الحصاد الهزيل.. من الثورة الجادة إلى الفانتازيا!

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل حين أخلو إلى نفسي أو أتناقش مع الرفاق والمعارف عما يحدث في مصر يتملكني شعورٌ يشبه أخاه الذي كان يسود حياتنا ويسيطر عليَّ أيام مبارك… شعورٌ بالقرف والغثيان وصدة النفس… رغبةٌ عارمةٌ في الإلقاء بالجريدة في أقرب صحيفة قمامة تقابلني غيظاً وإحباطاً… ذلك أنك لا تجد في مصر خبراً واحدا يسرك أو يؤذن بأي تغييرٍ إيجابيٍ عميق ذي مغزى سينعكس على حياتنا… مناورات ومناوشاتٌ كثيرة وأخذٌ ورد وتحركاتٌ متخبطة تشكل الواجهة محلياً على خلفية التعايش المتوتر وزيجة الاضطرار بين المجلس العسكري ممثلاً للنظام والجماعة التي تحاول الانسلال إلى نسيج الدولة وآلة السلطة… غزلٌ غير عفيف مع الأسرة الحاكمة السعودية في كنف حضورٍ أمريكي محسوس يخيم على كل التطورات ويبعث في الجو رائحةً كريهة ومشبوهة، ناهيك عن السجال المستنقعي حول الجمعية التاسيسية للدستور ومواده والمادة الثانية، قدس الأقداس، وأسئلةٍ لا تنتهي من عينة: أهي أحكام الشريعة أم مبادؤها… و من يرعى ذلك ويشرف عليه، أهو الأزهر ممثلاً للمرجعية السنية أم طرفٌ آخر.

؟!! وبالطبع لن يفوتنا التنويه بالوعود التي لا حصر في معجزة المئة يوم الموعودة عن رغيف الخبز الذي سيتضخم مع بقائه على سعره الزهيد نسبياً وتنظيف القاهرة الخ… وإني لأسأل: أين الفقراء والمهمشون؟ أين المسجونون احتياطياً في السجون العسكرية والمحاكمون أمام القضاء العسكري؟ أين الإطاحة بالتركيبة الطبقية الحاكمة التي استفادت من عصر مبارك؟ أين محاولة إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة في ضوء المتغيرات وإعادة مصر إلى مكانتها مركز ثقلٍ واتزان؟ أين الثورة؟

قد يرد على أحدهم بأن الوقت ما يزال مبكراً لأؤكد أنني هنا لا أعني الإنجاز الحقيقي على الارض وإنما يعنيني الرؤية والنوايا كما تتضح من مادة الجدال والتصريحات ومستواها، وللأسف، فليس فيها ما يبعث على البهجة أو التفاؤل أو الطمأنينة، وإن ذلك ليستدعي إعادة النظر والتقييم.

على ما أذكر اندلعت في مصر نيران ثورة ٍ شعبيةٍ مهيبة في الخامس والعشرين من يناير من العام الماضي؛ ثورةٌ أشعل شرارتها الأولى تظاهراتٌ احتجاجية نظمتها تياراتٌ وتنظيماتٌ غالبية منتسبيها الساحقة من الشباب… إلا أن وقود الثورة وجسدها، تلك الملايين الحاشدة التي تدفقت من كل اتجاه وفي كل المحافظات محولةً ذاك الحراك إلى ثورة لم يدفعها إلى الشوارع والميادين ما تعرض له الشباب من قمعٍ فقط، وإنما لأنها فاض بها مما تعانيه بصورةٍ يومية من حياةٍ صارت أشبه بالجحيم فقراً وقمعاً وإهانةً مجانية بالإضافة إلى انسداد المستقبل دونهم ودون أبنائهم… لقد ثار الناس لأن حياتهم، وهم الشعب الصبور، لم تعد تُطاق على هذا الوضع ولأنهم ترسخ لديهم شعور بأنهم وصلوا إلى آخر المطاف، إلى طريقٍ مسدود تماماً مع مبارك وأوباشه لا يرجى منه إصلاحٌ في ظل بقائه… ربما لم يفكروا أو يحللوا أو يدركوا وقتها، إلا أن شعورهم بالغضب الثوري والرفض والكراهية هو أفصح تعبيرٍ عن هذه الدوافع… لكن لسوء الحظ، فإن الجديد لا يولد جديداً تماماً وإنما يحمل علامات الماضي ويرث منه كثيراً من ديونه ونقائصه وإشكالياته… تلك إحدى حقائق الحياة المؤسفة… وعلى غرار ذلك، فإن ذلك الحراك الثوري العظيم وقع أسير حتمية التعامل مع ميراث عصر مبارك من تجريفٍ سياسي ترجم عن نفسه من خلال ضعف وحداثة عهد التنظيمات المدنية الشابة وهامشية وهزال، بل موات أخواتها القديمة التي ارتضت من النظام بالفتات في مقابل وجود شكلي يضفي على النظام هالةً كاذبة من التعددية والديمقراطية، لذا نجد أن الحراك لم يفاجئ النظام فحسب وإنما فاجأ القوى الثورية مما عبر عن نفسه في المطالب التي بدأت جد متواضعة ولم يزل سقفها يرتفع إزاء رعونة النظام وما بدا من إفلاسه واهترائه؛ وقد ترتب على ذلك أن الكثير (إن لم نقل كل) من تلك القوى لم يكن لديها تصور أو مشروع عملي مفصل، مصري خالص، لكيفية الاستيلاء على السلطة وإدارتها لتحقيق المطالب الأساسية والحقيقية للثورة لدى سقوط النظام كونهم لم يؤمنوا بإمكانية هذا السقوط في الأساس، فضلاً عن فقدان الغالبية الساحقة من الجمهور للثقافة السياسية والدراية الحركية ما كانت تحتاجه لاستغلال الفرصة التاريخية… في المقابل تواجدت على الساحة تيارات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين بتنظيمها الأفضل بمراحل ومواردها المادية الأوفر بما لا يقاس مستغلةً شارعاً متعاطفاً معها خاضعاً إلى حدٍ كبير لنفوذها الفكري لأسبابٍ عديدة معقدة تغطي أكثر من نصف قرن مما لا مجال هنا لمناقشته.. المهم أن النظام وعلى رأسه المجلس العسكري نفذ ببراعة شديدة من تلك الفجوة بين واقعٍ يتغـــــير بسرعة وبــــين عدم استعداد التيارات الثورية الصادقة وعدم مقدرتها على استباق الحدث أو حتى مواكبته واستيعابه والتنظير له، وقد أعانه على ذلك بامتياز الجماعة حتى تمكن من إضعاف الشارع… هنا تحديداً بدأ الاستعصاء الحقيقي فالجماعة ليس لديها رؤية اجتماعية اقتصادية مختلفة وإنما تتماهى مع النظام في انحيازاته الطبقية مع اختلافات بسيطة، كما أنهم والسلفيين لم يكونوا يعدون لثورة أو حتى يريدونها، ومن هذا المنطلق ندرك أن ذلك التحالف سعى وما زال لإحباط المطالب الحقيقية للثورة في إعادة تشكيل المجتمع وعدل ميزانه وإنصاف طاقاته المنتجة وتشبث بكل ما هو شكلي. لقد نسق الطرفان وكرسا طاقاتهما من أجل خلق العراقيل ملتزمين التزامٍ شبه ديني بالالتفات للشكليات ووضع العربة قبل الحصان حتى وصلنا إلى ما نحن فيه من انتخاب رئيسٍ بلا دستور ولا برلمان… وها نحن الآن لا نناقش المطالب الشعبية في مشاريع التنمية وخلق فرص العمل والإنتاج والعدالة الاجتماعية الأوسع وإنما نتحدث عن الاستثمارات الموعودة التي ستصب من الخارج والتسول من المملكة، وعوضاً عن المصالحة الوطنية وإعادة ترميم مفهوم المواطنة التي تكفل الحرية السياسية والمساواة للجميع دون التقوقع على نفسها بل تنفتح على الإنسانية الأرحب إذا برئيسنا المنتخب يتحفنا ويزف إلينا نوايا التنسيق بين البلدين اللذين يتبعان مذهب أهل السنة والجماعة… و لن يتسع المجال لصولات وغزوات المادة الثانية الحامية للإسلام (وقد حرت لأفهم من يتهدده في بلدٍ تسعون بالمائة من سكانه مسلمون). لقد ضحت قوى الإسلام السياسي وعلى رأسها الجماعة بمضمون الثورة في مقابل الفوز بشكلها وبمناصب شكلية سطحية وهو الأمر الذي استقبله النظام بترحيب، ومن مقدماتٍ متخبطة وخطواتٍ ومنطقٍ معكوسٍ مشبوه للتعاطي مع العملية السياسية وصلنا إلى هذا الوضع العبثي، وإن لأزعم أن أي شخصٍ يأخذ خطوةً إلى الخلف أو يراقب الصورة عن بعد سوف يصاب بالعجب من هذه الفانتازيا، من هذا المشهد الغرائبي والمحزن واللامعقول لثورةٍ بدأت عظيمة وآلت إلى هذا الترهل وذلك المستوى المتدني من النقاش والقضايا والابتعاد عن أهداف الثورة في هذا الوقت القصير.

أمام ذلك المشهد الذي يؤكد محاولة إعادة إنتاج واقع نظام مبارك يلوذ العديد من ابناء الشعب إلى قرارٍ بعدم تصديق ما يرونه من خيبةٍ وإفلاس متعلقين بالأمل في خيرٍ لا بد أن يأتي… ذلك بينما يلاحق الآخرون مطالب فئوية او يقررون عدم الاهتمام كما كانوا يفعلون من قبل أو يندب البعض شهداء الثورة… ما زال بالإمكان إنقاذ الثورة ولا بد في هذا المنعطف للقوى الثورية المدنية من استعادتها عن طريق التنسيق وتخطي الخلافات ومن ثم الانتظام في جبهةٍ… لا بد من العودة إلى الواقع وتصحيح مسار الثورة قبل فوات الأوان…’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية