فرانسوا باسيلي هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه على الساحة السياسية اليوم. ولكي نستشرف الإجابة عليه ونتعرف أكثر على القوى الفكرية التي تتنازع جماعة الإخوان اليوم علينا الرجوع إلى الظرف التاريخي الذي قام فيه الشيخ حسن البنا بتأسيس الجماعة عام 1928 في الاسماعيلية بمصر فقبل أربع سنوات من هذا التاريخ أي في 1924 قام كمال اتاتورك بإعلان إلغاء الخلافة وإلغاء منصب خليفة المسلمين قائلا أن نظام الخلافة أدى إلى خراب تركيا، ثم قام بسلسلة من الإجراءات السياسية والاجتماعية الجذرية لتخليص تركيا التي كانت قد أصبحت ‘رجل أوروبا المريض’ من آثار نظام الخلافة وتسلطه على أسلوب الحياة والفكر وبإجبار الاتراك على دخول العصر من بوابة العصرية الأوروبية وهو ما دفع بتركيا إلى ما وصلت إليه اليوم من مكانة وقوة داخلية وخارجية، ورغم أن النخبة المثقفة قد رأت في إعلان وفاة الخلافة حدثا تأخر عن موعده الطبيعي كثيرا إلا أن آخرين ممن كانت لهم رؤية تقليدية للأمور أصيبوا بالفزع ورأوا في هذا انهيارا للأمة الأسلامية رغم أنها كانت منهارة فعلا لأكثر من خمسمائة سنة.
جاء تأسيس حسن البنا لجماعة الإخوان المسلمين ردا على إلغاءالخلافة من ناحية ورد فعل لتواجد الانجليز بأسلوب حياتهم المختلف في مصر وفي الاسماعيلية بالذات من ناحية أخرى. ومن المهم أيضا ملاحظة أن قبل تأسيس الجماعة بثلاث سنوات أي في عام 1925 أصدر الشيخ علي عبد الرازق شقيق الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الازهر كتابه ‘الاسلام وأصول الحكم’ يقول فيه أن القرآن الكريم وصحيح الحديث لم يتعرضا لموضوع الخلافة وقال ان نظام الخلافة كان ضارا بالاسلام ومصدرا للفساد والطغيان وتوصل إلى أن منصب الخليفة غير ضروري ولا يعتبر جزءا من الدين الاسلامي أى أنه أيد موقف أتاتورك.
أغضب هذا الملك فؤاد الذي كان يطمع في أن يرث منصب خليفة المسلمين بعد تخلي تركيا عنه، وضغط على علماء الأزهر لكي يعلنوا إخراج الشيخ علي عبد الرازق من زمرة علماء المسلمين ففعلوا.
كان الصراع الفكري والسياسي والديني على أشده إذن في مصر بعد سقوط الخلافة بين مؤيد فرح بسقوطها ومعارض حزين وجزع لهذا، وفي هذا المناخ أسس حسن البنا جماعته عام 28 بعد اشتراكه في عدة جمعيات سابقة منها ‘جمعية الاخلاق الأدبية’ و’جمعية منع المحرمات’ التي كانت مهتمة بمقاومة المحرمات والمنكرات وكانت ترسل الرسائل إلى الناس تخبرهم فيها بأنهم يرتكبون المعاصي والآثام ولا يتعبدون عبادة صحيحة وسنجد أن فكرة اقتحام حياة الآخرين ووصمهم بأنهم يرتكبون الآثام والمعاصي كانت أصيلة لدى مؤسس الإخوان حتى قبل تأسيس الجماعة، أي منذ ‘جمعية منع المحرمات’ السابقة عليها، وهي الفكرة الأم التي أفرخت بعد هذا فكرة جاهلية المجتمع والحكام وتكفيرهم لدى سيد قطب في الستينات ثم لدى جماعة التكفير والهجرة في الثمانيتات والتسعينات وسأرجع لهذا بعد قليل.
الجذور الأساسية لفكر مؤسس الجماعة كانت قائمة على معارضة سقوط الخلافة والمناداة بعودتها في صورة ما من ناحية ومنع المحرمات والمعاصي من المجتمع بكل الوسائل من ناحية أخرى كرد فعل لما كان موجودا في سلوكيات الانجليز وعائلاتهم بالاسماعيلية من إحتلاط بين الجنسين وشرب الخمر والرقص وغيرها من عادات إجتماعية رأى فيها الشاب المسلم المتحمس ممارسة علنية للمعاصي والفجور دون وعي بأبعادها الاجتماعية وعلاقتها بالبيئة الثقافية لمن نشأ عليها إذ رآها بمعزل عن مجتمعها وخارج بيئتها فلم يكن في مقدوره أن يدخل إلى جوهرها ومن اللافت هنا أن هؤلاء الاوربيين بنفس عاداتهم هذه هم أنفسهم من رأهم الشيخ محمد عبده الذي سافر إلى باريس عام 1885 وعاد منها قائلا عبارته الشهيرة: لقد وجدت فى فرنسا مسلمين بلا اسلام وعدت إلى مصر لأجد إسلاما بلا مسلمين’. هو إذن اختلاف كبير في القدرة على الرؤية ومن المهم هنا أن نلاحظ أن فكر الشيخ محمد عبده كان متوفرا أمام حسن البنا فقد ولد البنا بعد عام واحد من وفاة محمد عبده، ولابد أنه قد أطلع على مؤلفاته وأفكاره التي وصفت بأنها قد أحدثت ثورة فكرية أدت إلى تحرير العقل العربي من الجمود وعملت على أن تواكب التشريعات حركة وتطور المجتمع والحياة وتواءم العصر، ومع ذلك فإن حسن البنا لم يتأثر بفكر محمد عبده ولم يحاول أن يبني عليه ويكمل مسيرته كما فعل محمد عبده نفسه مع فكر أستاذه رفاعة الطهطاوى فهذه السلسلة التي بدأت بالطهطاوي مرورا بمحمد عبده كان يمكن أن تستمر في مسيرتها وتطورها وتحديثها للفهم الديني لو أن حسن البنا كان قد أختار أن يكون هو المكمل لها الحامل لشعلتها، وكان مؤهلا لذلك بسبب مواهبه التنظيمة وقدرته القيادية، ولو كان فعل ذلك لكانت مصر اليوم أكثر تقدما من تركيا، لكنه أختار الطريق المضاد لمسيرة الطهطاوي عبده، فعاد إلى الوراء إلى ما قبلهما من فكر وثقافة ورؤية دينية متشددة منغلقة على ذاتها وعلى العالم، فأجهضت مسيرة النهضة.
ومن المدهش والمحزن فعلا أن الكثير من الاشكاليات الفكرية والمجتمعية التي يواجهها الاخوان اليوم مثل إشكالية مفهوم المواطنة وعلاقته بمفهوم الامة الاسلامية كان الطهطاوي وتلميذه محمد عبده قد وضعا لها حلولا منذ اكثر من قرن أو قرن ونصف فالطهطاوي هو أول من قدم مفهوم المواطنة لأول مرة وكذلك مفاهيم أخرى مثل الحرية لدى الفرد والمجتمع والثقافة العصرية فيقول في المواطنة ‘فجميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن يجب على أعضاء الوطن من حقوق بعضهم على بعض لما بينهم من الاخوة الوطنية’. والطهطاوي الذي عاصر محمد علي قام تلاميذه بإصدار ألفي كتاب ما بين مؤلف ومترجم في خلال أربعين عاما فقط وهو عمل هائل بمقياس ذلك الزمان، كما كان هو مؤسس مدرسة الألسن لتعليم اللغات ومن أوائل من سافروا إلى فرنسا (1826) ليوصف بعد ذلك بأنه كان ‘أصيلا ومعاصرا’ في نفس الوقت بلا قضية هوية ولا إشكالية أو خصومة بين الدين والعصر، وهي أشكالية نجدها بشكل واضح ومزعج اليوم داخل فكر الإخوان وبشكل أكبر داخل الحركات السلفية الوهابية التي إخترقت مصر في الإربعين عاما الأخيرة. الرافد الأخر الذي صب في فكر جماعة الاخوان المسلمين كان هو فكر سيد قطب الذى بدأ حياته أدبيا مبدعا في مدرسة العقاد الأدبية، لكن سفره في بعثة إلى الولايات المتحدة عام 1948 أحدث في نفسه أثرا كبيرا، فقد كتب عن الشعب الامريكي يقول ‘ شعب يبلغ في عالم العلم والمعرفة قمة النمو والارتقاء بينما هو في عالم الشعور والسلوك بدائي لم يفارق مدارج البشرية الأولى. بل أقل من بدائي في بعض نواحى الشعور والسلوك’، ويبدو أن ما يقصده هي عادات التحرر الاجتماعي واختلاط وتقيبل الرجال للنساء ببساطة قبلات التحية وربما التعري على الشواطئ وشرب الخمور، فقد كانت هذه المظاهر التي هي في جوهرها عادات اجتماعية بيئية صرف لا علاقة لها بالاخلاق وماتزال هي مشكلة وشغل الفكر الاخواني الشاغل، ورأى فيها سيد قطب نوعا من الهمجية البدائية، وهو ما يعني عدم خوضه إلى عمق أسلوب وثقافة الحياة الامريكية وإنما أكتفى بالحكم على ظواهرها من الخارج، ومازال معظم المفكرين الاسلاميين ينظرون إلى الحضارة الغربية بشكل عام بهذا المنظار شديد السطحية بما فيهم الدكتور عمارة والراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري رغم أن نظرة الاخير هي أكثر عمقا من الرؤية الدينية لدى المفكرين الاسلاميين إلا أنه يقع في نفس خلل الرؤية الذي يرى في الحضارة الغربية إزدواجية بين الروحي والمادي وانتصارا للمادي على حساب الروحي دون قدرة على فهم أعمق لمفاهيم ‘الروح’ و ‘المادة’ ولكن هذه قضية أخرى.
عاد سيد قطب إلى مصر يحمل عداوة وكراهية للحضارة الغربية التي رآها بمنظور ديني بحت لا يختلف كثيرا عن رؤية حسن البنا لسلوكيات العائلات الانجليزية في الاسماعيلية. ولا غرابة أن سيد قطب قد تأثر كثيرا بمؤسس الجماعة فقد كان في الولايات المتحدة عندما ذاع خبر اغتيال حسن البنا وهلل له الاعلام الأمريكي (فبراير 1949) فاستاء لذلك قطب وقرر أن يعرف أكثر عن البنا عند عودته لمصر وكان قطب مفكرا واديبا موهوبا ولكنه رفض أن يستمد التصور الاسلامي للحياة والكون والألوهية من المفكرين الإسلاميين الكبار إبن سينا وابن رشد والفارابي، رغم أهليته لذلك، فخذل مسيرة الفكر الإسلامي المتحرر المستنير كما رفض أن يتأثر برواد التنوير وتجديد الفكر والفهم الديني في مصر- الطهطاوي ومحمد عبده لأنهما كان معجبين بالحضارة الغربية واختار أن يتأثر ويعجب بحسن البنا الذي كان قائدا ومنظما وداعية لكنه لم يكن مفكرا- فانخرط في جماعة الاخوان المسلمين وكتب مئات المقالات وعدة كتب أهمها ‘معالم على الطريق’ و’في ظلال القرآن’ ومن أشد أفكاره تأثيرا في اتباعه ومريديه فكرة جاهلية المجتمع والحكام، التي جاءت ردا على تساؤل الجماعة عن أسباب انسياق المجتمع المصري بأسره وراء زعامة عبد الناصر وعدم التفافهم حول جماعة الاخوان التي كانت تعذب في السجون دفاعا عن العقيدة، فكان الرد أن المجتمع لابد إذن أن يكون مازال في جاهلية ما قبل الإسلام هو وكافة قياداته وحكامه، وهي فكرة تكفير المجتمع التي التقطها بعد ذلك تنظيم التكفير والهجرة والجماعات الاخرى التي قامت باغتيالات لشخصيات سياسية وأمنية ودينية وفكرية كثيرة في مصر، ثم أعلنت تراجعها الفكري والسلوكي عن هذا بعد زمن.
هذه هي المصادر الفكرية التي أسست لفكرجماعة الإخوان المسلمين منذ بدايتها إلى اليوم سارت كلها في مسار مستقيم واحد لم يكن مكملا بل كان معاديا ومناقضا لمسيرة حركة التنوير والتجديد الديني لمسيرة الطهطاوي محمد عبده، وأحيانا أنساق للخيال وتداعبني فكرة أنه لو كان لحسن البنا عقل شقيقه الأصغر جمال الأكثر تفتحا فكريا لكان أستطاع بقدراته التنظيمية ومواهبه القيادية الكاريزمية أن يأخذ مسيرة الطهطاوي ومحمد عبده إلى أفاق أبعد وأرحب، وربما كان تأثيره مختلفا على تلميذه سيد قطب الذي كان في مقدوره – في نفس الرؤية الخيالية -‘أن يلعب في عهد’عبد الناصرالدور الذي لعبه رفاعه الطهطاوي في عهد محمد علي.
سنجد أيضا أن مأساة الشاب الذي قتله ثلاثة من المتشددين في السويس بينما كان يجلس مع خطيبته لأنهم رأوا في هذا ممارسة علنية للمعصية هي نتيجة طبيعية لتزايد جرعة التشدد والحمية الدينية في مصر بعد أربعين عاما من انتشار وتسيد فكر التيار الديني في الشارع المصري في غياب مفجع لفكر التجديد والتنوير للرواد الطهطاوي ومحمد عبده والذي لم يعد يمثله في مصر اليوم بعد رحيل نصر حامد أبو زيد سوى وياللمفارقة- الأستاذ جمال البنا الشقيق الأصغر لحسن البنا الذي ما يزال يكتب ويتحدث ويملآ الدنيا ويشغل الناس. فكرة أن من حق المؤمن الغيور على دينه أن يقتحم حياة الآخرين ويتعدى على مجال وجودهم الشخصي متهما إياهم بارتكاب المعاصي هي جزء أصيل من الفكر الاخواني السلفي وهي ما يؤدي إلى التعدي على حقوق الآخرين في التفكير والتعبير والابداع، والتحريم والمصادرة للمبدعين وأعمالهم بدءا بمحاولة حجب رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ إلى محاولة أغتياله بعد أغتيال المفكر فرج فودة، وبعد محاولات التحريم والمصادرة لأعمال روائية وشعريه أخرى كثيرة وصولا إلى الحكم على الفنان عادل أمام بتهمة إزدراء الدين الاسلامي لأشتراكه في أفلام تحارب الفكر الارهابي وممارساته الدموية.
هذا الاجتراء على حقوق الآخرين الذي يمنحه ‘المؤمن’ الإخواني والسلفي لنفسه سيكون هو مجال المعركة الكبرى المتوقعة تحت حكم الإخوان وهي معركة الحرية في أساسها وفي أسمى معانيها وممارساتها، فحرية ممارسة التفكير والتعبير والابداع والتذوق والاختيارات الشخصية في الملبس والمأكل والمسلك هي المبتغى النهائي للحرية السياسية التي تتطلع إليها كافة الشعوب، والتي لم تحصل عليها الشعوب العربية بعد، وهو وعد ثورة مصر في 25 يناير، فبدون الحرية الفردية لا توجد أية حرية أخرى ولا تقوم نهضة أو تتحقق عدالة إجتماعية أو كرامة إنسانية.
كنت في العشر سنوات الاخيرة في كتاباتي ضد نظام الرئيس المخلوع وضد فكر الاخوان أرى فيهما معا أسباب التردي الحضاري الهائل الذي أصاب مصر في ثلث القرن الاخير، ولكني كنت في نفس الوقت أقول أن المعالجة الأمنية ليست هي الصحيحة في مواجهة الفكر الاخواني وأن السجون لا تحل شيئا وإنما المطلوب هو رؤية فكرية مغايرة تدخل مع الفكر الاخواني في معركة ثقافية كبرى من أجل روح مصر، وكنت ومازلت أعتقد أن الديموقراطية والحرية السياسية والفكرية هي أساس أى تقدم، وأن لا بديل عنها لكي يرى الناس بوضوح وبشكل عملي مدى تردي فكر هذا التيار ومعاداته للعصر، وهذا ما حدث حين تراجعت شعبية التيار الأخواني السلفي بشكل كبير بعد أربعة أشهر فقط من ممارساتهم البائسة في مجلس الشعب وخارجه كأصحاب الأغلبية، فقد رأى الناس كيف أن رؤيتهم الدينية المنغلقة لا تنشغل سوى بالنوافل من الأمور، وكيف تغيب عنهم الرؤية السياسية والاجتماعية بل والوطنية للبلد الذي يقيمون فيه.
المتشددون في رؤيتهم الدينية الضيقة للحياة والمجتمع لايبنون حضارة ولايقدرون على نهضة وصعب على الاخوان التحرر من هذه الرؤية- فهم يطردون من داخلهم كل من يحاول التجديد ولو بقدر ضئيل كما فعلوا مع أعضاء حزب الوسط ومع قيادي مثل عبد المنعم أبو الفتوح. لذلك سيفشل مرسي إذا حاول أن يحكم مصر بعقلية الإخوان مستمرا في مسيرة البنا قطب. في نفس الوقت فإن أمام الأخوان فرصة تاريخية لن تتكرر أن يقوموا بالمراجعة الفكرية الصارمة لأفكارهم المتزمتة المخاصمة للعصر وللحرية وللعلم وللإبداع مستلهمين فكر رفاعه الطهطاوي ومحمد عبده منفتحين على مفاهيم الزمن الذي يقيمون فيه وليس زمن السلف الذي يتوهمون أن العودة للاقامة فيه هي التجلي الأعظم للتدين والتقوى، وفي الحالتين علينا أن نخوض معركة تحرير العقل العربي التى تأخرت كثيرا.’ كاتب مصري يقيم في نيويورك