الثقافة الايرانوفوبية

حجم الخط
0

مقولة ‘اللغة وعاء الفكر’ من المقولات القليلة التي احتفظت بها من ايام المرحلة الثانوية. مفادها ان المجموعة البشرية التي تتكلم لغة ما تفكر بدلالة هذه اللغة وتتصرف قياسا على ذلك. وبتصفح أية موسوعة لسانيات يتبين لنا أن اللغة العربية تنتمي إلى العائلة الافرواسيوية بينما تنتمي الفارسية الى العائلة الهندواوروبية. وعلى الرغم من ان متكلم العربية يظن ان قاموس لغته قد دخل كله الى الفارسية وكذلك يكون انطباع متكلم الفارسية، فإن البون شاسع بين اللغتين. إن الطريقة التي ترتب بها الكلمات في جمل اللغتين مختلفة. فالفعل يحتل غالبا المرتبة الاولى في الجملة العربية، لكنه يحتل المركز الاخير في نظيرتها الفارسية. وفعل الكينونة ضروري في الجملة الاسمية في اللغات الهندو اوروبية لكنه مهمل في اللغات الافرواسيوية. بناء عليه يجب ان تختلف طريقة الفرس الهندواوروبيين عن طريقة تفكير العرب الافرواسيويين. وكمثال بسيط على ذلك نتذكر جيدا ايام كان مصطلح ‘العلماء العراقيون’ يحتل غالبية نشرات الاخبار ايام البرنامج النووي العراقي المأسوف عليه، بينما لم يستعمل تعبير ‘العلماء الايرانيون’ لنعت ‘الاسطوات’ الذين يسهرون على البرنامج النووي الايراني. وعندما يتحدث عنهم احمدي نجاد يصفهم بالجوانان اي الشباب، هكذا sic. ودائما لمقارنة طريقة التفكير هذه نورد مثال الكاتب والصحافي المقيم في دبي رشيد يلوح الذي رد على كاتب ايراني، على احد اعمدة عدد ‘القدس العربي’ المؤرخ بيوم 14/10/2010. فلقد حاول الكاتب العربي الكريم ان يسفه الفكرة السابقة ويتوصل الى فكرة مفادها انه على العرب والعجم الذين يدينون بالاسلام ان ينتجوا ثقافة واحدة متجانسة، هي الثقافة الاسلامية ولتذهب كل قواعد اللغة الفارسية ونظريات اللسانيات الى الجحيم.

الفكرة لا بأس بها، وهي تعكس بوضوح نمطا من انماط التفكير الافرواسيوي. يقول السيد رشيد يلوح بالحرف تحت عنوان مغالطات معرفية: تحدث الكاتب عن الادب الفارسي الآري مقابل الادب العربي السامي، مستندا مرة اخرى في هذا التقسيم الى نظرية توراتية مشهورة، وتقوم هذه النظرية على تقسيم اللغات الى ثلاث مجموعات رئيسية المجموعة الهندية الاوروبية والمجموعة الحامية السامية والمجموعة الطورانية وهو تقسيم عرقي عنصري روج له اليهود واستفادت منه المشاريع العنصرية والاستعمارية طيلة القرن الـ20 لكي تثبت صحة تفوقها الحضاري والعرقي على باقي الشعوب. وقد كانت هذه النظرية سببا مباشرا في انتشار الاحقاد بين الشعوب وموت الملايين من البشر في الحروب التي عرفتها البشرية في القرن الماضي. مضى قول الكاتب العربي الكريم.

لقد عنون الكاتب العربي فقرته بمغالطات معرفية. وهي فعلا مغالطات معرفية لكن من مغالطاته وليس من مغالطات الكاتب الايراني.

صحيح ان علماء اللغة في القرن 19 استعملوا اسماء اسطورية توراتية مثل حام وسام للاشارة الى ما يعرف الان باللغات الافرواسيوية، ولكن ليست هناك نظرية توراتية تقسم اللغات بالنظرية التي ذكرها الكاتب، ثم كيف سيروج اليهود لنظرية تصنيف اللغات غير نظرية برج بابل المذكورة في سفر التكوين؟ ثم على اعتبار ان اللغات السامية الحامية، التي لغتهم واحدة منها، افضل من الارية ام العكس؟ وكيف استفادت المشاريع العنصرية الاستعمارية من نظرية تصنيف اللغات؟ كيف كانت نظرية تصنيف اللغات سببا مباشرا لموت الملايين من البشر في الحروب؟ واخيرا ما هي، في نظر السيد رشيد يلوح النظرية في تصنيف اللغات التي ليست بها مغالطات معرفية؟ انتقاد السياسة الايرانية في المنطقة العربية تكفي مشاهدة بعض من برامج الشحن الطائفي التي تبثها الفضائيات الناطقة بالعربية، لكي تصنع لنا متخصصين في انتقاد السياسة الايرانية لكن انتقاد الحضارة والفكر الايرانيين مسألة أخرى.

محمد صبار

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية