عزت القمحاوي ‘بسبب مرضه، لم يتمكن الرئيس مبارك من استقبال عزرائيل فأناب اللواء عمر سليمان’ هكذا فسر بعض الشباب الرحيل المفاجئ لرجل عاش ومات غامضًا، ليثبتوا أن الثورة المصرية، التي ولدت ضاحكة، لم يزل بقلبها من الموسيقى ما يكفي لكي تبتسم.
لكن الابتسام لا يجعل الثورة المصرية تختلف عن السورية فالتحليق عاليًا في سماء الفانتازيا لمقاومة دراما الواقعية المفرطة. والفانتازيا تتولد، غالبًا، من غياب المعلومات والرغبة في الانعتاق. غياب المعلومات الموثوقة يفتح الباب للتأويلات الخيالية، والحاجة إلى الخلاص هي التي تشرع جناح الخيال ليهزم بخفته ثقل الواقعي في رواية الثورة.’ ‘ ‘جنّح الخيال في تفجير دمشق الذي نجح في تصفية ما سمي بـ ‘خلية الأزمة’ في الثورة السورية، وأطلق هذا التجنيح حلم انتهاء عصابة الحكم خلال ساعات. في غياب المعلومات أو في غياب الثقة بمصدر المعلومات جدت المخيلات بحثًا عن الفاعل الأصلي.
أولى الروايات اعتبرت الحادث الكبير عملاً انتحاريًا نفذه عنصر متعاون مع الجيش الحر، وقد تبنى صحافيون محسوبون على الثورة هذه الرواية، وتحدثوا إلى الفضائيات باسم الجيش الحر، وأذاعوا ما يشبه الأسرار حول أشهر من الاختراق للدائرة المقربة من بشار، واعدين بأخبار جديدة سعيدة. مقترح آخر يشترك مع الأول في تثبيت دور البطولة للجيش الحر، لكن من خلال زرع المتفجرات بالطاولة وليس بجسد بشري يضاف إلى آلاف الضحايا. وما يعزز الرواية الأصل والرواية الفرع تزامن التفجير مع حرب حقيقية في شوارع دمشق. وفي الوقت ذاته تبنى محللون احتمال أن تكون تصفية تلك القيادات قد جرت بيد النظام نفسه، نتيجة الصراع الداخلي بين المستويات العليا للسلطة، وهي رواية لا تخلو من وجاهة باعتبار المقتولين من الصف الثاني حتى لو كانت مناصبهم هي الصف الأول؛ فهذا الغش في الترتيب أمر أصيل في بنية عصابة حكم العائلة، إذ كان وزير الدفاع مجرد ضابط تشريفات، وقد بلغت صورة وزير الدفاع حدها الكاريكاتوري مع العماد مصطفى طلاس الذي كان يحاول كتابة الخواطر وارتياد أماكن السهر مثله مثل عشرات الألوف من الحالمين بمكانة الكاتب، ولكنه لم يحقق من النصر في الكتابة أكثر مما حقق في العسكرية. مع ذلك فإن احتمالات التصفية الذاتـــية، التي يعززها عدم وجود القيادات من عائلتي الأسد ومخلوف بين المجتمعين الموتى، تجد ما يناقضها في الشائعات المنتشرة في شوارع الفيسبوك والتي انبنت على غموض الموقف وعدم ظهور بشار ما فتح لتأويلات إصابته في الانفجار، بينما رجحت شائعات أخرى مقتل ماهر، معتبرة أن سرعة إعلان النظام ـ على غير العادة ـ عن خسارته ليس لها سوى معنى وحيد: الخســارة كبيرة، وتم الإعلان عن نصف الحقيقة حتى لا يكشف مصدر آخر عن الحقيقة كاملة!’ ‘ ‘وسط هذا الانشغال الأقرب إلى التنجـــــيم جاء المدد الـــفانتازي للحالة السورية من مصر؛ حيث لم يتوقف إعلان وفاة عمر سليمان في مستشفى كليفلاند في أمريكا عند حدود الفكاهة. لم يكن هناك من يتوقع مرض سليمان، إذ من غير المنطقي أن يكون قد رشح نفسه للرئاسة مع علمه بمرضه، ثم إن أحدًا لم يعرف بسفره للعلاج، على الرغم من أن زيارتيه السابقتين للسعودية والإمارات كانتا معروفتين وارتبطتا بشائعات عن إقامة دائمة للعمل كمستشار أمني. كل هذا جعل من موت عمر سليمان التالي للانفجار السوري مصدرًا آخر للفانتازيا. وقد اتسعت هذه الوفاة لاحتمالين، أحدهما قال إنها تصفية أمريكية لصالح الإخوان، حيث يحمل الرجل أسرار ملفاتهم وخصوصًا ملفات التعاون مع الولايات المتحدة التي بصدد تغيير خدمها في المنطقة.
الاحتمال الثاني رجح مقتله في الاجتماع السوري، وجاء هذا الاحتمال معززًا بشهادة شاهد قال إن قريبًا له يعمل طبيبًا في كليفلاند رأى تفحم جثة سليمان، أما التعزيز الثاني فجاء من تعاون سليمان مع السعودية والإمارات أي باعتباره شخصًا يبيع خبرته الأمنية، لكن التأمل الهادىء يثبت أن التعاون مع السعودية يجعله أقرب إلى العداء مع نظام الأسد لا الصداقة، بالإضافة إلى أن النظام السوري كان بمثابة الخصم للنظام المصري طوال سنوات من اللعب في الملفين اللبناني والفلسطيني الموكولين إلى عمر سليمان.
ويبدو أن صورة عمر سليمان بوصفه البقية الخالدة من نظام مبارك هي التي خلقت حالة الرفض لموت عادي فاجأ رجلاً عاديًا كما يفاجىء ملايين البشر العاديين. وقد اكتسب موته أهمية إضافية تمامًا مثلما استمدت حياته أهميتها من غموضها، لكن ضحالته عندما ظهر إلى العلن وتكلم. وقد نجح خلال أسبوع الثورة الأول في اكتساب ذات القدر من الكراهية الذي ناضل مبارك وأسرته لتحقيقه خلال ثلاثين عامًا. وستثبت الأيام للسوريين ضحالة العصابة الحاكمة عندما تتجرد من لحاف الغموض.