكر المغربي عبد الله العروي، فما كان منه إلا أن أثنى عليه وقال إن إنتاجه من طراز راق، يمتاز بالعمق الفلسفي والنسقية المنهجية. ولمّا علم أني على موعد مع العروي في الرباط، طلب مني أن أقرئه السلام وأن أسلمه بطاقة كتب عليها أمامي رقم هاتفه بخط يده.
كان أنور عبد الملك، رحمه الله، معتزا بـ’الإسلام الحضاري’، كثير الاستشهاد بالآية الكريمة ‘وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون’. سألته عن دلالتها بالنسبة له، فأجاب بأنها تؤكد أن تغيير التاريخ إنما هو رهن الإرادة الإنسانية. قلت له إن الزعيم بورقيبة لطالما استشهد هو أيضا بهذه الآية، فقال على الطريقة التونسية: ‘آه، سي الحبيب!’ وروى كيف تعرف به في الأربعينيات في القاهرة ‘زعيما شابا وطنيا ملتهبا حماسا وذكاء وحركية’. ثم ختم بهذه البشرى المعاصرة لكل عصر: ‘.. وقل اعملوا’ هي طريق إلى صياغة المستقبل’.