بيروت ـ من زهرة مرعي: هو لقاء مع ناي البرغوتي القادمة من فلسطين. وكل آت من تلك الأرض المقدسة له سحره وجاذبيته الخاصة بيروت. أما وأن يكون اللقاء ممتعاً وأخاذاً وناشراً لعبق التراث الغنائي والأصالة معاً، وبصوت وردة في عمر الخامسة عشرة سنة، فلهذا وقع آخر في النفوس. إذا هو لقاء مع فتاة يافعة تؤسس لغد لامع. وفي كل مرة كان يهدر التصفيق في قاعة بيار أبي خاطر في الجامعة اليسوعية في بيروت، لم تكن ناي تدرك سريعاً كافة أبعاده. لم تكن تدرك أنها حلت في القلوب أهلا وتربعت في النفوس بأمان لموهبتها الفريدة، ولأنها آتية من الأرض التي شغلت وتشغل الماضي والحاضر والمستقبل. لم تكن ناي الصغيرة تدرك أن كل هذه الأكف تشد على يدها، وتقول لها سيري وعين الله ترعى موهبتك. هنيهات تمر وهي تطلق ضحكة الطفلة الفرحة بالثناء، لتنتبه لاحقاً بضرورة الإنحناء شكراً وتحية للجمهور. لم يكن الجمهور الذي ملأ القاعة هو المصفق فقط لناي، فهي فتنت الفرقة الموسيقية، فخرج كل من الفنان شربل روحانا والفنانة إيمان حمصي من أسر مهمتهما، وصفقا لها بحرارة أكثر من مرة. في بيروت حلت ناي البرغوتي مساء 20 تموز بدعوة من شمس وعِرَب. أربعة أيام من التدريبات مع الفنان شربل روحانا والفرقة الموسيقية، وكان الحفل الذي أبهر الحضور فوقفوا جميعهم مع آخر أغنية ‘آه يا حلو’ مصفقين لأكثر من ثلاث دقائق، فأعادتها خاصة وأنها أهدتها للشعب اللبناني الذي قالت ‘إحنا بنفتخر فيه’. أما نغمات اللقاء الأول فكان مع معزوفة قانا التي ألفتها ناي سنة 2006 وأهدتها لشهداء مجزرة قانا في جنوب لبنان. وهي شاركت في العزف على الفلوت. وبالمناسبة لناي ست معزوفات من تأليفها، إحداها تحية لجنين الباسلة في سنة 2002. وهي كانت حينها في ربيعها السادس، حيث ألفت تأثراً بصور التلفزيون. البرنامج الذي قدمته ناي في بيروت بعنوان ‘منيتي’ وهو من إعداد الموسيقار الفلسطيني خالد جبران الذي تولى تدريبها. هو عرضها الغنائي المنفرد الأول. وسبق وقدمته في كل من القاهرة، رام الله، حيفا والناصرة. وفي الكتيب المرفق مع العرض قرأنا أن ‘منيتي’ تجسيد لأمنية في المساهمة في البحث عن جذورنا الموسيقية الغنية الملهمة، لا لتحويلها إلى أصنام، بل لاستلهامها وإعادة الاعتبار من خلالها لموروثنا الغنائي العربي الغني والملهم، بالذات لدى قطاع الشباب. تهدف ناي من ‘منيتي’ إلى إبراز جماليات هذا الموروث العريق وتقديمه بأسلوب معاصر يستطيع الجيل الجديد التواصل معه بشكل أفضل، ليستلهمه في إطلاق مشروع فني معاصر، ذات جذور قوية. تضمن ‘منيتي’ مختارات لسيد درويش، القصبجي، السنباطي، محمد عثمان، الأخوين رحباني وغيرهم. بدأت ناي الغناء عبر ارتجال الليالي. بداية شكلت استعراض قدرات ناجح جداً. راجعين يا هوى للأخوين رحباني، وفيها كانت ذاتها دون جهود لتكون قريبة ولو بالحد الأدنى من فيروز. يما مويل الهوى التراثية أهدتها للسجناء الفلسطينيين في سجون الإحتلال. أما في أغنية افرح يا قلبي، فقد أعطت ناي لصوتها فرصة التحليق في قول الأصول، وكان تصرفها بالأغنية باد بوضوح. فليس لها في أي مقطوعة قدمتها تقليد ببغائي. وفي أغنية شوارع القدس العتيقة كانت ناي معها أكثر إحساساً وتجلياً، وكان الجمهور في شوق لسماعها من الفتاة التي شهدت لحظات عمرها الأول في ‘شوارعها العتيقة’. فناي من مواليد القدس. بعدها كانت مع دور كادني الهوا لمحمد عثمان. الملاحظ أن اختياراتها في برنامج ‘منيتي’ تطلب الكثير من القدرات الصوتية وخبرة كبيرة في طول النفس. وهذا ما تتمتع به ناي، ليس هذا وحسب بل، هي قادرة على توظيف عرب صوتها حيث تشاء. لهذا استحقت آهات وتصفيق الحضور الحاد. وفي كل مرة كانت غبطتها تغمرها، وخجلها يفيض من حركة يديها، حيث احتارت أين تذهب بهما. هي ليلة مشهودة لناي البرغوتي في بيروت. إنها ظاهرة فنية دون شك. والمستقبل أمامها شيق إن كانت دائماً برعاية أمينة، كما هي الآن مع الموسيقار خالد جبران.