فتح وحماس.. هل من بديل

حجم الخط
0

د. ناصر عبد الرحمن الفرا شئنا أم أبينا، فإن حركة التحرير الفلسطينية ‘فتح’ وحركة المقاومة الإسلامية ‘حماس’ هما المرجعية السياسية المحورية داخل الساحة الوطنية السياسية. هذا القول ليس رأيا خاصا وإنما تعبير واقعي منبثق عن شرعية نتائج انتخابات المجلس التشريعي المنعقدة عام 2006، التي حصلت فيها حماس على 57.6′ من عدد المقاعد، في الوقت التي حصلت فتح على 32.6′ من المقاعد. معاً وكل واحد من هذه القوى حصل على نسبة أعلى تجاوزت النسبة التي حصلت عليها باقي القوى المستقلة الوطنية المندرجة تحت مظلة أحد تلك الحركات أو تحت مظلة فصائل أخرى فضلت أخذ موقف متردد من تلك الانتخابات والتعامل معها بشكل غير مباشر، نقصد هنا بالتحديد الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية والجهاد الإسلامي. على الرغم من تاريخها النضالي، حالياً وللأسف لا يمكن الجزم بأن هذه القوى، منفردة أو متحالفة، تشكل بديلاً استراتيجياً لكل من حركة فتح وحماس. هذا الاعتقاد، القائم على معطيات موضعية، يفرض على كل مهتم بالشأن الفلسطيني أن يقبل، طوعاً أو كراهية، بالآمر الواقع، وأن يركز جلي استحقاقاته على كلا الحركتين حتى تتغير الأمور لما هو أفضل من هذا الحال. رغم ذلك، دعم كل واحدة من القوى الثلاثة المذكورة واجب عام سيساهم في خلق توازن دائم يمنع كل من فتح وحماس من الهيمنة الدائمة على الساحة الفلسطينية. هذا النوع من الهيمنة، كما يبدو من عمق دوامة الانقسام والمصالحة، مضر بشكل واضح على مجرى الاحداث الوطنية. الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني، ذو الانتماء الوطني البحت، تتمنى لو كان هنالك بديل حقيقي سياسي يستحق الدعم ويؤدي إلى تهميش، لزمن ما، كل من حركة فتح وحماس، لما اقترفته كلاهما من أخطاء ذات تأثير سلبي على البيت الداخلي وعلى مصير أفاق النضال الشعبي. بلا شك، تاريخ كلا الحركتين، وبالتحديد كوادرها المقاتلة، مجيد وحافل بالفخر، لكن هذا لا يمنع من القول بأن وجود كل من فتح وحماس خارج دواليب السلطة، لفترة زمنية، يمكن أن يدفع كوادرها السياسية الى إعادة صياغة منظومتهم الفكرية وترتيب هيكلتها المؤسساتية، وهنا نقصد بالتحديد حركة فتح، ذات التركيبة المعقدة والتي منذ فترة بدأت تظهر عليها ملامح الكهولة والعيش على ما تبقى من مدخرات الماضي. يمكن أن يبدو هذا القول ضرب من الخيال، لكن كل خيال في هذا الشأن هو خطوة ضرورية تسبق أي عملية تمعن وعمل. وفلسطين في حاجة لأن تشخص فتح في وضعها الداخلي وتعمل على تغييره بشكل معمق وليس بشكل سطحي وملفق كما حدث في مؤتمرها السادس. نفس الآمر يخص الجبهة الشعبية والديمقراطية. فرغم نوعية العمل الثوري المتبع من قبل كوادر كلا الجبهتين، فأن هذه القوى بقيت دائماً مركونة على هــــوامش الإطار السياسي الفلسطيني العام، في الوقت الذي احتكرت كل من حركة فتح، منذ انطلاقتها، وحركة حماس، منذ تأسيسها، موقع الصدارة. هنالك اعتقاد عام مرده أن تمسك بعض قيادات الجبهة الشعبية والديمقراطية بالمفاهيم االماركسية-اللينينيه’، أو هكـــذا أعتقد، وتحليلهم للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، على الأقل في بدايته، من منطلق صراع الطبقات والتكتلات القطبية، لم يفهم بتاتاً من قبل المواطن ذو الثقافة المتواضعة. هذا السلوك أثر وما زال يؤثر سلبياً علي نسبة الانتماء الشعبي لكلا الجبهتين. هــــذه النسبة بقيت متدنية رغم االنقد الذاتيب الذي قامت بها بين الحين والآخر القيادات الشابة، والهادف لأن يحكم المواطن عليهم من منطلق السلوكيات الوطنية، وليس، كما جرت العادة، من منطلق المرجعيات الكونية. لسوء حظ الشعب الفلسطيني، السلوك الأيدلوجي القديم منع وما زال يمنع كل من الجبهة الشعبية والديمقراطية من تأسيس بديل ثالث متوازن ومواز لحماس ولفتح. للأسف، انغلاق القيادات القديمة الدائم وعدم قيامهم بمجهود تجديدي واقعي يعطي الانطباع بأن كلا الجبهتين يمكن أن يشكلوا بديلاً حقيقياً حد من امكانياتهم ومواقعهم في الساحة السياسية. هذه القيادات عجزت عن محاكاة العقلية العامة والاستفادة من الكم الهائل من تنوع التوجهات الفكرية، خاصة بين المستقلين، الذين ليس لهم انتماء سوى لله وللوطن. فيما يتعلق بالجهاد الإسلامي، يبدو أنها فضلت الاكتفاء بشرف العمل الثوري على حساب العمل السياسي، حتى لا تضيع في متاهاته. بهذا الشكل احتفظت هذه الحركة برونق خاص، شبيه بذلك الذي كانت تحظى به كل حركة مع بداية انطلاقتها. بعكس الجبهة الشعبية والديمقراطية، برعت كل من حركة فتح وحركة حماس، الأكثر عدة ونفيراً، من تجسيد واستثمار نضال كوادرها الثورية بشكل أفضل، كذلك في استغلال نبض وفكر الشارع العامة، مما زاد من تواجدهم وقوتها في الساحة الوطنية. لقد تمكنت كل من الحركتين من إبراز فكرة كونهم الإفراز الطبيعي للنسيج الاجتماعي والبنية العقلية الفلسطينية، متجاوزين في ذلك حتى مواقف ورأي الكمية الهائلة من الصامتين والغير راغبين في الاصطفاف رسمياً خلف أي منهما، نتيجة ما الت إلية الأحوال الداخلية من تشرذم وبسب نوعية العلاقة بين الفصيلين، التي تتجاوز في حدتها ونوعيتها العلاقة مع المحتل. احياناُ، وهنا ترى الأغلبية شر البلية، هو أن هذه القوى تستنسخ في تعاملها المتبادل نفس النهج والاساليب القمعية المتبعة من قبل إسرائيل ضد كوادرها وضد كافة أبناء الشعب عامة. حالياً ومع غياب البديل الوطنــــي، يبدو أنه لا مفر بتاتاً من التعاطي اليومي مع كل من حركة فتح وحماس. لقد وافــــق المواطن الفلسطيني، بإرادته أو رغماً عنه، بأن تدير الحركتان مصير الشعب والقضية. مع ذلك، ما يبغضه المواطن حقاً هو ممارسة قيادات فتح وحماس من زعامة وطنية توحي كما وكأن هنالك شعبين وقضيتين مستقلتين تماماً. هذا الانطباع، الموحى اساساً من السلوك السياسي، يرغم، خاصة البعيد عن الساحة الوطنية، على تفهم مواقف بعض الحكومات العربية، القائم على ضرورة عدم تمكين كلا الحركتين من فرض امر واقع منفصل في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، لأن مثل هذا النوع من التمكين على الأرض سوف يساهم حقاً في تجذير الانقسام الديموغرافي، لا بل سوف يسمح للقيادات المقسمة للوطن إدارة الامور بشكل انفصالي، مما سوف يسهل أكثر على إسرائيل ابتلاع الأرض وقلع الشعب. بلا شك، السلوك الرسمي العام غير مفهوم وغير مقبول، بل ومرفوض شعبياً. مع ذلك، هذا الشعور لن يمنع أي مواطن فلسطيني، كان هذا قاطناً في القدس، رام لله، غزه أو خانيونس، أو في الخارج، لبنان، مصر، سوريا، الكويت، السويد أو اليونان، من المطالبة بعملية انتخابية متوالية تسمح بتداول حقيقي للسلطة. حالياً، هذه العملية هي المخرج المناسب لتلاشي حالة التردي القائمة، وهي أنجع وسيلة لتبديل الاشخاص وتجديد التوجهات السياسية. فقط الانتخابات المنظمة بشكل دوري سوف تسمح للمواطن وللمواطنة الفلسطينية التعبير عن رأيهم والتأثير على مجرى الأحداث. على ما يبدو، كل من حركة فتح وحماس على يقين من التأثير السلبي للانتخابات على مصالحهم الفئوية، لهذا نلاحظ في اليوم الذي يريد هذا إجرائها، يرفض فوراً الآخر. هذا التصرف الغريب يجعلنا نعتقد بأن كلا الطرفين متفقان ضمنياً على شروط اللعبة؛ هم الوحيدين في الملعب، والباقي متفرج أو مصفق. كم مباراة هزلية وكم هزيمة أغضبت الجمهور وأجبرته النزول لأسقاط جم غضبه على من سبب في الهزيمة. كل مواطن فلسطيني يتمنى أن لا يصل الآمر لهذا الحد، بل أن تتفق كل الأطراف على الثوابت الوطنية وأن تركز كل الطاقات على الأولويات العامة. وجود المحتل هو الذي يفرض الصمت والتركيز اساساً على عملية التحرير من براثن الاحتلال أولاً. الانتخابات واحترام الإرادة الشعبية هم من يمنح وينزع الشرعية. في أعين المواطنين، المشكلين للأغلبية والذين، كما قلنا سابقاً، ليس لهم انتماء سوى لله وللوطن، حالة تمت الانتخابات، سوف يكونوا مجبرين على الاختيار بين كل من حركة فتح وحماس، وذلك رغم اعتقاده بأن كلاهما غير جديرتين بكامل الثقة نتيجة سلوكياتهم السلبية وتركيز طاقتهم لبعضهم البعض بدل توجيهها نحو المحتل. الاختيار اساساً سوف يكون بين كلاهما رغم فقدان الثقة وبسبب عدم وجود حل أو بديل. غياب الثقة عامة ناتج عن الاسباب التالية: فيما يتعلق بحركة فتح، أولاً، لعدم إجراء عملية تنظيف داخلية تقلع جذرياً وتعاقب كل من هو مفسد لسمعة الحركة. الكل على معرفة بمن وكيف عاب تاريخ فتح النضالي. الرعيل الأول قاد الحركة بجدارة وحنكة، وخرج من الدنيا ولم يعرف عنه تواطؤ أو فساد يعيق مصير الحركة ويضر بسمعتها. من بعده جاء جيل آخر، شغله الشاغل هو احتلال المناصب واحتياز الشهرة أو المال، مثل ما يحتل العدو الأرض ويسعى في احتياز خيراته. لقد أصبحت سلوكيات بعض أبناء هذا الجيل الحديث اليومي وهدف للتسلية العامة. في الماضي، كانت اناشيد فتح تتغنى بمفهوم الردع، الذي يعصف بكل من يخرج عن الصف. أما الآن، هنالك من يسرح ويمرح ولا يبالي، يفعل كما وكأنه ماسك على غيرة ممسك يمنعه من القول أو الفعل. فتح اليوم، في عزيمتها، ليس لها بتاتاً علاقة بفتح الطلقة الأولى. ثانياً: عدم اكتراث حركة فتح بتاتاً بالجانب الفكري. لم تشكل فتح يوما ما مجموعة منظرين يتكلفون بعملية تقييم دائم لمنظومة أفكارها. لا يعرف للحركة وثيقة عامة تحدد الأطر الايدلوجية السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية والعقائدية واضحة المعالم. من يحاول البحث عن مرجعيات تحدد الأفكار العامة والخاصة بها، لن يجد سوى كتيبات بلا اسماء أو محتوى متناسق شامل، معظمها مغبرة ومركونة على أرفة المكاتب وفي المخازن. ‘الميثاق الوطني الفلسطيني’، أو ما تبقى منه، ليس منظومة فكرية في حد ذاته، وإنما دستور مبدئي فلسطيني عام، وغاية تحمل في طياتها أهدافا تحدد لها وسائل. المرجعية الفكرية شيء آخر يجب وضعه نظرياً واتباعه عملياً. حالياً شبيبة فتح في حالة ضياع لا مثيل له، لا تعرف ماذا تقول أو على أي اساس ترد، تفكر أو تفعل امام حدث. انهم في حالة دفاع دائم، وما هو مؤلم، هو أن الكم الهائل من الهجوم والنقد يأتي من بينهم ومن بين أبناء شعبهم، نتيجة سلوكيات بعض قياداتهم الرسمية وشبة الرسمية، أو المحسوبين عليها، كما يحلو للبعض ان يقال لتخفيف حدة النقد. امام هذا الحال، الكثير من ‘فتح الشرفاء’ كما يسمى حالياً البعض تمييزاً عن الغير، بادروا إلى الانعزال تلقائياً، في انتظار اليوم الذي يتبلور فيه جيل يعيد لحركة فتح كرامتها المهدورة ودورها التاريخي في تحرير الوطن ورقي الشعب. أما فيما يتعلق بحركة حماس، للحصول على الثقة عليها أن تضع في الحسبان ما يلي:

أولاً، على الحركة أن تعي بأن حملها لأسم الإسلام لا يعني إنها تمثل المشيئة الإلهية على أرض فلسطين. انطلاقا من فكرة أن دورها ليس هذا، لا يحق لبعض كوادرها أو منظريها لعن وتكفير كل ما لا يوافق على أسلوب عملها ومواقفها السياسية. يجب الاعتراف والعمل على اساس أن هنالك اختلاف بين المواقف المنبثقة عن ما هو ديني بحت، خاصة فيما يتعلق بالمعتقدات والعبادات، وبين العمل السياسي المحض. المكلفون بتفسير ما هو ديني هم فقط المتخصصين في فقه الشريعة، ليس سوي، أما القائمون على العمل السياسي فهم من كافة الناس، وهم بذلك غير معصومين من الخطأ والمحاسبة. رسولنا الكريم هو القائل ‘أن الله يحب أذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه’. هنا استعمل كلمة عمل بشكل مفرد، والكل يحاسب حسب نوعية عملة. من يعمل في السياسة يجب أن يقبل أن يحكم عليه من مفهوم سياسي، ومن يعمل في الدين أن يحكم عليه من منطلق ديني. وما هو أهم من هذا وذاك، هو وجوب التذكير بأن الغالبية العظــمى من أبناء المجتمع الفلسطيني، مسلمين ومسيحيين، هم مؤمنين بحق، كانوا أم لم يكونوا تابعين لفئة بعينها. لذلك يجب التعامل دائماً معهم على هذا الاساس ومن هذا المنطلق. هذا القول لا يلغي حق حماس في العمل على اسس مرجعية دينية في تعاملها مع إسرائيل، خاصة وأن حكوماتها، يمينية أو يسارية، لا تخفي أجندتها ذات البعد الديني في التعامل معنا. أليس جميعهم مؤيد لمطلب الاعتراف ‘بيهودية دولتهم’. ثانياُ: على حركة حماس حماية والدفاع بقوة عن مشروع تطوير وتحديث المجتمع الفلسطيني. هنالك انطباع شائع بأن حماس تحمل في جعبتها ‘مشروعا ظلاميا’ وتخلفيا لهذا المجتمع، بمعنى أنها أن تمكنت سوف تغلق كل آفاق التقدم امام شباب وشابات هذا المجتمع. يصعب تفهم ذلك، خاصة وأن تصرفات كثير من شبيبة وقيادات الحركة توحي بدرجة عالية من الرقي والحداثة، لكن مردود هذا الاعتقاد هو وجود فئات حمساوية تبدو تصرفاتها اقرب للتعصب والتزمت من التسامح والتعامل بالحسنى، التي هي، بجانب الرغبة في العلم والتقدم، سمة من سمات ديننا الحنيف وصفة من صفات شعبنا على مر العصور، سواء كان ابناؤه منتمين لحركة فتح، حماس، الشعبية، الديمقراطية أو الجهاد. أن وعيت كل من حركة فتح وحركة حماس بثقل كل ما ذكر وتمكنوا من إدراكها بأسرع وقت ممكن، وأن تمكنت باقي القوى السياسية الفلسطينية من طرح نفسها كبديل وطني، فإن المواطن، الذي هو البديل الدائم والحاسم بحرية إرادته، حال فرضت عليه الانتخابات، سوف يجد نفسه في حيرة وسيصعب عليه الانتقاء بين الأفضل والأفضل من الأفضل. هنا تكمن عظمة الحرية والإرادة الوطنية العامة.’ كاتب فلسطيني مقيم في إسبانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية